برزت صفائح بلورية من كتفي السزّلية الجديدة وعمودها الفقري أشبه بالسكاكين. وتسللت عروق صفراء وبيضاء عبر المعدن ناَبضة بضعف بمانا الضوء المختزنة. وكانت عيناها حفورتين تحت تاج من الزجاج، ولسانها حبلاً ينتهي بطرف شائك يتربص بارتعاش.
أطلقت فحيحاً تردد صداه بإنذار مشؤوم داخل الكهف.
حذرتْ أستيريا من خلفه: "كن حذراً".
قال أوريون وهو يرفع يده: "الأمور تحت الكنترول".
التفّت [الليزر اللامتناهي] معاً في نصف ثانية فقط، وانطلق خط ضوئي رفيع كالقلم يطنّ وهو يشق الهواء بينهما.
اندفعت السزّلية صوبه.
امتصت الصفائح البلورية معظم الضوء، وإن لم تمتصه كله، إذ لسع الشعاع الحواف وترك ندوباً محترقة، لكنّ القسط الممتص كان كافياً لتحويل الطاقة الفتاكة إلى مجرد إزعاج عابر.
دخل الضوء في الكوارتز كمطر يتشربه تراب جاف، مما أدى إلى إنبات أشواك في الأرض. واغلظت هذه الأشواك وتألقت ببريق أسطع، بينما انتشرت جوانب جديدة كالجليد فوق اللحم. واستمر الشعاع في مساره دافعاً الصفائح للتمدد كي تفسح المجال، وتابع أوريون كل ذلك بغبطة واضحة وهو يغذي هذا النمو.
اضطر في النهاية إلى قطع الشعاع حين أصبح مستنزفاً أكثر من اللزوم، وتراجع على عجالة بينما لوّحت المخلوقة بذاك اللسان الشائك عبر الفضاء الذي كان يشغله صدره قبل لحظة.
تصاعد البخار من وجهها. لقد جرحها الشعاع، ولا شك في ذلك، لكنه لم يكن أسرع أو أقوى من قدرتها على التجدد. ووفّرت قوة الحياة الكامنة في الضوء أكثر مما أخذته الحرارة.
علقت أستيريا ببرود: "عادةً، لا يستخدم الناس تعويذات يعلمون مسبقاً أنها ستجعل أعداءهم أقوى".
قال أوريون وهو يدخل معايير جديدة في البلورة بالفعل: "إذن عليهم أن يبذلوا جهداً أكبر".
لم يكن الضوء شيئاً واحداً، لا هنا ولا في عالمه القديم. ففي آثار الترقي التي فحصها، رأى الانقسام بوضوح أكبر، وفي حين أن دمج عناصر أكثر يصنع أداة متعدّدة الاستخدامات، فإن فصلها يتيح توظيفاً انتقائياً.
حرك الصيغة عبر شبكة البلورة، وأزال نطاقات التجدد، وأبقى على تلك الخاصة بالقطع، وفكك الأجزاء التي تمكّن الإصلاح الحيوي الضوئي. ثم عدل الشعاع أكثر مستهدفاً تعبيراً نقياً وجراحياً لمانا الضوء.
أخذت البلورة قصده وابتكرت شيئاً خبيثاً للغاية انطلاقاً منه.
تقدّمت المخلوقة وتألقت أشواكها بضوء خطير، وفتح فكها على مصراعيه ليكشف عن صف ثاني من النتوءات البلورية حيث المفترض أن تكون الأسنان. ومن الواضح أن هدفها كان ابتلاع الشعاع التالي ثم الاقتيات على لحمه.
قال أوريون وهو يطلق ناره: "كل هذا".
لم يكن الشعاع الجديد أسطع. بل كان باهتاً، لكنه لم يكن أقل فتكاً بذلك. وحين أصاب الساق الأمامية اليسرى، عجزت الصفائح البلورية هناك عن امتصاصه فانفرطت. وتهاوى جزء من النمو بقرقعة، وغرس الشعاع أنيابه في العضل. وتفحم اللحم الحقيقي وانكمش، فصرخت السزّلية وتراجعت متعثرة.
