بدت الشوارع مختلفة في ضوء الصباح — أدفأ، وأكثر ازدحاماً، وتنبض بالحياة مع جلبة العربات الخافتة وهمس الأصوات المترددة بين الأزقة الحجرية الضيقة. كانت الورش التي ظلت مظلمة وموصدة المصاريع في الليلة السابقة مفتوحة على مصراعيها، لتنشر في الهواء روائح الخشب المصقول الطازجة، وراتنج المانا، والأعمال المعدنية. تحركت تيسا ببطء، ويداها محشورتان في جيببي معطفها. بدا الأمر غريباً، أن تمتلك المرء وقتاً. سمحت لنفسها بالانجراف عبر الشوارع، مقتفيةً جذبة الفضول اللطيفة أكثر من أي خطورة تخطيط. خطفت صفوف من المتاجر أنظارها أولاً: طاولات صغيرة مصفوفة تحت مظلات مخططة، يلمع كل منها بحلي دقيقة — خواتم، وقلادات، وأقراط، وكلها مصنوعة من الزجاج الضبابي ذاته الذي رأته في النزل. كان الضباب المحبوس بين طبقات الزجاج يتدحرج ويلتف، أزرق وفضياً ناعماً، خاطفاً الضوء بينما تمر بجانبه. جميلة وحسب. توقفت تيسا عند إحدى البسطات، منحنية لتدقق النظر في سلسلة رفيعة نظمت فيها خرزات صغيرة من الزجاج الضبابي، يوهج كل منها بضعف كنجوم صغيرة أسيرة. مدت يدها، حذرة من ألا تلمس، مراقبة الضباب وهو يدوّم تحت السطح الزجاجي. "لديك عين خبيرة بالتفاصيل"، جاء صوت من عبر الطاولة. كان الرجل خلف البصطة كبيراً في السن، بشرياً، متجاوزاً منتصف العمر بقليل، مع خطوط عميقة حول عينيه ويدين خشنتين ملطوختين بلون أزرق خافت عند أطراف الأصابع. كانت أكمامه مشمرة حتى مرفقيه، ومريلة الجلود على صدره تحمل علامات خدوش وحلقات شمع منصهورة. وُضعت أدوات دقيقة الرؤوس بعناية بجانب المعروضات، وكل منها مصقول ونظيف. قالت تيسا بصدق، مشيرة نحو القلادة: "عمل جميل. لم أرى زجاجاً كهذا قط قبل أن أصعد إلى هنا". أجاب الرجل، مؤمئاً برأسه مرة واحدة: "زجاج ضبابي. يُحصَد من الوريد المجوف. وأفضل جودة تأتي من خط الضباب العلوي — يتكاثف نظيفاً هناك، ولا يتغيم بالسرعة ذاتها". أمالت تيسا رأسها، لا تزال تتابع الخرزات وهي تتبدل بينما كان الضباب في الداخل يتدحرج بكسل على منحنى الزجاج. "أليس مسحوراً؟" قال الصانع: "ليس هذه القطع. لا يحتاج إلى ذلك. يحفظ الزجاج الضبابي الضباب بمفرده، دون أي أعمال نقش". ثم أضاف، وهو ينقر حافة الطاولة بخفة: "مع ذلك، يفضل البعض ربط مثبتات في الإطار. يمنع الضباب من التكسر بمرور الوقت. لكن هذا العمل باهظ التكلفة وسيتطلب طلبيات خاصة في نقابة الصناع". "أهل… يتسرب في النهاية؟" هز الرجل كتفيه بخفة. "يمكنه ذلك. يعتمد على طريقة قطعه. الخرطة في إحكام إغلاق الحواف نظيفة". وأهوى بواحدة من القلادات — قطرة واحدة من الزجاج مع خصلة من الضباب تدور في الداخل. "مثل جرة بلا غطاء". انحنت تيسا قليلاً، مدققة النظر في الإطار. "كم يدوم؟" "القطعة الجيدة تصمد لعشرين، أو ثلاثين سنة قبل أن يبهت الضباب. وأحياناً أطول، إن كنت محظوظة". أطلقت نفساً خفيفاً، بين المعجبة والمتأملة. "أصنعت هذه بنفسك؟" أومأ الرجل ببطء، وبدا الفخر جلياً عبر هدوء وجهه