قال أوريون بنبرة مفعمة بالأمل: "يا له من لقاء جميل، أيتها الصديقة العزيزة"، لكن نظرة أوفيليا القاتلة أخطرتْه بأن المعسول من الكلام لن يبلغ به مأرباً.
وما زاد الطين بلة دغدغة الضحكات الصادرة من فصيلة ناب الباسيلسك من خلفها، وعلم يقيناً أن بولين تفضل الاسترخاء والمراقبة عن قرب بدل التدخل.
وبدا أن سيوثين وإيلودي هما الوحيدتان اللتان لا تبديان اهتماماً بالانضمام إلى المرح، ولم يكن ذلك إلا لأنهما تمليان ناظريْهما عليه بحذر، ملحوظتين تماماً أن شيئاً جوهرياً قد تغير فيه.
ولحسن الحظ لم تنطقا بكلمة، في الوقت الراهن على الأقل.
وأخذ يقلب بصره بحثاً عن أي منفذ للنجاة، فتهلل وجهه حين وقعت عيناه على مجموعة من الشبان المفتولي العضلات وهم يمرون بجواره.
ناداه ملوحاً: "أنت! يا جُردان!"، ورأى الفتى الأكبر سناً يتوقف والتفت مذهولاً قبل أن يشرق وجهه بابتسامة لما رآه.
ولم تفوت تلك اللحظة أوفيليا من أن تغرس مخالبها في ذراعه، لكن مع اقتراب الفرسان المتدربين، ارتدت قناع اللباقة.
هتف جُردان ببهجة: "أوريون، يسعدني رؤيتك!"، قبل أن تزيغ عيناه نحو أوفيليا، ويعلو محياه أمارة ماكرة: "في نزهة مع رفيقتك الجميلة؟"
كظم أوريون ضحكة تنازع خروجها لسخافة الموقف وهز رأسه: "لقد حبست نفسي في مختبري طويلاً، وراودتني فكرة أخذ استراحة قصيرة، فصادفت أوفيليا هنا محض صدفة".
أحكمت "رفيقته الجميلة"
قبضتها على ذراعه، ضاغطة بقوة كادت تنتزع صرخة واحدة منه، غير أن نقاط الجسد العشر الإضافية التي جناها من ترقيته أثبتت جدارتها، مما مكّنه من احتمال الأمر بانزعاج طفيف فحسب.
سألت وهي تلوك الكلمات في فمها متكلفة التهذيب: "ومَنْ هذه؟"
تخلّص أوريون من قبضتها وأشار بيديه بينهما: "أوفيليا، هذا صديقي جُردان فلانيل؛ إنه فارس متدرب في اليقظة الساطعة. جُردان، هذه صديقتي أوفيليا ليستون-آيمز؛ إنها حفيدة الوزير آيمز".
تبادل الطرفان تحيات مهذبة، مبرهنَين على أنهما ليسا من علية القوم بلا سبب. وخلف جُردان، أمال بقية الفرسان المتدربين رؤوسهم وتمتموا بتحياتهم، محفوفين بالعنيدين دائماً أونتون أسبس وبورتيس ماهيرا؛ وهما الفارسان المتقدمان اللذان توليا حراسة جُردان خلال لقائهما الأول.
قال أوريون مبتهجاً، مدركاً أن القواعد الاجتماعية تكبح غضب أوفيليا ومستغلاً ذلك إلى أقصى حد: "تعلمون، من حسن الحظ أنني التقيت بكما الآن، فهذا يوفر عليّ عناء البحث عنكما لاحقاً. سأغادر فالدرون خلال أيام قلائل، وأود دعوتكما معاً إلى لقاء صغير بعد غد".
رمشت أوفيليا بدهشة، واضحة الدهشة لعدم توقعها رحيله المبكر هذا إثر إعلان والده الرجل الأقوى في الميغوقراطية.
لم يكن الأمر بيده، لذا غاية ما يستطاعه هو بذل قصارى جهده بينما يكافح لفك قيود الحرم.
