هو — عودة الماضي
توقفت سيارة عند مساحة صغيرة خالية على جانب الطريق. وظهر إلى يسارها سياج يقي من منحدر حاد يؤدي إلى شاطئ رملي يعجّ بالزوار فعلاً. كانت آيا جالسة مسندة ظهرها إلى مقعدها تغطّ في النوم، بينما تثاءب تايسون وهزّ رأسه. وبعد لحظات قليلة، سمع نقراً على الباب الجانبي أفزع آيا فأيقظها؛ وابتسمت أخته ببهجة وهي تفتح الباب الخلفي وتدخل.
هتفت سيلينا وهي تغلق الباب: "أهلاً يا رفاق! لقد أتيتم مبكراً!"
قالت آيا وهي لا تزال تستيقظ بينما حدق فيها تايسون لحظة: "..."
قالت آيا: "ماذا؟ لقد ذكرت فحسب أنه بإمكاننا القيادة أسرع بعض الشيء."
قال تايسون متنهداً: "... حقاً، بالطبع، فلنسمِ ذلك هكذا."
خصيتاي لا تزالان تؤلماني... لا أصدق أن رجلاً قد يشعر بالتهديد بسبب العادة السرية... لكني أظنني كنت مخطئاً...
"لم يكن عليكِ قطع كل هذه المسافة لاستقبالنا، تعرفين ذلك؟"
قالت سيلينا: "هراء! هذا يوم عظيم، ويجب أن أشهده من البداية وحتى النهاية."
قال تايسون وهو يبدأ القيادة مجدداً: "... حسناً، كوني الشاهدة إذاً. ربما تسجل كلماتك يوماً في كتاب يعبده الملايين."
قالت سيلينا: "تعلم أنني أسدي نصائح رائعة حقاً. قد يحدث ذلك. لا تدري أبداً."
قال تايسون: "لا، أنا أدري. لن يحدث. ولا حتى بعد مليون عام."
"آه، من هذا الفتى الممتعض؟"
قالت آيا مبتسمة: "آسفة، الذنب ذنبي. لقد كنت أزعجه طوال الطريق."
سأل تايسون: "... هل يمكنني القيادة في صمت حتى نصل إلى هناك من فضلك؟"
قالت آيا: "محال. إن صمتنا، فستبدأ في التفكير. وتفكيرك ليس فكرة جيدة أبداً."
أومأت سيلينا: "أوافقها الرأي."
"ربما يجدر بي أن أتوقف وأطردكم كلاكما. تبدوان وكأنكما بحاجة إلى بعض التمرين."
سألت آيا وبدت مرتبكة قليلاً: "... هل نعتنا بالبدينين للتو؟"
قالت سيلينا: "أعتقد أنه فعل. ما الذي سنفعله حيال ذلك؟"
قالت آيا: "إه، إنه على حق. لقد اكتسبت وزناً في الأسبوعين الماضيين. ويمكنني حرقه."
قالت سيلينا وهي تضحك بخفة بينما تداعب برفق بطنها المنتفخ: "... حسناً، سأحرق وزني بعد بضعة أشهر أخرى. حتى ذلك الحين، احتملوا هذه البمبي هنا."
قالت آيا مبتسمة: "إنه ينمو بصحة جيدة. هل أنت متأكدة من أنك قادرة على دفعه للخارج؟"
قالت سيلينا: "أولاً، لا نعلم إن كان ذكراً. ثانياً، لمَ لا؟ سيؤلم كالجحيم، لكني واثقة."
تذمر تايسون: "ربما تصححين لها جزء (دفعه للخارج). ليس... آه، ليكن."
سألت آيا وهي تمسك بيده الطليقة: "... هل أنت بخير؟"
... أه، نعم؟ لمَ؟ اكذب، اكذب فحسب، الكذب شيء جيد.
قالت: "لا سبب. لكن، إن كنت بخير، فكل شيء على ما يرام."
"أنا بخير."
قالت آيا: "بخير."
قال تايسون: "بخير حقاً."
سألتي سيلينا من المقعد الخلفي: "هل تفعلان هذا كثيراً؟"
سألت آيا وتايسون في الوقت ذاته: "نفعل ماذا؟"
قالت سيلينا محاولة ابتسامة مصطنعة: "... لا عليّ. لا بد أنني إساءة الفهم."
غيرت آيا الموضوع: "خّم، على أي حال، كم تبعد المسافة عنا؟"
قال تايسون وهو يشير إلى المبنى الأصفر الطويل والبعيد: "حوالي خمس دقائق. إنه على مقربة من الطريق الرئيسي. يمكنك رؤيته بالفعل في الواقع. حسنًا، ليس هو بذاته، بل بالقرب من ذلك الشيء الأصفر، عبر الشارع مباشرة."