ارتجف التوهج على طول أشواكها بينما تراجعت الطاقة الموجهة للهجوم سابقاً إلى الداخل. وفار الكوارتز عند الجرح زاحفاً كالفطر، بينما نبض النسيج تحته باسترعاء. وسيلتئم الجرح مع مرور الوقت.
لم يمنحها أوريون أي وقت لذلك.
وجّه الشعاع التالي على طول الساق، وعبر الكتف، وصولاً إلى قاعدة الجمجمة. وضربت المخلوقة الهواء بذقنها محاولة تحويل الشعاع نحو البلورة وبعيداً عن النسيج الرخو. والتفّ معها بينما كانت البلورة تحلق عيوب الصغر مع كل ثانية مارّة، عاكسةً إرادته إلى الواقع لتقتطع في النهاية جزءاً كبيراً من ذيلها قبل أن يسمح للشعاع بالخفوت.
بدت السزّلية وكأنها أدركت أنها ستموت إن لم تفعل شيئاً، فهجمت. دفعها الألم للتحرك بسرعة في خط مستقيم، لكن قبل أن تبلغ غايتها، أصابتها ضربة حركية وجّهها إلى صدرها، فانزلقت جانبياً واصطدمت بصواعد الكهف لتصدع العمود. استدارت وهجمت مجدداً.
تمتم أوريون: "يا لك من عنيدة".
وأطلق شعاعين إضافيين في الكتف ممزقاً قطعاً من المعدن الذي كان يتقيح هناك. وحين انقطعت أوتارها البلورية، سقط الطرف ممّا أدى إلى سقوط رأس المخلوقة بينما كانت تزمجر من الألم. ومغتناماً اللحظة، مرر الشعاع بسرعة على حلقها.
انتفخ الكوارتز عبر الجرح بيأس فوار تقريباً بسبب الحرارة المدفوعة عبره. وكان المخلوق ذكياً بما يكفي لحماية أوعيته الدموية بالحجارة.
لم يكن أوريون يحب الموت البطيء المؤلم، حتى للمسخوخ. فهذا غير مجدٍ ببساطة.
استهدف الفراغ خلف الفك حيث ترتبط الصفائح البلورية، وترك الضوء يزهر مخترقاً إياها وقاطعاً حتى تدحرج رأسها.
إشعار النظام +2.350 نقطة خبرة
نظر أوريون إلى المسخ الساقط وترك [مبدأ التحقق] يمسح ما تبقى من صفائحها. وباتت الشبكة هامدة الآن وأكثر صفاءً، فهي كوارتز نعم، ولكن مشوبة. وبدت شوائب عشوائية ظاهرياً، وشوائب منتظمة في طبقات رقيقة، وأشرطة متناوبة يمكنها تمكين انكسار مانا إيجابي إن حُفِّزت بالترددات الصحيحة.
كانت في جوهرها بلورة ضوئية بيولوجية. وربما تكون مفيدة للغاية لتعويذات معينة، لكنها عديمة الفائدة غالباً للسحر العام.
أصدر همهمة مسجلاً ملاحظة ذهنية للعبث بتكوينات البلورات، ومرّ بجانبها.
توارى سقف النّفق في الظلام. ونبتت البلورات من الأعمدة والجدران والأرض، بينما جرت جداول صغيرة على طول الدرب متألقة تحت وهج [ضوء المشعل]، لزجة جداً بحيث لا يمكن أن تكون ماء، ورقيقة جداً بحيث لا يمكن أن تكون معدناً. وشعر أوريون ببرودة عميقة تنبعث منها، حتى دون الاقتراب كثيراً. زئبق؟ لا، لكنه شبيه به.
أضفت النتوءات ضوءاً خاصاً بها، وإن كان خافتاً ومخادعاً. كان ساطعاً بالقدر الذي يفسد الرؤية الليلية، وضعيفاً لدرجة تعجز عن أداء دور الشعلة.
لم يملك أوريون أدنى شك في أنه كان ليضيع تماماً لولا قدرته على استدعاء النار أو الضوء بالسحر.
