تموج الهواء فكسر ضوء شمس الصباح إلى اثنتي عشرة نسخة متطابقة انطلقت برشاقة فوق الثلج.
أبقين أوريون ظهره ملتصقاً بالنتوء الصخري وهو يراقب تلك الحركات بعينين ضيقتين. ثعلب الشتاء الملوث لم يكن بحجم الكلب السروجي الكبير إلا أن سرعته جعلت منه هدفاً صعباً للغاية وقد أضاعه أكثر من مرة رغم ميزة نظارته.
توهج الفراء الأبيض الملطخ بالرمادي حين دار الوحش حول تشكيلهم مخلفاً وراءه أطيافاً مصنوعة من مانا الضوء. في الظروف العادية لكان أوريون مهتماً بمعرفة كيفية إضفاء تلك التفاصيل على أوهامه لكنهم كانوا يقاتلون هذا الثعلب لأكثر من ساعة وقد نفد صبَرُه منذ زمن بعيد.
"أمسكت بك الآن!"
صاح دوريان وهو يهوي بسيفه واسع النطاق على أحد الثعالب القافزة.
جيد، دعه يظن أنه خدعنا.
لم يلقَ النصل أي مقاومة ومَرَّ بسلاسة عبر الوهم الذي تبخر في زخة من رقاقات الثلج. وفي جزء من الثانية انقض الوحش الحقيقي من النقطة العمياء لدوريان مغلقاً فكيه على ساعده المدرع تماماً كما خططوا.
عجزت الأسنان عن اختراق الفولاذ عبر تعويذات التعزيز التي طلاها بها، لكن المياذما الرمادية التي غطت أنياب الثعلب شرعت فوراً في تآكل السحر والتهامها بسرعة.
تأوه دوريان واستغل الفرصة لتهشيم رأس الثعلب بإطار درعه. أفلت الثعلب وهوى متدحرجاً في الثلج منشطاراً في الحال إلى ست نسخ جديدة تفرقت في كل الاتجاهات.
"لعن المَلِكُ أمه."
"ليس مجدداً!"
لاحظ أوريون قائلاً: "إنه يستخدم انعكاس الثلج ليخفي حركاته".
لم يكلف نفسه عناء إلقاء بئر جاذبية بعد فكان الوحش أسرع من أن يُطال، وقد أضاع فرصة جيدة أكثر من مرة بسبب التسرع.
جرّد التلوث المخلوقَ من حذره الطبيعي واستبدل به عدوانية مسعورة، لكن غرائزه الفطرية للتضليل ظلت سليمة تماماً.
ستنتهي هذه المعركة برمتها في لحظة لو تمكنوا من تثبيته فحسب، لكن وكما بدأوا يدركون تدريجياً لم يكن ذلك بالأمر السهل، ولم تبدُ بولين مهتمة بالمساعدة نظراً للضرر الضئيل الذي ألحقه الوحش حتى الآن.
كاد أوريون يسمعها تقول إن هذه فرصة تعليمية ثمينة. الأسوأ من ذلك أنها كانت على حق. لقد بدأ المعركة بإطلاق سحره المعتاد، لكن ولأنها استمرت لفترة أطول بكثير مما توقع، فقد كان يضبط بعض المعايير. في الواقع لقد طوّر شيئاً مثيراً للاهتمام حقاً.
"حسناً، أظنني فهمت. سيلين، إلى أين سيذهب؟"
أهمهمت سيلين حين فعلت قدرات العرافة خاصتها. اتسع وعيها بوضوح تقريبا بينما فقدت عيناها بريقهما وتجاوزت العالم المادي لتبلغ خيوط السبب والنتيجة الدقيقة.
نادت سيلين مشيرة بإصبعها نحو ما بدت رقعة ثلجية فارغة فوق صخرة كبيرة: "من الأعلى. إنه يستعد للقفز عليك".
أمر أوريون: "لونا، أخرجيه من مخبئه. تشتت واسع، حرارة منخفضة".
