كان توجيه ضربة علنية إلى مورليانا لحظة دخولهم الحرم المنهج مثيراً حقاً، غير أنّ النشوة لم تدم طويلاً.
وعندما صعدا السلم الرئيسي، بدأت حقيقة الموقف تتكشف، واضطر أوريون إلى إعادة التقييم. صحيح أن تدخّل سيرافينا لصالحنا لم يكن متوقعاً على الأرجح، وقد كلفها ذلك الكثير، لكن إلى حدّ الثقة بالنقد فور عودتنا؟ لابدّ أنها عملت بجهد كبير لفرض السيطرة في غيابنا.
رغم كل عيوبها، وتلك كانت كثيرة، لم تكن مورليانا حمقاء. سترى قريباً مدى خطورة الوضع وتتأقلم بناءً على ذلك.
لن يكون هناك تمادٍ كتلك التي أحبطوها للتو، هذا إن لم تكن قد جُنّت، لكن الأرجح أنها ستواصل حملتها في الظلال.
"شعاع القمر، أُري أن تبقى صامتاً ما لم يُوجَّه إليك الكلام من الآن فصاعداً، أفهِمْت؟"
سألت أستيريا وهما تخطوان إلى الطابق السابع، مما أبعد انتباهه عن أفكاره المظلمة.
"هاه؟ أوه، حسناً،"
تمتم. إنّ حقيقة كونه، وهو تقنياً لا يزال طالباً، منخرطاً في هذا الاجتماع كانت أمراً مبالغاً فيه ولم تحدث إلا لوجوده هناك طويلاً بالفعل.
إذ لم يطأ أوريون الطابق السابع شخصياً قط، رغم قضائه معظم حياته الثانية داخل الحرم، أخذ لحظة ليتلفت، حتى وهو يتبع أمه والشيخة.
مثل بقية الطائفة، كان منحوتاً من الحجر، بزخارف فضية وبعض المنسوجات أو التماثيل المتفرقة التي تصور الساحرات القديمات أو تاريخ أم القمر.
باختصار، لم يكن هناك ما يميّزه عن الطوابق الأخرى، باستثناء الشعور النقي بشكل لا يصدق الذي كان يتلقاه من المجال.
كان الحرم مكاناً موجهاً نحو الضوء، تماماً كما كانت الكلية ساحرة وكانت أراضي الشفق ظلاماً وظلالاً.
لكن هنا، في الطابق السابع، تصاعد ذلك أكثر، لدرجة شكّ أوريون في قدرته على إلقاء أي تعويذة تتجاوز التعاويذ الأساسية دون استخدام مانا الضوء.
ومع استمرارهما في السير عبر الممرات، ازدادت الكثافة حتى بلغا بابين حجريين كبيرين، وأصبح المشي صعباً، فما بالنا بالإلقاء.
"تفضلوا،"
تردد صوت عذب من الداخل، وانفتح الباب الثقيلة من تلقاء نفسها.
ما انكشف لم يكن مختلفاً كثيراً عن غرفة الصلاة الرئيسية في أسفل الحرم، رغم أنه كان بوضوح مساحة أكثر خصوصية، بربع الحجم وأقل من عشر المقاعد.
فوق رؤوسهم، كشفت قبة بلورية ضخمة عن السماء، مرشحةً أنقى ضوء شمس فقط، مما منح الغرفة بأكملها شعوراً أثيرياً.
بلغ الأمر حداً شكّ معه أوريون في أن المجيء إلى هنا ليلاً قد يكون عبئاً ثقيلاً عليه، إن كانت هذه هي الكمية التي يمكن استخلاصها من الشمس.
"أهلاً بكم،"
تردد الصوت مرة أخرى، وانجذبت عيناه إلى المذبح، حيث كانت أقوى ساحرة في الحرم وواحدة من عظماء قوة سيريل تنتظرهما.
لم تتغير سيرافينا منذ آخر مرة رأها فيها. كانت رداؤها مصنوعة من طبقات من أنقى حرير، بدرجات الأبيض والفضة، دقيقة لتبدو كأنها سائلة. غطى خمار وجهها من الأنف إلى الأسفل، مما جعل عينيها الذهبیتين تبرزان أكثر.
بشكل غريزي، انحنى أوريون احتراماً، بينما أدّت كاهنتا الحجاب إيماءة أكثر تعقيداً.
"لقد خضتن رحلة قاسية، أيها الأخوات،"
قالت سيرافينا وهي تهبط خطوات المذبح ببطء وتنضم إليهن. لم تبد مهتمة بعرض مقعد عليهن أو تقديم الشاي، كما فعلت هاسل، ولم يستطع أوريون إجبار نفسه على الشعور بالإهانة. بدا الأمر شبه تدنيس أنسنة مثلها، وهو أمر غريب التفكير فيه أصلاً، بالنظر إلى موقفه من أي أمر ديني.
التواجد بقربها يعبث بعقلي. هي لا تتعمد التلاعب بمشاعري على الأرجح، ولكن حتى لو كان هذا مجرد أثر جانبي طبيعي لقوتها، فأنا لا أُحبّه.