صادفا المزيد من السحالي كلما توغلنا في العمق، وحملت كل طفرة المزيد من البلورات. امتلكت إحداها صفائح كادت تحجب عينيها، بينما بدا ذيل أشبه بهراوة من أشواك شفافة يجر أثراً محفوراً في الأرض.
راح أوريون يعبث بها، محاولاً فهم بيولوجيا تلك الكائنات الشاذة. اقتلع الصفائح أثناء المعارك وسلط الضوء من خلالها بوصفها عدسات ليرى كيف يغير ذلك هيئتها.
لوت بعضها الشعاع في قوس بطيء منح دفئاً أكثر مما قطع؛ بينما دفعت أخرى ضحاياه إلى الصراخ بألم أشد مما ينبغي. سجل كل ما تعلمه في مؤخرة جهازه، وعندما سمحت التجارب لأحد الوحوش بالتمادي معتقدة أنها تدفعه للخراج حقاً، أنهى أمرها بنسخ معدلة من [الليزر اللامتناهي].
وجّه مرة طاقة ضوء شفائية عبر شظية إلى كتف سحابة ليراقب تفاعل البلورات. أزهرت الصفيحة بسرعة جعلتها تتصدع تحت وطأة تمددها، واندفع الوحش نحوه فوراً بفك اتسع فجأة بما يكفي لابتلاع رأسه.
ألوحت أستيريا بيدها، فهوى جسد المخلوق على الأرض وقد تبخر رأسه في ومضة فضية.
قالت بصوت خفيض دون أن ترفعه: "لا تعبث بطعامك يا أوريون. لقد علمتك ما هو أفضل من هذا".
أجاب أوريون وقد بدا عليه الندم: "حاضر يا أمي".
خفف من فضوله قليلاً وواصل التقدم. نمت الأجسام خلفه، وكذلك الأرقام الواردة من النظام، لكنه احتاج مع ذلك إلى عدة ساعات أخرى للوصول إلى المستوى خمسن، وشعر بأن الأمور على وشك أن تبلغ ذروتها عما قريب.
ضاق الكهف فجأة ثم اتسع مرة أخرى، ليدخلا إلى قاعة. ارتفع السقف ليتجاوز مدى ضوئه. ملأت بحيرة المركز، مصنوعة من الفضة السائلة، وبرزت منها بلورات بطول الرجال.
أخذ نفساً وشعر بأن [مجال الطاقة] قد تبدل. لم يكن همهمهم الأزرق المتغير الخاص ببلدروف، بل شيئاً تذكره من ليالي متأخرة على سفح جبل، ومن كنيسة الملجأ حين أُجبر على دخولها خلال الأيام المقدسة.
التفت ليخبر والدته، فلم يجد سوى فراغ. وانطبق الأمر ذاته على بولين.
لم يصب بالذعر. استبعد أن يكون أي شيء في هذا الكهف قادراً على هزيمة والدته، ناهيك عن فعل ذلك بهذه السرعة.
قال لنفسه: "رائع"، وشرع في الاستعداد للمواجهة النهائية التي عرف أنها قادمة، لا سيما أن الانتظار يعني أن مجال الطاقة سيسمح له بسحب أنواع مختلفة من الطاقة بمعدل أقل، إذ كان يتجه بوضوح نحو توحيد طابع الضوء.
شغل الجهاز عدة نبضات حركية ووضعها على أهبة الاستعداد. ظل [الليل المسكون] عالقاً في مؤخرة عقله، فضبط وضعين لمقاومة الجاذبية بينما أبقى حفنة من [الليزر اللامتناهي] المعدلة جاهزة ومطوية. لن يُباغت بخيار واحد فقط.
راقبته سحالي القاعة بلا مبالاة القطط. استلقى أحدها على طول بلورات، بينما تدلى لسانها ونصف عينيها مغمضتان. ولعق آخر حافة الماء الفضيو بتعبير يمكن تفسيره بالنعيم مع قليل من الخيال.
سار أوريون ببطء حول المحيط، تاركاً تغيرات المجال تغمره. استشعر مدى سهولة حركة الضوء هنا وضعف كل ما عداه.