بدا الأمر في البداية فكرة سديمية جيدة لإطلاق قوة نارية ساحقة على محيطهم، لكنهم سرعان ما تعلموا أن الثعلب يستطيع استغلال بخار الماء المنبعث بشكل أفضل مما فعلوا. تشتيت الضباب استهلك نحو نصف المعركة.
بشيء من التردد ومع أخذ مدى سوء محاولتها السابقة بعين الاعتبار، خطت لونا خارج كتلة دوريان ولوحت بعصاها إلى الأمام مرسلة موجة من النيران المتدحرجة.
اجتاحت النيران المنطقة التي حددتها سيلين مذيبة طبقة الثلج العليا ومحدثة اضطراباً فورياً في درجة حرارة الهواء، لكن ليس بالقدر الكافي لتشكيل السحب التي عملوا جاهدين على تشتيتها.
أدى موج الحر المفاجئ إلى تعطيل الظروف البصرية اللازمة لأوهام الثعلب مما أدى إلى وميض خمس نسخ واختفائها تماماً.
أطلق الثعلب الحقيقي الذي كُشف أمره بغتة صرخة واندفع من مخبئه عائداً إلى الفجوة في الجبل حيث نصب كمينه لهم منذ البداية.
لكن أوريون كان ينتظر بالفعل. مد يده محدداً مركز كتلة المخلوق ودع المصفوفة المعقدة التي كان يعمل عليها تبث فيها الحياة.
كان سحر الجاذبية مرناً بشكل مدهش كما تعلم خلال الأسابيع القليلة الماضية منذ تطوير [مدفع الجاذبية] و[الثقب الدودي المنهار]، وبمعرفته الواسعة استطيع حتى دمجه مع سحر الضوء.
في الأساس كانت نسخة محسنة من [قفل نويثر] مبنية على تقدمه الأخير في كلا المجالين لتصبح تعويذة من المستوى الثاني. كان واثقاً من أنها اقتربت من المستوى الثالث في التعقيد وحده إن لم يكن في القوة.
من خلال بناء حقل معامل انكسار متدرج (n(r يحبس الطاقة في مسارات مدارية حول الهدف، خلق انحناءً موضعياً الزمكان حوله مشكلاً بذلك بئراً لجهد الجاذبية. لم يقتصر هذا على إبطاء الزمن، عامل غاما، بل جعل التكلفة الطاقية لأي فعل تتناسب طردياً مع عمق البئر.
سيدرك الهدف زمناً ذاتياً عادياً لكنه سيجد أن حتى أبسط الحركات تتطلب طاقة أكبر بشكل أسي أثناء صراعه ضد المقياس المنحني.
فرض التناظر الأساسي: δL/δq = 0 لجميع الإحداثيات المعممة q عامل تمدد زمن الجاذبية: γ = 1/√(1 - 2GM/(rc²)) عمق فخ الفوتون: U_photon = ∫(n(r) - 1) × hν dr مضاعف تكلفة الفعل الإجمالي: Λ = γ × (1 + U_photon/kT) × Σ(symmetry_violations)
معدل استنزاف المانا = Λ × (attempted_action_magnitude)² عتبة طاقة الهروب = (base_lock_strength) × Λ³
تمتم موصلاً ما يكفي من المانا إلى الصيغة لتمنحها الحياة: "[سجن نسبي]".
التوى المكان في طريق الثعلب. متأخراً للغاية لتفادي الأمر رغم رشاقته غير الطبيعية. ما إن عبر مخلب واحد إلى داخل المجال حتى حتم زخمه مصيره. وسرعان ما غلفه المحيط بالكامل.
أعلن وميض ثانٍ عن ثأر لونا. وبعد لحظات سقط الثعلب ميتاً. مما سمح لأوريون بإلغاء التعويذة.
إشعار النظام +2 توافق +91,200 خبرة
تمتم قائلاً: "ربما كان ذلك مبالغاً فيه".
