سألت: "ألا يمكنك التوقف؟"
يفيد اللطف أحياناً، ولا يتاخر الوقت قط لترك انطباع ثانٍ حسَن. أظن أن أحدهم قال ذلك.
قال بوغومير: "مذهل".
لوحت بيدي وتصنعت الضحكة.
"لم يكن شيئاً حقاً".
عقد بوغومير ذراعيه.
"هناك أمر واحد لا أستطيع فهمه".
"لدي إحساس بأنك ستطرح علي سؤالاً".
"لماذا؟"
"لأن الناس عادة حين يقولون إنهم لا يفهمون أمراً ما، يطلبون توضيحاً فورياً".
أغمض بوغومير عينيه وأخذ نفساً عميقاً.
"لم أكن أعني لماذا لديك إحساس بأنني على وشك طرح سؤال. بل أعني لماذا هذا كله؟ لماذا جئت إلى هنا؟ لماذا تفعلين كل هذا؟"
"يبدو أنه أكثر من سؤال واحد يا بوغومير".
أومأ ببطء.
"أستطيع أن أرى سبب رصد مكافأة قدرها مليون قطعة ذهبية لمن يقتلك".
ابتسمت باعتزاز.
"أجل، من الصعب جداً قتلي".
"لا... ليس هذا السبب".
"هل أنا شديدة الجمال لدرجة أنهم خافوا ألا يقتلني أحد بمقابل أقل؟"
أغمض بوغومير عينيه مجدداً وأخذ نفساً عميقاً آخر. خمنت أن هذه عادته المفضلة. ثم رفع إصبعيه الوسطى والسبابة نحو جبهته، فخشيت أن يرميني بنوع من أشعة الموت. تدحرجت جانباً، وفعلت مهارة [الدخول النظيف]، وأطلقت النار على ذراعه قبل أن يتمكن من تبخيري. سقطت ذراعه على الأرض، وبوغومير يحدق بي فقط. لم يبد وكأنه يشعر بأي ألم حتى. رفعت يدي.
"آسفة؟ ظننتك ستطلق علي شعاع الموت. لم أتعمد نزع سلاحك".
ضحكت بخفة على التورية غير المقصودة.
"آسفة! ولم أتعمد الضحكة أيضاً، الأمر فقط..."
أشرت إلى الذراع الملقاة في التراب.
"نزع... سلاح. آسفة".
نظر ييرزي إلى الذراع، ثم إلي. هز رأسه. رفعت يدي.
"قلت إنني آسفة!"
رمقتهما بأودّ ابتسامة.
"آمل ألا يؤثر هذا في صداقتنا؟"
قال الضاحك: "ما اللعنة التي تتوهتين بها؟"
نقرت على ذقني.
"أشعر أن هذا سؤال بلاغي. أنت لا تسألني حقاً، أليس كذلك؟"
"ألا يمكننا قتلها وحسب؟"
اسكته بوغومير بيده الباقية.
"هيكاتي، ألا يمكنك إخبارنا بالسبب وحسب؟"
ألتفتّ فرأيت حشداً قد تجمّع حولنا. حافظوا على مسافة آمنة، لكنهم كانوا يراقبون يقيناً.
سألت: "أسترافقون على قتلي بعد ذلك؟"
أومأ برأسة إيماءة خفيفة. يا للوقاحة. تنحنحت.
"السبب وراء هذا كله، سبب وجيه للغاية. لأن السبب هو..."
تفحصت الحشد مجدداً.
"السبب هو أنني أفعل هذا من أجل الأطفال".
عقد بوغومير حاجبيه.
"من أجل الأطفال".
"نعم. بالضبط. من أجل الأطفال. جئت إلى سيليسيا لأحمي الأطفال. لهذا خاطرْتُ بحياتي لقتل وحش المستنقع".
مسحت دمعة من عيني (كان لا يزال هناك بعض الرمل فيها)، ورفعت صوتي ليسمعني الحشد.