السحر العنصري محظور هنا. يمكنني محاولة فرض تعاويذي الخاصة، لكن من الأذكى التمسك بما أعددته مسبقاً كي لا أرهق نفسي.
دار حول البحيرة فرآها.
وقفت المرأة المنتقبة حيث يلتقي الصخر بالماء، منحوتة من نفس البلورات المنتشرة في كل مكان، ومع ذلك بدت مختلفة. أخفى النقاب وجهاً عرف أنه سيتعرف عليه، خصوصاً أن يديها استقرتا على هلال عند خاصرتها.
عرف حينها لماذا بدا المجال شبيهاً بالملجأ.
قال: "أم القمر"، فطنّت القاعة اعترافاً بندائه.
تدحرج أثي صداه. وانفتحت في الأعلى شق في الصخر الكثيف، وتسللت السماء عبر فتحة لا تزيد في عرضها عن طبق.
كان المفترض أن تظهر زرقاء، لكن ضوء القمر انسكب عوضاً عن ذلك. امتصاص التمثال الضوء وتوهج من الداخل، مع تدفق أشعة عبر عروق لم تكن مريحة قبل لحظة.
التوى المجال من جديد. اختنقت كل طاقة أخرى بفعل طاقة الضوء، ودرى أوريون أن استدعاء أي تعاويذ سوى تعاويذ الملجأ بات مستحيلاً الآن.
انتفخت البحيرة وانفتحت نصفين. اندفع شيء هائل خلال الماء المعدني -أُم سحالي التي تقاتل معها حتى الآن، بصفح درعية، وأشواك بطول الرماح، ولسان كحربة. تحرك بسرعة تفوق ما يسمح به حجمه، مندفعاً نحوه دون تردد.
فعل أوريون النبضة الحركية الأولى غريزياً. أصابت الوحش تحت ذقنه وامتصت جزءاً من قوة الشحنة، لكنها لم توقفه.
تدحرج جانبياً وشعر بلسان الشوكة يعبر ضلوعه بفارق بوصة، وأطلق النبضة الثانية في جانب جمجمته. أحدث الاصطدام طنيناً في البلورات المحيطة بالبحيرة أشبه بجوقة أجراس حين اصطدم بها، لكن الوحش هز رأسه فحسب واندفع مجدداً.
انفجر أوريون غاضباً: "حسنأ. ليكن الضوء".
اصطدمت ثلاثة أشعة لاهوتية محوّرة بجانب عنقه. نهشت وأزت وقطعت وسط دهشة مجفلة هزت حنجرته. تصاعد الدخان من اللحم الثخين وتورم الكوارتز فوق الجروح ليغلقها في الحال ويترك الزاحف الضخم طليقاً ليهجم مجدداً ويجبر أوريون على إهدار دفعة حركية أخرى للإفلات من طريقه.
لو كان مقيداً بالقدر الذي استهدفه هذا الاختبار بوضوح لكان في مأزق حقيقي لحظتها. لحسن الحظ كان مفرط الريبة.
تدفقت ليلة مسكونة من داخله كجبهة هوائية باردة واجتاحت الصفائح الكريستالية باحثة عن الشقوق لتنفذ منها. خبت ومضة حقل المانا الناعمة لتركهما في سكون متجمد.
ارتد الوحش كأن جزءاً حيوياً من جسده انتزع وميض أشواكه وتلاشى.
صرخ أوريون في الفراغ: "كان عليك إخباري إن كنت تريد مني استخدام الضوء وحده".
التقط تعويذة انعدام الجاذبية الأولى وقذفها تحت صدر الوحش. ارتفع السزليّة ثلاثة أقدام وتخبطت ذراعاه بحيرة جراء التغير المفاجئ. قطع أوريون الرفع بعدها ودفع للأسفل بقوة يشوبها الكثير من الحقد.
اصطدم بشوكة كريستالية برقبته أولاً.
كان الصوت مدوياً. ركضت ساقا الوحش مرتين بشكل انعكاسي ثم توقفتا. تلاطمت المياه الفضية ضد الصفائح وسرعان ما اختفى تحتها مرة أخرى.
إشعار النظام +11,450 نقطة خبرة ارتقيت مستوى!