تعددت الطرق الموصلة إلى سيلفيربيك من تجمع الساحرات.
كان بمقدور الماجسترا، أو من يحالفه الحظ بمرافقتها، استخدام خدمة بيغاسوس لختصار الرحلة تماماً.
شكل السفر هناك على المكنسة خياراً مفضلاً أيضاً، رغم أن وحدهم من أتقنوا تعويذات التدفئة شجعان بما يكفي لخوض تلك الرحلة.
تعذر استخدام تلك الخيارات فتحول المرء إلى الطريق.
سيرت خدمات البريد رحلاتها كل صباح ومساء من الحرم وإليه، مما أتاح حتى لمن افتقروا إلى المهارات أو المعارف بلوغ البلدة.
اعتاد أوريون تفضيل المركبات الطائرة. بدت الخيالة المجنحة مذهلة حقاً وقللت وقت السفر بشكل ملحوظ. لم ترافقه أمه للأسف ومنعته من نيل وثيقة تصريح كانت ستتيح له تسخير نفوذها واستئجار مركبة لنفسه.
جلس لهذا السبب في مؤخرة عربية غير مريحة الآن، باذلاً وسعه لتجاهل رائحة العجوز إلى يمينه المنبعثة بغثيان سكري.
سألت بصوت أجش: "أمتأكد من راحتك هناك يا عزيزي؟ توجد مساحة أكثر من كافية لك هنا"، وخيل إليه تماماً أنها ربما تسخر منه.
بدت تلك إمكانية واردة جداً بكونها ساحرة. لم يستبعد أبداً اختيارها للركبة الأبطأ لإزعاج أكبر عدد استطاعته من الشباب.
[أيلا - المستوى 78]
[ناسجة النور - الفئة د]
لم تكن مبهرة البتة، سيما بالنظر إلى امتلاكها فئة من الفئة جيم بوجودها في الطبقة الثانية. دل ذلك على عدم ولادتها في الحرم وافتقارها لفئة المبتدئ منذ الولادة. لم يعني ذلك عجزها عن إيجاد متعتها بطرق غير معتادة.
اقتران وضع عطر طاغ بجعل الناس في مكان ضيق يتحملونه لساعتين بسادية تجاوزت معظم الهوايات، لكنها لم تمثل أغرب ما واجهه في هذه الحياة.
استطاع سيت، على سبيل المثال، قضاء أسابيع في إعادة قراءة الكتب نفسها، محللاً أسباب اختيار الكلمات وكيفية توصل الكاتب إلى استخدامها سطراً بسطر.
اختنق قائلاً: "أنا بخير"، مقرراً أن تعويذة تنقية الهواء ستتصدر قائمته التالية.
ستثبت فائدتها يقيناً عند خروجه للمغامرة حول الماجوقراطية، والأهم أنها ستمنع أنفه من تحمل مثل هذا الإساءة مجدداً.
أوضحت الابتسامة التي وجهتها إليه إدراكها التام لما تفعله، فابتعاد أوريون عنها مسافة أكبر. نعم، لم يرد صلة بأدنى علاقة بتلك المرأة المخيفة.
بلغوا المرحلة الأخيرة نحو سيلفيربيك لحسن الحظ، وما لبث السائق أن نادى: "سنصل وشيكاً، يرجى الاستعداد للترجل!"
أعقب ذلك دقائق مربكة من التدافع، إلى أن صار أوريون في الخارج أخيراً، مستنشقاً الهواء النقي كأنه للمرة الأولى.
تمتم: "سأتعلم الطيران ولو كان ذلك آخر ما أفعله".
قدرته على الارتفاع كانت حاضرة؛ واحتاج فقط لمعرفة جزء التدفئة ليصبح جاهزاً تماماً.
هرع مبتعداً بسرعة إثر ذلك، رافضاً مجازفة قرار العجوز إزعاجه مجدداً. لم يستبعد حدوثه منها.