أومأ جُردان برأسه وإن بدا عليه الأسى: "بالتأكيد يا رجل. لقد هدأت الأمور تماماً الآن، لذا فلن تكون هناك مشكلة البداية. أليس كذلك؟"
واُستهدفت بالأسئلة الأخيرة البالغان اللذان تبادلا النظرات.
رد بورتيس: "لا أرى مانعاً، لكننا سنحتاج إلى نيل موافقة سيدة المعارك"، فتنهد جُردان.
قال متذمراً: "يا الهول، إن أمور الدبلوماسية بين الفصائل هذه تفوق طاقتي تماماً"، لكن أوريون لم يصدقه ولو للحظة واحدة، فقد رأى بنفسه مدى سرعة بديهة جُردان حين تقتضي الحاجة، ومع أنه قد لا يستمتع بالجانب السياسي لانتمائه إلى فصيل رئيسي، إلا أنه أُرسل إلى فالدرون لسبب ما.
فاليقظة الساطعة -ومهما بدت كتنظيم من ذوي العضلات الغليظة- لم تكن لتترك صاحب رتبة استثنائية طليقاً لو لم تتيقن من قدرته على حماية نفسه.
تابع جُردان ناظراً إلى أوريون بقدر غير يسير من الحماس: "بالمناسبة، تهانينا يا رجل!"
وقبل أن يتسنى له الرد، قاطعتْه أوفيليا بحدة: "نعم، تهانينا. رغم أنه كان من الجميل معرفة أن والدك على وشك تولي قيادة مجمع السحر مبكراً بعض الشيء".
أومأ جُردان ولا زالت الابتسامة على محياه: "نعم، بلوغ المرتبة الثانية في سنك لابد أنه نوع من الأرقام القياسية".
ثم توقف حين استوعب كلمات أوفيليا: "انتظر، ماذا؟"
أما الفتاة فكانت ترمش بسرعة، مترددة بنظراتها ذهاباً وإياباً بينهما: "ماذا؟ أوريون، ماذا تقصد؟"
أجاب أوريون بتعابير خجولة: "مفاجأة!"
وما إن نجح في تخليص نفسه من تلك الورطة -وإن كان ذلك على صدى وعد بنقاش مطول مع أوفيليا قبل مغادرته الفعلية للمدينة، ودون احتساب دعوته لسفارة الحرم، فضلاً عن اتفاق فضفاض بالعودة إلى قصر اليقظة الساطعة لجولة أخرى من المبارزة بعد أن ارتقت مرتبته- تمكن أوريون أخيراً من بلوغ الوجهة الأخيرة التي يتوجب عليه زيارتها اليوم.
بدت سفارة أراضي الليل كئيبة كعهدها دائماً، ولاحظ توتر بولين كلما اقتربا من البوابات، غير أنه لم يبدِ أي أمارة على الانزعاج.
لقد اعترضته عقبات قليلة في زيارته الفائتة، بيد أن شيئاً خطيراً لم يقع، وكان سيد الليل قد أوضح جلياً أنه لن يسمح بحدوث ما من شأنه الإضرار بعلاقاتهما الدبلوماسية.
لم يدر أوريون ما إذا كانت تلك الحماية ستشمله بعد مغادرته للحرم، غير أن الاعتبارات الأخرى ستكفل على الأرجح إقناع المصاص دماء العجوز بالإيفاء بعهده.
كان هناك مطرقة حجرية مفردة على الباب، على هيئة غرغول مكشط الأسنان، وكان على أوريون أن يعترف لمصاصي الدماء ببراعتهم في الانغماس التام بأسلوبهم الفريد. فهم من أكثر الفصائل تميزاً وإرهاباً، على الرغم من كونهم أقلية داخل الميغوقراطية.
وبالطبع، فإن كونهم وحوشاً تفتات على الأغلبية وتتجرع دماءهم يعزز ذلك الإرهاب حقاً.
همّ أوريون بالطرق، غير أن خادمةً مسحورة انلت من الظلام المتمادي المحيط بالقصر في تلك اللحظة بالذات.