لكنه عجز عن إيقاف الابتسامة الصغيرة التي رسمت نفسها على شفتيه. لقد جعلهم ذلك الثعلب اللعين يضيعون وقتاً أكثر بكثير مما توقع. وإن تطلب الأمر ابتكار [سجن نسبية الحركة] فهذا ما كان ضرورياً.
لم يحصل على ارتقاء في المستوى من تلك المعركة. لكن جني نقطتي خصائص كاملتين في مرحلة تقدمه الحالية يعد أمراً نادراً للغاية. ولا يحدث عادة إلا بعد تجليات تتحقق عبر أسابيع، بل أشهر، من العمل الشاق.
ولكن مجدداً، لقد كنت أعمل على هذا منذ فترة طويلة. لقد تداعت الأمور معاً بشكل طبيعي فحسب.
اتجه نحو الكهف الصغير الذي كان الثعلب يدافع عنه. ووجد الأسطوانة نصف مدفونة في التراب المتجمد بسرعة. رفعها بتحكم لطيف في الجاذبية. ومضى يوجهها إلى حقيبته المصنوعة من حرير العدم شاداً رباطها بإحكام.
تنهد دوريان مستخدماً الثلج لمسح طبقة من اللعاب الرمادي عن ساعده حيث عضه الثعلب.
وقال: "هذه واحدة وانتهت. إن كان الصغار يزدادون شراسة هكذا، فكلما صعدنا ارتفع الأمر سوءاً".
قال أوريون محققاً من الإحداثيات التي قدمتها تريسا: "ليس لدينا سوى هدف إضافي واحد على الجدول اليوم. إنه على بعد ميلين تقريباً نحو الغرب. واقع في صدق عميق قرب قاعدة القمة. إن تحركنا الآن فقد نتمكن من العودة قبل حلول الظلام".
كان ذلك دافعاً كافياً لإقناع البقية بجعل استراحتهم قصيرة. إذ تذكروا جميعا جيداً كم كان مزعجاً الطيران في الظلام حين يبدو كل جبل متطابقاً، واستخدام الكثير من سحر الضوء لإيجاد المسار الصحيح يعد طريقة جيّدة لجذب الوحوش الأكثر قوة إليهم.
شربوا بعض الماء وتناولوا القليل من اللحم المجفف. وما هي إلا لحظات حتى عادوا إلى الهواء متوجهين صوب أعماق قطاعهم.
خفت الريح العاتية بعد أن حجبتها جدران الصخور الشاهقة التي اكتنفت مسارهم. لكن الهواء أصبح في المقابل أثقل بشكل ملحوظ.
شعر أوريون بضغط مألوف يتصاعد حول حواسه، مما تذكّره بغرف الصلاة داخل الحرم. كانت المانا المحيطة هنا كثيفة تكاد تكون لزجة. تضغط على بشرته كوزن مادي مجبرة إياهم على الإبطاء.
لم يكن هناك ما يفرض عليهم فعل ذلك تحديداً. لكن الجميع بات حذراً على أي حال بعد أن تحفزت لديهم غريزة بدائية ما.
تمتمت لونا وهي تدلك ذراعيها رغم تعاويذ التدفئة الخاصة بها: "يبدو الأمر مختلفاً للغاية هنا. إنه يمنبني صداعاً، وكأن هناك ماناناً زائدة تحشر نفسها في مكان صغير".
برزت بولين من خلف ظل صخرة كبيرة محلّقة إلى جانب أوريون بلا مكنسة.
يمكنني فعل ذلك أيضاً على الأرجح بهذه السرعة، لكن الأمر سيرهقني بلا سبب. لا بد أنه لأمر لطيف حقاً أن يكون المرء في المرتبة الثالثة، أليس كذلك؟
أوضحت قائلة: "أنتم تشعرون بتأثير التجمع. تُسحب المانا من حضن الأم بقوة أكبر في مناطق معينة، وتتدفق طبيعياً عبر العالم المادي كالمياه. لكن العالم يمتلك أسراره الخاصة. هناك أماكن يكون فيها الحاجز بين الأبعاد رقيقاً بطبيعته. مما يتسبب في تجمع المانا الخام وركودها لتغدو كثيفة جداً حتى من دون مصفوفات تجميع".