بدت منطقة السوق حيوية كعهدها، بصياح التجار وفناني الشارع ومساهمتهم في صخب الحشود، لكن أوريون لاحظ تراجع تشكيلة البضائع المعروضة للبيع مجدداً.
لم يبلغ الحد المؤثر على المزاج العام بعد، وخلت الرفوف الفارغة من أي متجر، لكنه راهن برهان رابح على شعور التجار بالضغط وحذر الزبائن الأكبر في مشترياتهم.
ازدادت قرية الخيام خارج أسوار البلدة في الأسابيع الفاصلة منذ زيارته الأخيرة فحسب، وشك أوريون في انعكاس هذا الاتجاه قريباً.
تشوق لاكتشاف ما يمكنه جمعه من قطع السحر المتناثرة المشتعلة حول المنطقة بخصيصته الجديدة، لكن نظرة خاطفة كفت لتهدئة توقعاته الجامحة.
نعم، ألقى الناس تعويذات واستخدموا أغراضاً مسحورة، لكن تمحورت كلها حول سحر بدائي للغاية.
ابتلع فنان شارع كميات وفيرة من الماء، ليقذفها من قدميه ويدفعه إلى الهواء، حيث يدور ويهبط برشاقة إلى الأسفل.
أعلمته [مبدأ التحقق] بأن الأمر لا يعدو كونه كيس ماء مربوطاً بحذائه، أطلقه الرجل بدفق ضعيف من المانا — وليس مانا الماء كما توقع، بل المانا الخام.
كان إبهار قدرته على إنجاز هكذا عرض بتعويذات واهية يصعب اعتبارها من الفئة صفر أمراً مثيراً بصراحة، لكنها عديمة النفع لأغراض أوريون.
ينبغي لي غالباً التركيز على أولئك الذين تستحق مستوياتهم انتباهي.
استقرت نظارات كشف النظام الموثوقة على أنفه، وحاول أوريون استخدامها باقتصاد، فقط عند رصد من اعتقد إمكانية كونه قوة خفية.
عبر رجل مفتول العضلات يرتدي لباس محارب همجي، مزوداً بالفؤوس وعباءة فرو، الحشد واثقاً كأنه يملكه؛ غير أن مستواه روى قصة مختلفة.
[ثورموند - المستوى 63]
[هياج - الفئة د]
هذا الفتى أضعف من الساحرة كريهة الرائحة. أتوقع حدوث ذلك بالطبع بالنظر إلى كون الحرم القوة الأعظم في الإقليم بلا منازع. لكنني انتظرت وجود قلة أقوى على الأقل حول المكان.
لو أمكنه إيجاد تلك الجنية مجدداً فحسب...
للأسف، وحين بلغ النافورة ذاتها حيث رأى الجنيّ يستريح، لم يجد أوريون أي أثر له. لم يكن يتوقع شيئاً مختلفاً، لكنه ظل يحدوه الأمل.
هز رأسه فطرد خيبته وشق طريقه وسط الحشود. كانت لديه رسالة لتسليمها، وكم هائل من البشر لجمع البيانات منهم.
بدت قاعة البلديّة مهيبة كعهدها، ولاحظ أوريون فورا تزايد النشاط حولها. فبينما في زيارته الأولى اكتفى جنديّان بحراسة المدخل، وقف الآن أربعة مستعدين، يمسحون الحشود الصاخبة بأعينهم كأنهم يتوقعون هجوما.
بالإضافة إلى ذلك، لاحظ عددا من الحراس ينتشرون حول الساحة عند كل مدخل. وحين رفع بصره، رأى أوريون عدة رماة سهام ونشّابين يعتلون أسطح المباني القريبة، يراقبون الشوارع والسماء معا.
باختصار، كان جليا أن إدارة سيلفربيك تأخذ الأوضاع في الجنوب على محمل الجد. ونظرا للمشاكل التي واجهوها مسبقا مع المندسّين والمخربين، اعتبر أوريون هذا التصرف حكيما.
