كانت رحلة العودة إلى المرصد صامتة، إذ احتاج الجميع إلى وقت لاستيعاب ما اكتشفوه للتو.
حمل أوريون الحارس المصاب مستخدماً حقل ضد جاذبية مثبتٍ بعناية، ليضمن ألّا يعاني الكاهن المحارب أي هزّات إضافية بعد الجراحة البدائية. تحرك دوريان ولونا بجانبه في مهمة استطلاع، بينما تولّت سيلين حماية ظهورهم، وتمهيد الطريق برفقة بولين المستعدة لإسقاط أي وحش أحمق يحاول اعتراض طريقهم.
أجبرت على فعل ذلك مرتين فحسب، وانتهت المعركتان في المرتين وميضاً من الظلام، إن جاز وصفهما بالمعارك أصلاً. إنها لا تلعب أبداً. يبدو أن هذا الاكتشاف كان صادماً لها أيضاً.
حين هبطوا داخل محيط قاعدة العمليات الأمامية، بدا المكان مختلفاً بشكل ملحوظ عن الصباح. تحكمت أقسام الدعم واللوجستيات في المعسكر بغياب الطليعة، وتحول الجو المحموم إلى هادئ ومكبوت، مع أن أوريون لم يصدق للحظة أن هؤلاء الساحرات لسن في حالة توتر.
ربما يشعرن بالإحباط لأنهن تركن خلف الحصون. توجد بعض العقليات العقلانية، لكن الكثير منهن متعصبات دينياً بالفطرة، مُنحن هدفاً واضحاً وما زلن مقيدات. لن تفاجئني تسلُّل بعضهن إلى الغابات سعياً خلف اصطياد بضع فرائس.
تدفقت الطواقم الطبية فور وصولهم بفضل طامة الورق التي أرسلتها بولين مسبقاً، فتسردوا الحارس ونقلوه إلى خيمة فرز المصابين. راقبهم أوريون وهم يبتعدون، واثقاً من قدرة معالجي الحرم على إدارة مرحلة التعافي الآن بعد استئصال شظايا الصمت.
قال أوريون ملتفتاً نحو دوريان ولونا وسيلين: "خذوا قسطاً من الراحة. حتى لو انتصرنا، فقد استنفدنا كل طاقاتنا، ورأينا ما يكفي من القتال ليوم واحد. إذا أردنا العودة إلى الميدان قريباً، فعليكم استعادة كامل قوتكم".
سأل دوريان: "ماذا عنك؟".
كان يبدو مرهقاً بوضوح إثر تحطم دروعه مراراً والرحلة الطويلة، لكنه أصر على التأكد من ألا يواجه أوريون كل شي بمفرده.
أجاب بابتسامة باهتة: "عليَّ أنا وبولين تقديم تقرير. سألحق بكم إلى المساكن فور تجهيز مساحة عمل لي".
أدت تلك الكلمات الغرض، مردّها الأكبر إرهاق الآخرين عن الجدال، فاتجهوا صوب الحلقة الداخلية. أشار أوريون لبولين، فتحرك اثناهما نحو خيمة القيادة المركزية.
مع انتشار أستيريا في جبهات الخشب الحديدي، انتقلت قيادة القاعدة إلى الماجستير تيريزا. كانت ساحرة طاعنة في السن ذات ملامح حادة وزوايا بارزة، ولها صيت في الصرامة والإدارة الفعالة. وقفت تيريزا فوق مكتب مكدس بالأوراق اللوجستية حين دخل أوريون وبولين الخيمة المركزية، ولم تبدُ مسرورة برؤيتهما إطلاقاً.
قالت: "أكاد أتيقن من إصدار العجوز سالفكرافت أمراً قاطعاً بالابتعاد عن القتال. أتمنى أن تمتلك سبباً وجيهاً لمخالفة كلمتها، فسواء كنت ابنها أم لا، لن أتسامح مع أي تمرد تحت إمرتي".
إن التمعن المباشر في وجه أوريون عوضاً عن بولين، رغم علو مرتبتها الكبيرة داخل تراتبية الحرم، أظهر إدراكها التام بكونه المدبر الفعلي لتلك العملية.