البالي. "اسمي هارنل. أقطع الزجاج الضبابي لفترة أطول مما عاشه معظم الحاصدين هنا". ابتسمت تيسا بابتسامة خافتة، حانية رأسها بامتنان مهذب. "إنهن جميلات. يمكنني أن أفهم لم يدفع الناس مقابلهن". ضحك هارنل بخفة: "آه، إنهم يعجبون بالبريق. يخططف العين". علقت نظرات تيسا على القلادة لحظة أطول، وأصابعها تحكها عادةً لدراسة الحرفة، ولتفهم كيف حُبِس الضباب ببهء داخل الزجاج الأملس. جعلت الطريقة التي يتلاعب بها الضوء الخرزات تبدو ناعمة كالدخان. لكنها علمت أنها لا تستطيع تحمل تكلفتها. استند هارنل إلى إطار بصطته، شابكاً ذراعيه بارتخاء بينما يتابع نظراتها. قال بتهوين وسلاسة: "تعلمين، على الرغم من كل هذا البريق الجميل الذي تملكه هذه الأشياء، إلا أن معظم الناس لا يرون من أين تأتي. الوريد ليس مجرد ضباب وجسور. فهناك أنفاق أسفل خط الضباب — جيوب تنمو فيها بلورات المانا مباشرة من الحجر". رفعت بصرها عن القلادة، فوخزها الفضول رغماً عنها. "أيحصل الحصاد هناك أسفل؟" "نجل". أومأ. "الأشياء الجيدة، على أي حال. ليست خردة السطح التي يبعونها للمسافرين". وأشار بابهام نحو الممر صوب صف المتاجر. "في الأسفل داخل الأنفاق، يمكن للبلورات أن تنمو لتكون غليظة كذراعك إن كنت محظوظة. خامّة وبرية". انحنت قليلاً إلى الأمام، وعيناها لا تزالان على الضباب الدائر المحبوس داخل الزجاج. "أليس العمل هناك خطراً؟" وافق بصوت أخفض: "يمكن أن يكون. الضباب أثقل داخل الأنفاق. وأكثر كثافة. إن لم تكن تمتلك المعدات المناسبة — أو الإدراك المناسب — فيمكنك أن تضيع بسرعة. وتفقد موطئ قدمك. وتفقد طريق العودة. كانت هناك… حوادث". توقف، ناقراً أحد خيوط الخرز بخفة بمقبض أداثته. وتابع قائلة: "لكنهم يستمرون في الحصاد. عمل كهذا لا يحدث في السطح". علقت نظرات تيسا على الحلي، متأملة. استطعت شعور العادة القديمة تنبض — حكة الرغبة في معرفة ليس فقط شكل الشيء، بل كيف صُنع. ومن أين أتى. وكيف يعمل. تجعدت عينا هارنل عند الزوايا، قارئاً الاهتمام على وجهها بسهولة وكأنها تفوهت به بصوت عالٍ. "ساعية، أليس كذلك؟" أومأت تيسا، عارضة ابتسامة باهتة. "أجل". قال مشيراً إلى شارتها: "ظننت ذلك. وبنمط الصانعة، تماماً مثلي". أرجحت تيسا كتفيها بخفة، لكنها لم تعلق. اقترب قليلاً، ليهبط صوته إلى نبرة أكثر ودية. "إن كنت من النوع الفضولي — وغالباً ما يكون الصناع كذلك — فهناك امرأة هنا في البلدة تعرض جولات سياحية إلى الأنفاق السفلى. اسمها فاشا. تعرف الوريد أفضل من أي شخص آخر لا يزال واقفاً على قدميه". رفعت تيسا حاجبها. "جولة في أنفاق الحصاد؟" اعترف قائلاً: "عمل خطير إن كنت هناك لقطع البلور، لكن الجولة مختلفة. رحلات أقصر، ومعدات مناسبة، ودليل حقيقي يعرف الطرق الآمنة. لقد مرت سنوات منذ أن حدث خطأ ما". وأشار إلى البلورات مرة أخرى. "الأمر يختلف حين تمسك قطعة كهذا في يدك. ويختلف تماماً حين تراها حيث تنمو". تركت تيسا العرض معلقاً بينهما لحظة، لتزن الأمر. لم تكن هنا