تأمل أوريون الأمر وقرر أنه ليس بالغريب تماماً أن يتواجد مكان كهذا هنا قرب قلب سلسلة الجبال.
"لا بد أنه يؤثر على النباتات والحيوانات المحلية".
وافقت بولين قائلة: "إنه يفعل ذلك. في الظروف العادية، ستتنافس الكائنات بشراسة على بركة مانا بهذا المستوى من الكثافة، إذ غالباً ما ستلد كنزاً طبيعياً. ينبغي لمثل هذه المنطقة أن تكون أرض صيد لمتفترس قمة، وهو وحش من المرتبة الثالثة تجذبه القوة التي تمنحها إياه مجاناً".
طفى دوريان إلى المقدمة ملقياً نظرة مريبة على الجدران حولهم.
وقال: "هل علينا توقع صحبة قريبة إذن؟".
أجابت بولين: "تلك هي النقطة المزعجة. لا توجد آثار ولا علامات تدل على مناطق النفوذ. المنطقة مهجورة تماماً. أي شيء يقبع في الأسفل طرد كل ما عداه عما كان ينبغي أن يكون عقاراً ممتازاً".
سرعان ما بلغوا حافة الصدع ونظروا إلى أسفل نحو وادٍ واسع شطر صخور الجبل ليكتشفوا بالضبط سبب عزوف أي كائن عن اتخاذ هذا المكان وكراً.
كانت كمية كبيرة من الثلج قد ذابت محولة إلى ملاط رمادي سام شكل بركة. وفوقها تموج الهواء بتشوهات بصريّة حادة، مطمساً حواف الصخور وكأنها تُرى عبر زجاج ملتوٍ.
مجرد التواجد بذلك القرب من هذا التركيز من الصمت جعل مكانسهم تتتعتع، لذا فقد طفوا بسرعة نحو النتوء الأول الواسع بما يكفي وأكملوا طريقهم نزولاً على الأقدام.
تحركوا بحذر مراقبين البيئة الغريبة بحثاً عن أي مسوخ ملوثة ربما فاتتهم. وكان ذلك السبب الوحيد الذي جعلهم يجتازون ما حدث تالياً.
اهتزت الأرض باعثة بالثلوج متطايرة في الهواء، فتراجعوا إلى الوراء مبتعدين عن حافة الطريق.
تردد صدى صوت فحيح في أنحاء الصدع مع احتكاكه بالبركة، تلاه مباشرة ثوران عنيف لسائل رمادي وغاز مندفعين من شق في أرضية الصخر.
تلقى دوريان الذي كان في المقدمة والأقرب إلى الحافة التأثير الكامل للموجة الصدمية. دفعه الثوران إلى الوراء نحو الجدار الصخري مسقطاً أنفاسه ومغطياً واجهته بطبقة من الرواسب.
صرخ: "آآآه!"
حين بدأت المادة تصدر أزيزاً، متجاوزة سحره الكامن لتتسرب عبر شقوق درعه وتصل إلى جلده.
أرسلت بولين موجة من الظلال نحوه فوراً، فابتلعته بالكامل وسحبته من الطرف الآخر للدرب، تاركة خلفها بركة من السائل المدخن.
رغم ذلك التدخل السريع، لم يكن دوريان ينهض، وهزت جسده أنات الألم. فيما تقدمت لونا وسلينا نحوه، مطلقتين موجات من سحر الشفاء لمحاولة فصل الفولاذ عن جلده المذاب، استدار أوريون ببطء نحو البركة، وشعر برهبة غريبة وهو يتطلع فوق حافتها.
وهناك، وسط الوحل، ومض بريق معدني.