نقل بحذر محافظاً على نبرة مهنية رغم رغبته في السخرية: "اعترضنا فرقة هندسة تابعة للدولة الحديدية تنصب شبكة دفاع جوي فوق القمة المنقارة. لم يكن هو صاحب القرار هذه المرة، لكنه شك في تصديق أحد لكلامه على أية حال، فلذا لم يكلف نفسه عناء الشرح. كانوا ينصبون كميناً لتعزيزاتنا، وبفضل تدخلنا جرى تحييد الفرقة وتأمين الشبكة".
أنهت تيريزا وضع ريشة الكتابة، واتجه تركيزها بالكامل نحوهما.
"شبكة دفاع جوي سليمة؟ أين هي؟".
تجمعت الظلال حول حافة رداء بولين، وتدفقت فوق سجاد خيمة القيادة. انتفخ الظلام صعوداً ثوانٍ معدودة قبل أن ينحسر، مطلقاً الجهاز الثقيلة المصنوع من النحاس والكريستال على الأرضية بصوت مكتوم.
دارت تيريزا حول الطاولة لتتفحص الآلية المعقدة. تأملت باعث الكوارتز النقي وخزان الصمت المضغوط. ثم وقع بصرها على الاسطوانة الزجاجية المستقرة عند قاعدة الحامل ثلاثي القوائم.
أنارت السائل الأخضر المتوهج الدماغ البشري المشوه في الداخل، كاشفة الإبر النحاسية المغروسة بعمق في المادة الرمادية بكل تفاصيلها المروعة.
حدقت المرأة العجوز مطولاً. لم تطلق شهقة ولم تتراجع كالبقية، لكن مانا البيئة في الخيمة بردت بشكل ملحوظ مع انقباض فكيها.
قالت فاني بهدوء: "اشتبهنا في اعتماد تقنياتهم الآلية على محفزات عضوية. لكنني تمنيت لو كانت أقرب للشعوذة السوداء من هذا".
لم يسع أوريون سوى رفع حاجبه بدهشة، لكنه أدرك لاحقاً بساطة الأمر وعدم شذوذه. دارت أغلب ممارسات الشعوذة السوداء في سيريل داخل القفاز الأبنوس، تحت رقابة ملك الموتى الأحياء الصارمة، وتبعت قوانين الفصيل الرادعة. يعني هذا عدم استخدامها لتحويل الكائنات الحية رغماً عنها، وهو ما ينطبق تماماً على تلك الحالة.
يا له من عالم نعيش فيه، حيث يعد مصاصو الدماء وممارسو الشعوذة السوداء من المخاطر الأقل سوءاً.
شرح أوريون مقترباً من الآلة: "تمكنت من دراسة آلياتها واكتساب بعض الرؤية. مُحي العقل الواعي تماماً قبل إرساله للرقات، ليعمل بوصفه معالجاً حسابياً بحبحتاً. استنتجت من ذلك افتقار الدولة الحديدية للقدرة على تركيب بلورات تعاويذ عالية المستوى، لذا يربطون الفجوة الميكانيكية والسحرية بتوصيل المسارات العصبية البشرية مباشرة بدوائرهم المنطقية".
نظرت إليه تيريزا بصمت، ربما كانت تسأل نفسها كم تملك من الثقة لكلامه، لكن بولين أومأت برأسها مؤيدة، فأطلقت تيريزا تنهيدة.
"أيمكن عكس ذلك؟"
سألت، وكأنها تقبل خبرته الآن.
"لا"، أجاب أوريون، تماماً مثلما فعل قبل ساعة فحسب.
"النسج مندمج نهائياً بنظام طاقة الآلة، وقد قطعت الاتصال الرئيسي بالفعل لإيقاف تشغيل الجهاز. الدماغ ميت أساساً، وأشك في أن سحر المستوى الخامس وحده يمكنه إعادته إلى الحياة".
كانت تلك طريقة دقيقة لتلميح إلى أن الكاهنة العليا نفسها لن تستطيع المساعدة، لكنه كان أعقل من أن يقولها بمثل هذه الفجاجة، بالنظر إلى أن تيريزا كانت إحدى المعلمات الأكثر تقليدية.
أومأت العجوز برأسها ببطء، مستوعبة التداعيات، ووجهت نظرتها الحادة لتلتقي بعينيه.