كان ذلك أمراً آخر يثير تسليته. أدرك تماماً أن الخادمات الأضعف وحدها هي ما يخشى ضوء الشمس، وأن السفارة لا تضم أياً منهن، مع ذلك تكبدن عناء حمايتها من الشمس لإضفاء هيبة أكبر على المكان.
يليق بهم تماماً. لابد أن ميزانية التسويق لديهم ضخمة. نعدكم بالخلود وأزياء أنيقة وأجواء أكاديمية مظلمة طوال الوقت. انضموا إلينا، ونقدم شرائح اللحم المعجّنة أيضاً.
سألت الخادمة: "كيف يمكن لهذه أن تساعد؟"، فأمعن أوريون النظر فيها هُنيهة.
كان متأكداً تماماً من قدرته على دفع مهارة [الفرضية] بعيداً الآن ليكوّن فكرة واضحة عما يجعل مصاص الدماء مصاص دماء، وربما لكسر السحر الذي يبقيها تحت نير سيّدها.
لكن أكان ذلك حكيماً؟ حتى بمعزل عن كون الأمر شيئاً توافق عليه، إذ استحال عليه معرفة ذلك في ظل حالة لا تتيح موافقة كاملة، فإن ذلك سيجعله هدفاً واضحاً.
أمرٌ هو أن تجتمع كاهنات الحجاب التابعات لمقدس القمر لكسر سحر مصاصي الدماء الملقى على نبلاء سيلفربيك الصغار. ربما كان ذلك هو النتيجة المتوقعة، حتى من أشد مصاصي الدماء غروراً.
وأمرٌ آخر أن يفعله هو، خصوصاً لإيقانه بأن عيوناً تتجاوز الخادمة كانت تراقبه الآن.
أبقى كتفيه مسترخيتين. منحته معرفته بقدرته على الدفاع عن نفسه حتى الحدود الدنيا للمرتبة الثالثة ثقة كبيرة، وإن تطلب الأمر اختبار ذلك ميدانياً قبل جزم سلامته التامة.
قال: "أودّ توجيه دعوة إلى إزميرالدا. أقيم لقاءً مصغراً مع أصدقاء تعرفتُ عليهم خلال إقامتي في فالديرون بعد غد، ويسعدني حضورها".
لم ترد الخادمة سوى بميل طفيف في رأسها وانتظرت صابرة ليتحدث ثانية.
وبعد هُنيهة، أومأت مرة أخرى وقالت: "سأبلغ الكلمات إلى المعلمة".
قال: "جيد"، واستدار مُدركاً عبثية انتظار أي تفاعل حقيقي منها.
انتظرت بولين حتى صارا على بعد ميل، وحجبتهما أصوات المدينة عن أي سمع خارق، قبل أن تطلق تنهيدة.
"مصاصو الدماء يثيرون قشعريرتي. أتفهم سبب عجزنا عن إبادتهم، لكني ببساطة لا أطيقهم".
هزّ أوريون كتفيه.
"ليسوا أسهل الناس معاشرة، لكن هناك أسوأ منهم. عشيرة التنانين، حسب تجربتي الشخصية، أصعب بكثير في التعامل".
أومأت قائلة: "صدقت".
بعد ساعات، سيلتقي أوريون أباه ليتحادث معه أخيراً خارج نطاق الطوارئ.
لم يعلم ما سيسفر عن ذلك. للجحيم، لم يعلم ما يودّ أن يسفر عنه. كان عقلياً بالغاً راشداً لا يشعر بحاجة للتدليل، لكنه مراهق عاطفياً، والمراهقون لا يُعرفون باتزانهم.
مع ذلك، أبدى أنتاريس اهتماماً، أو على الأقل احتراماً له، يفوق ما ظنّ حدوثه عند سماعه بالرجل للمرة الأولى، فقرر التريّث والمرقبة.
وفي غضون ذلك، منعته طاقة التوتر من نيل نوم هانئ، فاستسلم بعد ساعات من التقلب. سمحت له نقاط جسده الجديدة بالسهر لأيام عدة بسهولة، وإن بصحبة بعض التبعات، لذا لم تكن ليلة بلا نوم أمراً يدعو للقلق.