هتفت سيلينا: "لا تدعه شيئاً أصفر! إنه مكان يمكنك من الحصول على طن من المال مجاناً!"
... أهح؟ نظرت آيا إلى تايسون طلباً للتفسير.
"إنه بنك."
"أه."
قال تايسون: "نعم. لم يدركوا قط تماماً أن المال ليس (مجاناً)."
قالت آيا ضاحكة: "من حسن حظهم أنهم لم يلتقوا مرابي القروض أبداً."
قال تايسون: "حدثني عن ذلك."
بعد بضعة دقائق أخرى من القيادة، توقف تايسون بجوار منزل من ثلاثة طوابق مبنيّ من خشب الصنوبر. ووقف في واجهته شرفة صغيرة تضم بضعة كراسي - مشغولة حالياً - وطاولة. وكانت الأبواب الأمامية مشرعة على مصراعيها بالفعل، وينبعث منها صوت موسيقى خافت. غادرت سيلينا وآيا السيارة بينما عاد تايسون للخلف وأوقفها في مساحة صغيرة بجوار المنزل.
سألت آيا: "ماذا عن الحقائب؟"
هتفت سيلينا وهي تمسك بيدها: "يمكنك إخراجها لاحقاً! لنلتقِ بالعائلة أولاً."
ثم استدارت نحو تايسون الذي أخذ نفساً عميقاً: "أبي عند غريغ. حظاً موفقاً."
قال تايسون: "... أجل."
هتفت آيا: "انتظري، ألتقي بعائلتك من دون معك؟! ألا ترين أن هذا غريب بعض الشيء؟"
قال تايسون بابتسامة خبيثة: "غريب للغاية. حظاً موفقاً يا عزيزتي."
"أه، العنة عليك أيها الحقير."
"تذكر فقط: إن أردتِ من أمي أن تحبك، فأخبيها أنك كنت تمتلكين ذكَراً. ستعشق ذلك الهراء."
... احترق في الجحيم. غادر تايسون ضاحكاً بعد أن لوّح للأشخاص الجالسين على الشرفة. كان نزل غريغ حانة صغيرة في أقصى أطراف البلدة حيث يرتاد غالبية أهلها الشرب، ليلاً كان أم نهاراً. وكأنه يسافر عبر الزمن إلى الوراء، ذكّره كل ركن بماضيه؛ المكان الذي اعتاد الاختباء فيه أثناء اللعب، والزاوية الصغيرة التي قبل فيها فتاة للمرة الأولى، ومحل الحلوى الذي لم يمتلك مالاً له قط، وموقف السيارات الذي قاد فيه سيارة للمرة الأولى، ومتجر الأثاث الصغير الذي حصل فيه على مكتبه الأول، بل وحتى ساحة المدرسة المعاد بناؤها الآن والتي قضى فيها معظم طفولته.
ومع صغر حجم البلدة، إلا أنها كانت تنضح بالذكريات؛ ليس له وحده، بل لكل من ولد هنا. وفي طريقه، صادق عدداً لا بأس به من الوجوه المألوفة، وكلها استقبلته بابتسامة متحمسة. وخلافاً لإيما وجاريد، لم يعد أبداً قط بعد مغادرته، وظن الجميع أنه عاكف بجد على العمل وإعداد المستقبل. وبعد دقائق معدودة من المشي، وقف أمام المبنى العتيق الذي تحمل لافتة خشبية نقش عليها اسم (نزل غريغ).
وكانت النوافذ داكنة قليلاً مما يصعب معه الرؤية في الداخل، لكن الثرثرة المنبعثة منه كانت صاخبة للغاية. أخذ نفساً عميقاً آخر، ودفع الباب فجعل الجرس يرن، لكن الصوت لم يفزع أحداً. وتفحص الغرفة سريعاً، فلمح أباه فوراً؛ رجل في أواخر خمسيناته يبدو أن مقامه في أحد الأركان، بشرته شاحبة وجافة بعض الشيء، وشعره أبيض كثلوج ملوثة، وبنيته ضخمة. وتحت الشعر بدت لحية صفراء اللون قليلاً، ملوثة بلا شك بعقود من التدخين.