"أحاطتني كاهنة الحجاب علماً بخلفيتك قبل رحيلها، قائلة إنك حللت منشأة التصنيع الجوفية التابعة للدولة الحديدية في القمة الفضية وتجاوزتها بنجاح. أدرك أنك أثبت معرفة بمنهجيتهم أكثر من أي شخص متمركز حالياً في هذه القاعدة، أهذا صحيح؟"
ثبت أوريون نظراته إليها.
"هذا صحيح".
"إذن، أنت مكلف بمهمة جديدة في الوقت الحالي"، أعلنت فاين.
"تمشيط القمم السفلية بحثاً عن الحاويات مضيعة لخبرتك المحددة. لقد استوليت رسمياً بالفعل على عش الوايفيرن القديم ليكون منشأة بحثية آمنة، وستفكك هذه الآلة هناك. أريد أن أعرف بالضبط كيف تستخدم الصمت، وكيف تعمل الصفيحة التفاعلية على دروعهم، والأهم من ذلك كله، أريد نوعاً من نقاط الضعف التي يمكننا إرسالها إلى خطوط القتال الأمامية".
"سأحتاج إلى بيئة معقمة، وإمدادات ثابته من بلورات المانا الحيادية، ووصول غير مقيد إلى المعدات الخيميائية التي تركتها أمي خلفها"، طلب أوريون، وهو يراجع في ذهنه الأدوات التي سيحتاجها بالفعل.
"تحدث إلى مسؤول المؤن. تمتلك المعلمة بولين الصلاحية لتمنحك كل ما تحتاج، وأنا أشغل من أن أركض خلف أي شيء"، قالت تيريزا، عائدة إلى مكتبها قبل أن تمنحه نظرة أخيرة.
"أيها الشاب، أدرك أن هذا قد يكون مزعجاً، لكن لا تدع المخاوف الأخلاقية لهذا الجهاز تشتتك. نحن بحاجة إلى معلومات قابلة للتنفيذ، وعليك أن تفعل كل ما يتطلبه الأمر للعثور عليها. الآن اذهب وخذ غفوة قبل أن تغرق في النوم وأنت واقف".
سحبت بولين الآلة إلى ظلالها، وغادرا خيمة القيادة بسرعة متوجهين نحو خيام المهاجع. على الرغم من أن تيريزا كانت ساحرة سليطة اللسان، إلا أنها كانت محقة في أنه بحاجة إلى الراحة قبل بدء فحصها.
بعد بضع ساعات، وقف أوريون منتعشاً بشكل أكبر في وسط المرصد ذي الشكل القبة. استُبدلت الأبواب الصدئة بأخرى مسحورة، وأزيل برد عش الوايفيرن المستمر بسلسلة من روناتها الدافئة.
نُقلت عدة طاولات إلى المكان، إلى جانب المؤن التي طلبها.
وضعت بولين مصفوفة الدفاع الجوي على أكبر طاولة معززة قبل أن تربت على كتفه تماماً بينما كان على وشك الاقتراب منها.
"سأستأنف دورياتي في القمم المجاورة، لكني سأترك رابطاً إلى ظلك. أرسل بعض المانا من خلاله فقط، وسآتي".
قبل أن يتمكن من قول أي شيء رداً على ذلك، انصرفت، وقرر أن ذلك ربما كان طريقتها في التخلص من بعض الإحباط الناتج عن الشعور بالإرهاق المؤقت خلال المعركة.
حين تأكد من أنه بمفرده، شمر عن ساعدي معطف مختبره، ورتب أدواته، واقترب من الآلة.
باستخدام [الافتراضية]، بدأ أوريون بعناية رسم خريطة للتركيب الهيكلي للغلاف الخارجي.
كان المعدن من سبيكة نحاسية، كما كان متوقعاً، مشبعاً بشوائب موصلة مصممة لتشتيت الطاقة السحرية. راقب آليات القفل وطبق تطبيقا دقيقاً للجاذبية المركزة لفك البراغي الثقيلة دون إحداث أي احتكاك قد يثير تفاعلاً خيميايئاً.
ربما كان مبالغاً في ارتيابه، لكن أمه علمته دائماً توخي الحذر عند التعامل مع مواد مجهولة.