لكنه عاد وعنى أنه أُوقِف بمجرد تحركه نحو المدخل.
صاح أحد الحراس: "قف!"
ومَدّ رمحه نحوه. وعلى علو شاهق، شدّ الرماة أوتار أقواسهم، بينما استعد النشّابون لإطلاق سهامهم المعدنية.
أمام موت بشع للغاية، تجمد أوريون، عاجزا عن معرفة ما يجب فعله.
[إيرميا - المستوى ٥٩]
[رمح سريع - الفئة د]
وقبل أن يتمكن من إتيان رد معقول يكسر حدة التوتر، تدخل جندي آخر بسرعة.
"توقف! إنه ساحر من الحرم!"
توقف الحراس الذي وجه رمحه إليه في منتصف خطوته، والتفت إلى رفيقه قائلا: "ماذا؟ كيف عرفت ذلك؟"
"ألا ترى العباءة المطرزة؟ يحمل رمز ماجيسترا."
ردّ الأعقل بينهما بحدة، فأومأ أوريون.
"أنا هنا لأحمل رسالة إلى العمدة من والدتي، ماجيسترا أستريا فويدواوكر."
لم يكن يحبّ إلقاء الأسماء هكذا، لكنه فضّل ذلك على التعرّض للوخز بدزن سهم.
طمأن نفسه بأن درعه الضوئي سيحميه على الأرجح؛ وكانت المسألة مجرد سباق مع الزمن.
أجل، هذا لا يُطمئن على الإطلاق. لقد حصلت على صفي للتو، بينما يتدرب هؤلاء الرجال منذ عقد على الأقل.
زأر صوت من الأعلى: "حسبكم!"
ونظر الجميع نحو الطابق الأعلى، حيث كانت لوسينا، المرأة العملاقة التي تعمل عمدة لسيلفربيك، تطل من نافذتها.
"دعوا الفتى يدخل، وتوقفوا عن تلويح رماحكم الصغيرة تلك. تعلموا كيف تميزون الصديق من العدو!"
تراجع الجندي المعتدي مأنبا، وضغط شفتيه الواحد على الأخرى وأحنى رأسه اعتذارا. لوّح له أوريون مسرعا قبل أن يهرع إلى داخل المبنى، شارعا في الإحساس بنبضات قلبه المتسارعة.
كان يستعد لمعركة محتملة طوال سنوات، بعدما تلقى صفعة أيقظته حين كاد ذلك الغول يفتك به. ومع ذلك، لم يعنِ هذا أنه يملك أدنى فكرة عن كيفيّة تصرّفه في المعركة.
يمكنني على الأرجح هزيمة أي من أولئك الجنود في نزال معتمد، لكن الأمر لا يهم كثيرا إذا تجمدت لحظة تلويحهم برمحهم.
لنكن منصفين، فقد أحاط به عشرة رجال، لذا لم تكن معركة عادلة تماما، لكنه سيحتاج إلى اتخاذ خطوات تمنع تكرار ذلك العرض.
علينا بدء الدروس العملية قريبا. حين نُدعى لتحديد جدولنا، سأحرص على إخبار إيري برغبتي في اكتساب خبرة قتالية.
"إلى هنا، أيها اللورد الشاب!"
نادى صوت مألوف نوعا ما، فرفع أوريون بصره ليرى أنه الساحر نفسه الذي شغل المصعد آخر مرة زار فيها المكان، قبل سنوات.
متفاجئا برؤية الرجل، أومأ أوريون تقديرا.
"سررت بلقائك. أنت تعمل مع نقليات كاسبر متعددة الاتجاهات، أليس كذلك؟"
بدت المفاجأة واضحة على محيا الرجل؛ فلم يكن يتوقع أن يتذكره. لكنه ابتسم بأسنان بارزة بعد هنيهة.