وكان له أنف كبير وعينان وعظماء وجنتين وقورتان. تنهد تايسون ومشى ببطء نحوه؛ ولما لمح الرجل ابنه، استدارت عيناه واهتز جسده للحظة. ومع ذلك، لم ينطق بحرف، بل زاد إحكام قبضته على زجاجة الجعة في يديه. جلس تايسون في المقابل وطلب جعة لنفسه، يتلظى في الصمت الذي نشأ بين الاثنين. ... أه، خم، كـ-كيف كانت، أه، الرحلة؟ كان أبوه أول من كسر الصمت بسؤاله. وكان صوته أجش قليلاً - نتيجة للتدخين بلا شك - وحمل في طياته تلميحاً من القلق.
قال تايسون: "أه، كانت، كانت جيدة. لا مشاكل."
"جيد."
"نجل."
كنت أعلم أنه ما كان لي أن ألتقي به وحدي!! اللعنة عليكِ يا أختي، وعلى ألعاب عقلكِ!!
سأل تايسون: "كـ-كيف حالك؟"
قال الرجل: "جيد."
قال تايسون بينما أحضر له الساقي الجعة: "جيد، نجل. إنها، أه، جيدة..."
... أنا، أه، لم... لم أكن أعظ أنك ستأتي.
قال تايسون وهو يطلق ضحكة قصيرة: "... نـ-نعم، وأنا أيضاً. لكني، أه، هأنذا."
سأل الرجل: "... ما الذي غيّر رأيك؟"
"ألم تخبرك سيلينا؟"
"قالت إنه من الأفضل، أه، أن أسمع ذلك منك."
قال تايسون مسخراً: "... إنها هكذا."
قال الرجل وهو يرتشف رشفة من الجعة: "هاه، نعم، نعم إنها كذلك."
قال تايسون مبتسماً: "... لقد كانت، أه، فتاة. التي أتيت معها."
سأل الرجل: "أه؟ إيما؟"
"أحقاً؟! حتى أنت كنت تعلم؟!"
قال الرجل ضاحكا: "الجميع كان يعلم، يا بني. لم تكن بارعاً في إخفاء الأمر."
قال تايسون: "أعتقد أنني كنت أؤدي بشكل رائع، شكراً جزيلاً لك. لكن، أه، لا، ليست إيما."
... إذن؟ أين هذه السيدة؟ ينبغي لي شكرها.
قال تايسون: "إنها، أه، تلتقي بأمي والآخرين."
... تركتها وحدها؟ معهم؟ تمتم الرجل محركا حاجبيه الكثيفين قليلاً.
قال تايسون ضاحكاً: "إه، لقد كانت تجنني في الطريق. وظننت أنني سأرد لها الصاع صاعين."
ثم ألقى نظرة على الزجاجة في يد الرجل: "أنت... أنت لم تقلع بعد؟"
... لا.
قال الرجل متنهداً بمرارة: "حاولت. بضع مرات في الواقع. لكن، كما تعلم... إنها، أه، لا أدري... على أي حال، خم، إذن - أه - كيف هي، كما تعلم، الكلية؟"
قال تايسون: "آه، نعم، إنها، إنها جيدة، أتعلم؟ إنها... نعم، إنها جيدة..."
...
هه، أطلق الرجل ضحكة مريرة وهو يطأطئ بصره إلى الزجاجة في يده: "تخيلت أننا سنخوض هذه المحادثة مرات عديدة، أتعلم؟ و... كنت أتساؤل دائماً عما سنقوله."
سأل تايسون: "... ماذا تريد أن تقول؟"
... لا أدري، قال الرجل وهو يرفع بصري إلى عيني تايسون. أهو... يبكي؟!!
"أنا... أنا ظننت حقاً، أتعلم، أننا سنقعد، وسأشتري لك جعة... وستعلم، سنتحدث. وسأعتذر. وسنصلح الأمور بطريقة ما، لا أدري."
قال تايسون: "... أشعر بأن كلمة (لكن) آتية."
... أ-أنت... تبدو مثله...
كثيراً جداً، قال الرجل مصطنعاً ابتسامة: "لا أود ذلك لكن... فقط، مجرد رؤيتك... لا أدري، تجعلني أغضب؟ و..."
تذمر تايسون متنهداً: "... آه، هيا، هذا مجدداً؟! اللعنة، لا تغضب! سأكرر نفس الهراء الذي كنت أقوله دائماً!!"
وعلا صوته: "إن كان الأمر هكذا، فلمَ الدعوة من الأساس، ها؟!"
تفه...
"لمَ تدعوني إلى هنا؟! لتخبرني في وجهي، مجدداً، أنني لست من عائلتك؟ أهذا هو؟!"
... لا! لا، بالطبع لا! أ-أنت... أنت... فـ-ف...
هتف تايسون: "لا يمكنك نطقها حتى! أُف، كنت أعلم أن هذه غلطة. سأرحل فور حصولي على قسط من النوم."