كما أتاحت له الفرصة لإنهاء تجاربه على قدراته الجديدة، خصوصاً لقربه من بلوغ مستوى جديد.
حتى الآن، أتقن أوريون مهارة [نور الشعلة]، وتحسنت مهارة [الشفاء] لديه بشكل كبير بفضل تنامي القوة والتحكم، إلى جانب البيانات التي جمعها حول كيفية تسريع مانا الضوء لعملية التجدد بما يتجاوز المعتاد في السحالي التي قاتل لأجل رفع مرتبته. إضافة إلى ذلك، غدت مهارة [الليزر اللانهائي]، المستفيدة من العوامل ذاتها، سلاحاً مهيباً حقاً.
لم تكن الأقوى بين ما يستطيع خلقه —إذ ذهب هذا اللقب لمهارة [أشعة غاما] التي استجابت لأوامره الآن بصورة أفضل بكثير— غير أنها سددت ضربة موجعة.
سيكون ترويض [أشعة غاما] جهداً طويلاً، لكنه بات قادراً الآن على فعل أكثر من مجرد التسديد الغامض والترجي.
لا أني ألقيتها بعد، لكن محاكاتي عملت جيداً. الأمر ليس تماماً كالحقيقة لوجود هامش خطأ دائماً، وهو أعلى في التعاويذ المعقدة مفاهيمياً مثل [أشعة غاما]. مع ذلك، أنا واثق من عملها كما ينبغي حين أحتتاجها.
أما الآن، فسيكتفي بإتقان تعويذة أخرى من تعويذاته عالية المرتبة.
كانت مهارة [الضوء المعدوم] ستجعل حياته أيسر بكثير في كهف السحالي، ولا شك في ذلك، لكنها تعويذة تردد في إظهارها، خصوصاً لعدم استكماله إدراك إمكاناتها بالكامل.
لكن مع إضافة [معيار القابلية للتكذيب] إلى أدواته، أدرك قدرته على فعلها الآن، ودون أن يسفر ذلك عن شعاع إشعاعي ضخم يقتطع جزءاً من السفارة.
اصطاد من جيوب معطفه بلورتين صفراوين بلون السيترين أخذهما من الكهف، ووضعهما على طرفي الطاولة المتقابلين. ظلتا محشوتين بمانا السحرة، مستعدتين لشفاء أي مادة بيولوجية تلامسها، لكن تلك الخصيصة المزعجة نوعاً ما لم تكن ما أتى من أجله.
كلا، احتاج إلى اختبار صفته الأخيرة، وستؤدي هذه القطعة الأثرية الأجنبية الغريبة دور عينة اختبار بامتياز.
إذ درس هاتين البلورتين لبعض الوقت مسبقاً، لم يحتاج أوريون حقاً لتكرار العملية برمتها، لكنه نفذ كل خطوة تدريجياً ليضمن عدم المساس بالنتائج.
حين تأكّد عبر [الفرضية] من اكتمال فهمه، ترك تلك المعرفة نفسها تتخذ شكلها، سامحاً لـ[معيار القابلية للتكذيب] بأن يقوده خلالها.
بدا الأمر سريالياً لكنه طبيعي تماماً. صار يعرف البلورة من داخلها وخارجها، وقادراً على تحديد موضع جزيئاتها بدقة، ومعرفة كمية المانا المتجمدة في جوفها حتى أصغر تفاصيلها.
لم لا يستطيع استخدام تلك المعرفة نفسها ليجعلها تتوقف؟
وفعل.
لم تهتز البلورة حتى، لكن شيئاً ما تغير بلا أدنى شك، فالمانا التي كانت بداخلها اختفت الآن، وتبددت عبر المجال المحلي لمجرد أنه أراد لها ذلك.
أطلق تنهيدة بينما تراءت له المعاني في ذهنه، والتفت أوريون نحو البلورة الأخرى مستعداً لتجربة الشيء نفسه مع [الضوء المعدوم].
بناءً على النتائج، قد يصبح قادراً على ابتكار تعويذة واحدة تتفوق على الاثنتين معاً.
أحب حقاً حين تتسق الأمور هكذا.