"تسأل لماذا يا بوغومير؟ انظر إلى هذا المكان! انظر إلى هؤلاء الناس! حين كان وحش المستنقع يأكل أطفالهم، أين كانت الكنيسة؟ لقد كانوا منشغلين بتلميع ذهبهم وتدريب أنفسهم على العبوس أمام المرآة!"
أشرت بحماس نحو الحشد.
"جئت إلى هنا من أجل الشباب! من أجل الصغار! لأن حكيماً أخبرني ذات مرة أن الأطفال هم المستقبل، وإذا استمرت محاكم التفتيش في تفجير كل الصغار، فلن يكون هناك مستقبل! إنهم يكرهون الأطفال لأن الأطفال يطرحون أسئلة كثيرة! أسئلة مثل: (لماذا يفتقد ذلك الرجل سناً؟) و(لماذا لا تمتلك تلك السيدة أذنين؟)"
صفق ييرزي يداً أمام فمه. كنت أعلم أنني لمحْت سناً مفقودة! لمحْت... ليس سناً. فجوة ينبغي أن تحتضن سناً، لكنها خلت منها. كان ييرزي يفتقد سناً. التفتّ مجدداً نحو بوغومير، وبدت على ملامحي خيبة أمل عميقة.
"تريد الكنيسة عالماً بلا ضحك، بلا بهجة! لقد رأتني، الحامية المتواضعة للأطفال الأبرياء، فقالت: (إنها جميلة جداً. شعرها جميل جداً. إنها تجعل الأطفال يصدقون أنهم مسموح لهم بالحلم! نحن نكره الأطفال! اقتلوها!)"
انفجر الحشد باللهاث والهمهمات.
"تريد الكنيسة قتلها من أجل شعرها الجميل!"
هتف صوت آخر: "إنها تحمي الأطفال!"
"إنهم لا يريدون لنا أن نحلم!"
صاح أحدهم: "إنهم يريدون قتلها لأنهم يكرهون الأطفال!"
صرخت امرأة: "إنهم غاضبون لأن الأطفال يضحكون!"
وصاح رجل آخر: "وهم لا يضحكون! هل رأيت أحداً منهم يبتسم قط؟"
فركت عيني مجدداً. لقد آلمني ذلك الرمل حقاً.
صاح شخص في الخلف: "هل تقولون إنكم تكرهون الأطفال؟"
فاجأني بوغومير بصياحه: "لم أقل ذلك قط! نحن لا نكره الأطفال!"
هززت رأسي بصرامة.
"لقد قالوا إن الطفل الصالح الوحيد هو الطفل الميت".
أطلق الحشد شهقة رعب جماعية. أشار رجل إلى الذراع الملقاة على الأرض.
"انظروا إلى ما فعلته بها".
قال بوغومير: "تلك ذراعي! هي من فعلت بي هذا!"
هتفت: "لكن كان من الممكن أن تكون ذراعي أنا! من أجل الأطفال!"
صرخ أحدهم: "إنهم يقتلون صغارنا!"
سقطت على ركبتي وضربت بقبضتي في الرمال.
"لماذا يا بوغومير، لماذا؟ لماذا يجب أن تشنوا الحرب على الصغار؟"
صاح رجل: "أجل! فسر نفسك!"
صرخت امرأة: "أيها النذل القذر!"
مسحت عيني مجدداً.
"إذن تسألني لماذا؟ لماذا؟ أنا من يجب أن يسألك لماذا يا بوغومير! لماذا تطارد الأطفال؟ لماذا تريد إخماد كل شرارة فرح وأمل في هذا العالم؟ لماذا تقف هناك، وتنظر إلى كل هؤلاء الناس، وهذه العائلات، وتفكر: (نعم، اليوم يوم جيد لكره الأطفال)؟"
أشرت بعنف نحو الحشد.
"هؤلاء الناس لديهم أطفال! لديهم مستقبل! لديهم أحلام! وأنت تريد أن تسلبهم ذلك! تريد عالماً لا يضحك فيه طفل، ولا يبتسم فيه صغير، حيث يكون الجميع تعساء ومفتقدي الأسنان مثلك أنت وأصدقاؤك مبغضي الأطفال!"