لمشاهدة المعالم. فلديها فضة تنتظر على الجانب الآخر من الجسر. لكن فكرة رؤية المصدر الخام، البلورات الحقيقية قبل الصقل — وقبل التشكيل — حركت شيئاً ما تحت أضلاعها. قالت أخيراً: "سأفكر في الأمر". أومأ هارنل وكأن تلك الإجابة كانت في حسبانه. "إن غيرت رأيك، فاسألي عند صف النساجين. سيعرف شخص ما كيف يجدها". حنت رأسها بتهذب، ثم التفتت مغادرة البصطة — ولكن ليس قبل أن تلقي نظرة أخير على القلادة، والضباب لا يزال يدور ببطء ونعومة تحت قوقعتها الزجاجية. كان صف المتاجر التالي أكثر هدوءاً. بلا معروضات مبهرج، ولا مجموعات من المغامرين المدججين بالأسلحة يتفاوضون على جرعات أو خرائط. هنا مالت واجهات المتاجر أكثر نحو السكان المحليين — الحاصدين، والتجار، وبعض السحرة العرضيين الذين يحملون سجلاً سميكاً تحت ذراع واحدة. كان القلة من المسافرين المارّين يرتدون ملابس بسيطة وعملية، بمظهر أشخاص أتوا هنا لأجل العمل، لا المجد. بطأت تيسا عند إحدى البسطات الصغيرة بالقرب من نهاية الممر. لا توجد هنا حلي من الزجاج الضبابي — بل صواني مرتبة من البلورات مصنفة حسب الحجم والقطع، وكل شظية موسومة بخط دقيق وحذر. بعضها مصقول بنعومة، وبعضها الآخر تُرك خاماً بحواف مسننة وعروق متغيمة تجري عبر الوسط. ومعلقة فوق الصواني يافطة: بلورات المانا — مقطوعة وغير مقطوعة كانت المرأة خلف الطاولة في منتصف العمر، وأكمامها مشمرة حتى مرفقيها، وسكين نحت صغير متوازن بين أصابعها بينما تعمل على شظية لا تكبر ظفر إبهامها. ولم ترفع بصرها حين اقتربت تيسا. انحنت تيسا إلى الأمام، وعيناها تمسحان المخزون الموسوم. خطفت البلورات غير المقطوعة انتباهها أولاً — قطع خشنة، أقل بريقاً، لكنها لا تزال تهمس بضعف مع ذلك الوهج الداخلي الهادئ. كان فيها شيء خام وصادق تفتقر إليه القطع المصقولة. وعثرت على بطاقات الأسعار محشورة تحت حافة الصينية. فكتمت تأوهاً صامتاً. أكثر من نصف مدخراتي مقابل أصغر قطعة مقطوعة بشحنة لائقة. عضت تيسا على باطن خدها، متدحرجة بعينيها صعوداً ونزولاً عبر الصفوف. ترددت لحظة أطول، ثم تنحنحت بخفة. سألت: "أتباعين… الفتات؟" أو "قطعاً أصغر حجماً من أن تصلح للاستخدام المعتاد؟" توقفت المرأة عن نحتها، رافعة بصرها أخيراً. كانت عيناها داكنتين وحادتين، وإن لم تكونا قاسيتين. "فتات؟" "أجل. الزوائد. القشور. أي شيء يخلفه القطع". هزت المرأة رأسها مرة واحدة، ضاغطة السكين بجانب الشظية. "لا يوجد شيء كهذا هنا". عبست تيسا قليلاً، غير متأكدة إن كانت قد أساءت الفهم. تابعت المرأة، بصوت ثابت: "كل جزء من بلورة المانا له استخدامه. المسحوق، والشرائح، وحتى الشظايا — كلها تحمل شحنة. أنت لا ترمين ما له قيمة". أومأت تيسا ببطء، غير قادرة تماماً على إخفاء خيبتها. "صحيح. يبدو منطقياً". تأملتها المرأة لدقات أخرى، ثم نقرت على صينية أصغر قرب زاوية البصطة. "هذه أرخص ما لدينا". التقطت إحدى القطع بين أصابعها — شظية ضئيلة، لا تكبر الخرزة، مع وميض خافت من