أمسك الرجل بذراعه فجأة بينما كان تايسون على وشك النهوض: "لا، لا، ارجوك لا! أنا... أريد حقاً أن نعود، أتعلم، إلى ما اعتمدنا عليه. لكن يا تاي، عليك أن تفهم... الأمر... ليس سهلاً..."
قال تايسون متنهداً وهو يعود إلى جلسته: "... أنا أفهم. بالطبع أفهم. لقد فهمت دائماً. أنا... لا أستطيع تخيل كيف كان الأمر بالنسبة لك، أتعلم، حين اكتشفت ذلك... لكني، لا أدري. أنا فقط... أعتقد أنك لم تحاول قط أن تتخيل أن الأمر لم يكن سهلاً عليّ أيضاً."
"أعلم أنه لم يكن كذلك. أعلم."
"لقد أصبتني بارتجاج في المخ."
قال تايسون.
قال الرجل: "لقد كسرت أنفي. لقد كان ذلك الهراء مؤلماً."
قال تايسون: "ظننت أن ذكري كان صنبوراً لمدة أسبوع. لقد تبولت في يدي ممرضة مرة."
قال الرجل: "لمدة شهر، كلما تنفست، شعرت وكأن أحداً يفجر قنبلة داخل أنفي."
"آح."
... نعم.
سأل تايسون: "... هل شاهدت التسجيل قط؟"
أوه، لقد فعلت، قال الرجل ضاحكاً للحظة: "تلك اللكمة اليمنى منك مؤلمة حقاً حقاً."
قال تايسون: "لو لم تكن ترتدي خاتمك السميك ذاك، لكنت قد فزت."
"هاه، مستحيل. لو لم أكن ثملاً كالحصان، لكنت فزت في لمح البصر."
قال تايسون مبتسمأ بخفة: "مستحيل أيها العجوز. عظامك تصرخ كلما تحركت. لقد سددت بضع لكمات محظوظة ليس إلا."
قال الرجل وتوقف الضحك بين الاثنين: "سأصل إلى هناك. أعدك. لذا، أرجوك، فقط... فقط ابق..."
... سأفعل. علاوة على ذلك، لا يمكنني المغادرة دون تعريفك بآيا.
سأل الرجل: "أهي الفتاة التي أقنعتك بالمجيء؟"
قال تايسون مبتسماً: "نعم. إنها مميزة حقاً. سترى."
"أتحبها؟"
قال تايسون: "... نحن نتواعد منذ شهر تقريباً."
"إذن؟ إما أن تحبها أو لا تحبها."
"كل شيء أبيض وأسود بالنسبة لك، أليست كذلك؟"
قال الرجل: "هكذا صنعها الصانع. ومن أنا لأجادل؟"
... أكانت تلك مزيحة عنصرية؟ قل لي إنها لم تكن مزحة عنصرية.
"هيه؟ ما العيب في بعض الفكاهة الخفيفة؟"
قال تايسون: "... أعلم أنك لا تقصد سوءاً، لكن بجدية، لم تكن مضحكة قبل عشر سنوات، وليست مضحكة اليوم على وجه الخصوص."
"إنها مضحكة بالنسبة لي."
"... أُف."
"إذن؟ أتحبها أم لا؟"
قال تايسون بابتسامة خبيثة: "... هذا أمر أعلمه وحدي وتكتشفه أنت."
"حسناً، سأفعل. لا تقلق بشأن ذلك."
"حظاً موفقاً."
قال الرجل: "لقد أخبرتك سلفاً. لست بارعاً كما تظن في إخفاء تلك الأشياء."
"... اعضضني."
سأل الرجل محركا حاجبيه قليلاً: "انتظر، ألم أعضك حين تقاتلنا؟"
قال تايسون: "لقد حاولت. صرخت (احذر تايسون خاصتي!) وانقضيت على أذني. بدأت أضحك بينما كنت أبكي من الألم."
قال الرجل ضاحكاً: "آه. المزحة الوحيدة التي كانت تضحكك دائماً."
... لا تعرف كم كنت سعيداً حين علمت أنكم لم تسموني باسمه.
"كان يجب أن تشعر خيبة الأمل. ليس لديك أي ذوق حقاً، أليس كذلك؟ حسناً، أظنني سأرى ذلك بعد أن ألتقي بفتاة."
قال تايسون: "الليلة. عند تشاك. الثلاثة منا. ما رأيك؟ وأنت من سيدفع بالطبع."
"لم أكن لرضى بغير ذلك."...
حسناً، هذا إن بقيت عاقلة بحلول الوقت الذي أعود إليها فيه...