لحسن الحظ، تعلّم من اللياقة الاجتماعية ما يكفي ليدرك ألّا يقول ذلك بصوت عالٍ. بدلاً من ذلك، أبقى رأسه منحنياً حتى شعر بعينيها تمرّان عليه، وحينها فقط استرخى قليلاً.
"لقد جلبنا مطرقة الانتقام لمن هاجموا شعبنا، أيتها الكاهنة الكبرى،"
قالت أستيريا، باديةً رسمية بشكل غريب.
استغرق الأمر لحظة من أوريون، لكنه أدرك أخيراً أن أمه كانت متوترة على الأرجح. كانت ساحرة مخضرمة والنجم الصاعد للحرم، لكن هذا كان أيضاً اجتماعها الأول مع سيرافينا منذ ترقيتها لتصبح كاهنة حجاب، ورغم قوتها، كانت لا تزال في ثلاثينياتها.
"عشر مرات، كما ينص التراث،"
تمتمت كاندرا، عاجزة ظاهراً عن العودة إلى واجهتها الخرقاء.
همهمت سيرافينا، وتدفق اللحن بسلاسة عبر الغرفة.
"لقد كان ذلك جيداً،"
قالت، مجعدة عينيها وناقلة من المشاعر ما لا يمكن لأي ابتسامة نقله.
يبدو منطقياً أن الشيء الوحيد الذي يسعدها هو القضاء على العدو.
"أعتقد حقاً،"
وتابعت، واختفى الدفء بالسرعة التي ظهر بها، "أن لدتكن ما هو أكثر إلحاحاً للإبلاغ عنه."
أنحنت أستيريا برأسها وقدمت شرحاً مفصلاً لما اكتشفته أثناء الحملة، متضمنةً شكوكهن حول دوافع بيحينين، والمواجهة معها، وهزيمتها النهائية. ثم سردت مغامرتهن في العجلة القرمزية، وأراضي مصاصي الدماء، وأخيراً، ما وجدوه في برج الطموح.
أنهت كلامها بعبوس: "لم يفلح الصيادون حقاً في وصف ما رأوه، لكن القليل الذي فهموه كان كافياً لتلمس طبيعة عدونا. توصلت أنا والمعلم الأكبر إلى النتيجة نفسها بشكل مستقل. قد نكون على خطأ، وقد يكون هذا كائناً منفرداً لأسباب مجهولة، لكني لا أظن ذلك".
سيكون ذلك حظاً أفرض من اللازم. كلا، يصعب تحديد طبيعة التهديد، ولكن إن تغلغلوا بما يكفي لربط علاقات مع أمراء العجلة القرمزية، فهم إذن ليسوا لاعباً صغيراً.
بدت سيرافينا موافقة له إذ هزت رأسها.
قالت وهي تضيق عينيها قليلاً: "لا أظن ذلك".
حتى ذلك القدر اليسير من الانفعال بدا عصياً على القراءة نظراً لوجهها المحايد بطبعه، لكن أوريون حدس أنها قد تكون بصدد تركيب خيوط التقرير بسرعة مع معلومات إضافية تمتلكها.
تأكد ذلك أسرع مما توقعه.
"يتطابق هذا مع التقارير الحديثة التي تلقيتها من وكلائنا في مرصد ليفياثان".
وحتى إذا غض الطرف عن الاعتراف الفج بأن لديهم هم أيضاً جواسيس في الفصائل الكبرى الأخرى — وهو ما كان أوريون يخشاه طويلاً دون أن ييقن منه حتى الآن — فإن قدرتها على ربط حادثة أخرى بهؤلاء الغزاة الغامضين تعني أن شخصاً شديد الثقة قد أمعن النظر وتطابق الوصفان، أو أنهم يتحركون بضراوة تفوق ما توقع بكثير.
كان يعلم أن هذه المشكلة ليست مما يمكن غض الطرف عنه كالنزاع الدائر في الجنوب، خاصة إن أرادوا البقاء أحياء بعد عشر سنوات من الآن، لكنه توقع أن يكون العدو أكثر دهاءً، لذا كان يميل إلى الاحتمال الأول.
سألت كاندرا: "ماذا تعنين ايتها الكاهنة الكبرى؟ ماذا فعل أولئك البحارة المجانين الآن؟"
أفصحت سيرافينا وهي ترفع رأسها: "لقد اختفت قطاعات معينة من أسطولهم".
ترشح الضوء عبر قبة الكريستال الضخمة متلألئاً كأنه يتجمع حولها، وحين عادت فرمشت ونظرت إلى أسفل، أشرقت عيناها بوهج شديد.
الغريب أن أوريون لم يشعر بأي تقلب في الحقل المحلي، وما إن فكر في ارتياد غور الأمر حتى تكلمت مجدداً.