المانا في الداخل. "غير مقطوعة، لكنها أصغر من أن تحمل أي شحنة معتد بها بمفردها. يستخدمها معظمهم للزينة — الخواتم، الأقراط، أعمال القلادات. جميلة، لكن لا تتوقعي الكثير منها". انحنت تيسا متمعنة بالشقائق الأصغر. التقطت الضوء جيداً. لكن ليس بما يكفي من المانا لتشغيل أي شيء جاد بالتأكيد. ومع ذلك… شعرت بتلك الحكة في أصابعها مرة أخرى — فضول الصانعة. سألت: "وماذا عن ربط بعضها ببعض؟" ابتسمت المرأة بابتسامة خافتة. "ستحتاجين إلى شبكة مثبتة لذلك. عمل باهظ التكلفة. ومخطر، إن فشلت الشبكة. يمكن لارتداد المانا من العناقيد غير المستقرة أن يحرق طاولة العمل أسرع مما تتصورين". تمتمت تيسا، دون الضغط أكثر بالسؤال. وتركت يدها تستقر على حافة البصطة لحظة أخرى، تزن محفظتها ضد الوهج الناعمة للبلورات. قالت أخيراً متراجعة: "شكراً". أومأت المرأة مرة واحدة، عائدة بالفعل إلى نحتها. استدارت تيسا مبتعدة، محشورة يديها مجدداً في جيبيها، ولا يزال الهمس الهادئ لبلورات المانا يعلق في أفكارها بينما تتحرك عبر الممر. كانت تعلم أنها باهظة الثمن — فكل ما يحوي ماناً كذلك — لكن رؤية الأرقام عن قرب كانت شيئاً آخر. أطلقت زفيراً عبر أنفها وفركت مؤخرة عنقها. إن أرادت البدء في إدخال المانا إلى عتاد لاري — وهذا افتراض كبير — فعليها أن تكون ذكية حيال الأمر. ليس مجرد رمي شظايا البلور في رقعة والأمل بمعجزة. ذكرت نفسها: أنت صانعة مرقعات. لست ساحرة. أنت تحيكين. أنت تصلحين. وأنت لا تبددين العملات على النظريات. لكن… علقت فكرة ما يمكنها فعله بمصدر طاقة، حتى لو كان صغيراً، بها كالخيط بالراتنج. حزام مدعم. وربما طفرة أحادية الاستخدام منسوجة داخل حشوة الدرع. لكنها ستتطلب خطة. ومجرد مال أزيد مما تمتلكه الآن لتشعر بالراحة لإنفاق كل ذلك. عدلت وزن حقيبتها ورمت نظرة أخيرة باتجاه صفوف المتاجر. المهمة التي تعمل عليها الآن ستدفع لها جيداً. وكان هذا هو السبب الرئيسي لقبولها إياها. إن نفذت هذا حتى النهاية، فربما تتمكن من إقناع نفسها بشراء إحدى الشظايا الصغيرة غير المقطوعة. وإن استغرقت وقتاً، وتبينت تصميماً حقيقياً أولاً… فلن يذهب هباءً. في طريق العودة، قررت. بعد التسليم. إن سار كل شيء على ما يرام.
كان ازدحام الظهيرة في النزل قد انقضى، ولم يخلّف وراءه سوى رنين أدوات المائدة الخافت ودمدمة الأحاديث المنخفضة. جلست تيسا وحدها قرب النافذة الأمامية العريضة، وأمامها وعاء ضحل من حساء الخضراوات، وإلى جواره قطعة خبز مشطورة إلى نصفين. لم يكن الطعام فاخرا، لكنه كان ساخنا، والمقعد القريب من الزجاج أتاح لها أن تراقب خصلات الضباب المحبوسة وهي تنساب بكسل بين لوحي النافذة. كانت تحب ذلك الجزء أكثر مما قد تعترف به. غمست الخبز في المرق وقضمت منه، تمضغ ببطء، وأفكارها لا تزال عالقة على نحو غامض بشظايا المانا والأحزمة. راودها خاطر أن ترسم شيئا، أن تخط أفكارا أولية على الرق، لكنها أجبرت نفسها على الجلوس ساكنة. كلي. شيء واحد في كل مرة.