قال ييرزي، ويدُه لا تزال على فمه: "مهلاً!"
أشرت إلى ييرزي.
"إنه يفتقد سناً! غالباً بسبب كل هذا الكره للأطفال! وربما كسرها وهو يحاول أكل أحدهم".
أطلقت امرأة شهقة: "إنه يفتقد سناً!"
بدأ ييرزي يقول: "ليس هذا—"
صرخت رافعة يدي: "اصمت! الأطفال يتكلمون!"
قال بوغومير، وصوته يتردد كأنه مئة صوت معاً: "كفى".
كان ذلك مرعباً بحق، لكنني كنت منخرطة في دوري، فنهضت ببطء.
"نعم يا بوغومير. كفى. عهد إرهابكم ينتهي اليوم".
أدرت كتفي عرضاً، ثم تناولت جرعة مانا وابتلعتها. لم يحاولوا حتى منعني. وبفضل لطف بوغومير في مجارات خطابي القصير، استعدت قدراً لا باس به من القدرة الجسدية وكنت جاهزة للجولة الثانية. ومكافأةً لي، بدا الحشد واقفاً في صفّي الآن.
سألت: "أكلمات أخيرة؟"
أومأ بوغومير لييرزي والضاحك فتفرقا. كان ييرزي لا يزال يحسد رصاصتي معلقة أمامه، لذلك ظننت أنه يخطط لإطلاقها على رأسي في مرحلة ما، وهو ما قد يمثل مشكلة نظراً لكونها مشبعة بمهارة [الدخول النظيف]. أما الضاحك فكان غالباً سيرمي علي صخوراً ملتهبة إضافية، ما لم يشعر برغبة في تغيير استراتيجيته وفعل شيء مبتكر، مع أنه لم يبد من ذلك النوع. ولماذا يفعل؟ فقد كانت صخوره فعالة جداً ضدي.
أفترض أنه لا ينبغي لي الحكم على أحد في الابتكار بما أنني استخدمت مهارة [الدخول النظيف] في الغالب للتخلص من التهديدات بنفسي. والآن بعد أن فكرت في الأمر، لم تكن بنفس الفعالية ضد هؤلاء الرجال كما كانت ضد خصومي السابقين. ربما حان الوقت لتعديل استراتيجيتي قليلاً. أما بوغومير، فلم يهاجموني حتى الآن. كان يقف هناك هادئاً كالخيار، وكنت أنا المفترض أن أكون الخيار. لم يرف له جفن حتى حين أطلقت النار على ذراعه.
ما قصة هذا؟ ضيقت عيني، محاولة معرفة ما إذا كان يبكي سراً قليلاً، أو يتألم بطريقة أخرى، لكنني لم ألمح أي دموع. لم يبد منزعجاً على الإطلاق. سكت الحشد تماماً الآن. لقد تبخر الحماس لحظة اتخذ المحققون تشكيلهم القتالي. كان الناس يتراجعون ببطء. وبعضهم دخل المنازل وحدق عبر النوافذ، ضاغطين وجوههم ضدها. قفز فاسل بجانبي.
"احذر بشكل خاص الرجل الذي في المنتصف".
سألت: "بوغومير؟"
"نعم".
"لكن ذراعاً واحدة بقيت له. كم قد يكون صعباً؟ ييرزي هو صاحب تعويذات الشلل".
بدأ بوغومير يمشي بهدوء نحوي. ومع اقترابه، نهضت الذراع الملقاة على الأرض وبدأت هي الأخرى تمشي نحوي مثل يد عنكبوتية مرعبة بخماس أرجل، بينما تجر الذراع نفسها خلفها. اتسعت عيناي.
"ماذا؟! لا يمكنك فعل ذلك!"
ابتسم بوغومير ببساطة بينما كان يتقدم ومعه ذراعه.
"هذه هراء!"
قال فاسل: "استهدف الرأس".