"أه، لقد أفلسست تلك الشركة قبل ثلاث سنوات، بعد أن ثبت تورط المكتب الرئيسي بفضائح فساد مسؤولين في فالدرون. لكن خدماتي رُئيت جديرة بالإبقاء عليها من قبل الليدي العمدة، فتوظفت مباشرة."
"أه،"
رمش أوريون وهو يدخل المصعد. وبفضول، جذب الشعور الغامض الذي ربطه بمبدأ التحقق، وراقب الرجل وهو يغلق باب المصعد ويهز إصبعا للأعلى.
كان التعويذة التي استدعاها معقدة بشكل غير متوقع، أكثر بكثير مما توقع.
حقا، فاقت تقريبا كل ما تمكن من تحليله حتى الآن، مصنفة إياها بوضوح كِسحر من المستوى الثاني.
دخلت الجاذبية في الأمر، لكن هنالك المزيد. فضمن إحكام قبض حول المصعد رحلة سلسة، وإعادة توجيه عالية الكفاءة للهواء حول الهيكل، بالإضافة إلى نظام تسارع وتباطؤ يضمن وصولا سريعا لكل طابق، بغض النظر عن المسافة.
حين بلغ الاثنان قمة البرج، كان أوريون قد نسي تماما أمر المواجهة بالخارج ومنغمسا بدلا من ذلك في تحليل عميق للفروق بين سحر الرفع الخاص به وسحر الرجل.
"وصلنا، أيها اللورد الشاب."
قال بتشتت: "أه، نادني أوريون،"
فأهداه الرجل ابتسامة أخرى، مميلا رأسه.
وجاء الرد: "سيكون ذلك شرفا، اللورد أوريون. يمكنك مناداتي بإزيبيديال إذن،"
وبشكل لاواعي تقريبا، تذكر أوريون بالكاد استخدام نظارته.
[إيزيبيديال - المستوى ٩١]
[ساحر جاذبية - الفئة د]
والآن، ما الذي يفعله شخص كهذا بحق الجحيم في وظيفة مشغل مصعد فاخر؟
قال: "أيها الصغير، ها أنت ذا. هل أنت بخير؟ لو جرى لك مكروه تحت حراستي لشوتني أستيريا على نار هادئة".
انتشله صوت لوسينا الأجش من أفكاره، فرفع أوريون بصره. ورفع.
يا لها من ضخمة. كدت أنسى.
كان طول المرأة يتجاوز ثلاثة أمتار، فغطت عليه بظلها، حتى بعد أن زاد طوله هو خمسة سنتيمترات خلال العام الماضي وحده.
لم يكن أوريون الأطول بين أقرانهم، فهذه الفضيلة كانت لدوريان، لكنه كان الثاني في الطول، ويكفيه هذا لكي يشعر أخيرًا بأنه أقل شبهًا بالأطفال.
أما لوسينا فجعلته يبدو مجددًا كطفل رضيع يحبو.
قال بصدق: "أنا بخير. مندهش فحسب"، وأخرج الحزمة التي أعطته إياها أمه وناولها إياها: "هذه لك".
أخذتها العملاقة، وأخذت تقلبها بفضول.
مع مدى سهولة إرسال الطرود إلى سيلفربيك عبر خدمات البريد، كان اختيار أستيريا لإرسالها مع أوريون دليلاً على أنها مواد بالغة الحساسية.
قالت لوسينا وهي تلوح بيدها عرضاً قبل أن تتوقف: "حسناً، استرح على الأريكة واعتبرها كمنزلك. سأكتب رسالة رد قريباً. آه، يوجد شخص آخر بالداخل. لكن لا تقلق، متأكدة من أنكم ستنسجمون تماماً. لقد جاءت ابنة أخي للزيارة، وهي فتاة فاتنة. لم لا تتعرف عليها بينما أتولى أنا أمر هذا؟"
يا للروعة. المزيد من التفاعلات الاجتماعية.