"لقد اضطربت ليفياثانات الرفوف العميقة أسرع بكثير مما كان متوقعاً. لقد تنبأت بكوارث عدة كان من شأنها أن تفضي إلى خسائر فادحة في استخراجنا للمعادن، وأنا أعلم يقينًا أن الاقزام قد تكبدوا خسائر في حملاتهم الاستكشافية. وحد حراس خشب الحديد لم يفصحوا عن شيء من هذا القبيل، وما ذلك إلا لعزلتهم لا لنجاتهم سالمين. إن حضور العدو لأمر لا يجهله منكر، حتى وإن ظل خفياً عن أعيننا بعد".
سألت كاندرا ويبدو عليها الذهول الحق، كأن عجز سيرافينا عن استجلاء هذه القوة الأجنبية الغامضة لم يخطر لها ببال قط: "ألا يمكنك العثور عليهم؟"
هزت الكاهنة الكبرى رأسها.
"لقد حرصوا أشد الحرص على ألا يماطلوا أو يخلفوا وراءهم أثراً. يؤلمني الاعتراف بهذا، لكنهم بلا شك محترفون بارعون للغاية، وقد أتيح لهم الوقت ليألفوا قدراتنا. وكلما أحسست بأدنى تقلب في السماوات، يكونون قد ولّوا الأدبار قبل أن أتمكن من توجيه نظري إليهم. لا ألمحهم إلا حين يحاولون العبث بأراضينا، وقد تعلموا ألا يتصرفوا بشكل مباشر".
عقد هذا الأمور. ليس لأنه ظن أن القضية بأسرها ستنحل في لمح البصر، كلا. لكن شيئاً ما كان يخبره أنها لم تنتهِ بعد.
تابعت وهي تحدق فيه حتى جعلته يشعر حقاً وكأنه جرثومة تفحص تحت المجهر: "لهذا السبب، أحتاج إلى مساعدتك. أي مسعى من طرفي للعثور عليهم سيؤول لا محالة إلى الفشل، لكن أشخاصاً آخرين، أقل لفتاً للانتباه، يمكنهم القيام مقامي".
يا للهول.
قالت استيريا وهي تروح وتجيء: "أريدك أن تخبرني أنك تدرك تماماً إمكانية الرفض".
رغم بعض الارتياح للعودة أخيرًا إلى شقتهم بعيداً عن كابوس الطرد على يد المحققين، لم يستطع أوريون الاسترخاء تماماً، ولم يكن ذلك بسبب قلق والدته فحسب.
أجاب: "أعلم، لكنك تعلمين أنني لا أستطيع".
تجهمت استيريا واضحة السخط على الوضع الراهن، لكنها هزت رأسها.
"كلا، قالت إن بمكانك الانسحاب".
أصر قائلاً: "بإمكاني. لكني لن أعلها. هذه فرصة ذهبية للغاية، لنا وللمعبد بأسره. لن أتراجع الآن، ليس بعد أن خضنا حملة عسكرية".
أوضحت سيرافينا جلياً أنه ليس مكرهاً على المشاركة في خطتها، لكن حين يكون مصير الأمة على المحك، لم يكن بوسعه التنصل هكذا، ليس بعد تلك الخطبة الحماسية التي ألقاها ليقنع أباه بتولي مقاليد المتحدث الرسمي.
أبعد من ذلك، لم يكن الأمر شيئاً ليتخلى عنه حتى لو فعل بمحض إرادته. كان أوريون ينوي ارتياد الآفاق في أنحاء الإقليم طوال الأشهر القادمة، لكنه كان يعرف نفسه جيداً ليدرك أنه لم يكن ليقاوم دس أنفه في هذه المسألة عاجلاً أم آجلاً.
الحصول على تصريح رسمى للعمل على هذا، وخصوصاً من الكاهنة الكبرى نفسها، سيسهل حياتي كثيراً.
تنهدت استيريا مستسلمة أخيراً للجلوس على مقعد: "تمنيت لو كان بإمكاني فعل المزيد".
لم تكن تشبه البتة تلك المحاربة المظفرة التي كانت عليها في الساحة، وبدا سلوكها قريباً بشكل مزعج من المرة الأخيرة التي مكثا فيها بالشقة.
لكن الأمور بدت مختلفة هذه المرة.
قال: "بإمكانك فعل الكثير. لقد رأيت ما استطاعت مورليانا فعله. مجابهتها وحدها ستشكل عوناً عظيماً، وقد سمعت الكاهنة الكبرى. لن ترمي بي لأصارع المجهول وحدي. سأكون مجرد جزء من الطليعة، استكشف المواطن التي تثير الاهتمام دون أن أثير ذعرهم".
أوضحت سيرافينا أنها تجمع عدداً من المتطوعين للسفر في أنحاء الإقليم نيابة عنها، للتجسس على الناس، أو قتال الوحوش، أو التعامل مع أي نشاط مشبوه.
قد تبتعثهم تلك المهام إلى مدينة لاختراق بيوت نبيلة مشبوكة، أو إلى القمم العالية حيث تتجول وحوش ضارية قد تقع تحت تأثير العدو.
كانت تلك كلها أموراً يخطط لفعلها سلفاً، مضافاً إليها خطر مواجهة كائنات بالغة القوة والكتمان تعقد العزم على تقويض سيريل برمتها.