قطعة تلو الأخرى، تقشر الغلاف الخارجي كاشفاً عن الدوائر الداخلية الكثيفة، وأخرج أوريون دفتر ملاحظات فارغاً من حقيبته لرسم المسارات.
كان التصميم همجياً لكنه عملي. بنى مهندسو الدولة الحديدية نظاماً مغلقاً تُسحب فيه المانا الخام المحيطية عبر صمامات سحب عند قاعدة الحامل الثلاثي دون احتكاك بالصمت، ثم تُوجَّه مباشرة إلى اللب البيولوجي.
بمجرد حصوله على كل ما يمكنه استخلاصه منه، فكك الأجزاء بحرية ووضعها جانباً لمزيد من الدراسة قبل الانتقال إلى الجزء الداخلي.
دافعاً خاصيته بقوة، بدأ تدريجياً بتفسير بصمات المانا المتبقية المحفورة على الإبر النحاسية التي تخترق جذع الدماغ والفص الأمامي.
لم يكن ما اكتشفه مفاجئاً، لكن الحصول على تأكيد لفرضيته كان مريحاً. لم تكن الإبر مجرد نواقل، بل محفزات نشطة مصممة لتوجيه الدماغ نحو أنماط محددة.
لم يستغرق طويلاً لمعرفة تسلسل العمليات. تغذي الآلة اللب البيولوجي بالمانا الخام، وفي الوقت نفسه، تقدم الإبر النحاسية صدمات كهربائية وخيميايئية دقيقة لمراكز الألم والرفض في الدماغ. يحافظ هذا على النسيج العضوي في حالة مستمرة من الصدمة اللاإرادية، ويحاول الدماغ، بصفته معالج مانا طبيعياً، رفض الألم بشكل منعكس، منتجاً دفقاً شديد التركيز من البيانات.
بعد ذلك، تلتقط الآلة تلك البيانات، وتثبتها في الخزان المضغوط، وتوجهها صعوداً عبر بواعث الكوارتز، حيث ستغذي الباعث بعد تغليف الغلاف الذي يحتوي على الصمت.
وكانت تُطلق بعد ذلك بسرعة فائقة نحو أي هدف غافل يحلق في الأعماق العليا، ومع تعطّل قدرته على سحب المانا، سيمسي في خطر مميت من السقوط وحده، حتى لو كتب له النجاة من الارتطام بطريقة ما.
كان سلاحاً بالغ الفعالية إجمالاً. لم يكن معقداً على نحو مفرط، لكنه شعر أن الدولة الحديدية تؤثر النتائج على الأساليب، وسيكون هذا فعالاً بلا شك.
وما إن استنفد ما يمكنه حصاده من المراقبة الأولى، حتى حول تركيزه إلى الصفائح التفاعلية التي انتزعها من درع المهندس الساقط.
ووضع الطبقة الخارجية المتفحمة على طاولة جانبية، وأمعن النظر في المخلفات الكيميائية التي خلفتها هجمة لونا.
حين ضربتها تعويذته، لم تخترقها لأن الدرع احتوى على جيوب دقيقة من مسحوق خيميائي غير مستقر. وعند تعرضها لضرر مفاجئ، انفتحت تلك الجيوب، مطلقة دخاناً مشبعاً بكثافة بجسيمات الصمت المتقلبة، والمصممة خصيصاً لتشتيت المانا المترابطة وتشكيل طبقة دفاع أخرى بفاعلية.
تمتم: "بهذه الطريقة استطاع ذلك الرجل النجاة".
التقط قسماً سليماً من الصفائح، ووضعه داخل صندوق احتواء. تراجع خطوة إلى الوراء، وشكل مدفع جاذبية صغيرة وأطلقه نحو المعدن.
وكما كان متوقعاً، انفجرت الجيوب الدقيقة، مطلقة نفحة من الدخان الأبيض. حاول الدخان تشتيت التعويذة، غير أن تعويذته بُنيت من معارف تكفي لئلا يؤثر فيها الصمت كلياً، وانبعجت الصفيحة بشدة تحت الضغط.
ممم، إذن ما زال ذلك يجدي، لكنه ليس عملياً حقاً على نطاق واسع. أتسااءل…