أوصلتني بلورة الانتقال إلى مكان ما في الغابات القريبة من فيسوا. لابد أن الجو كان بارداً، إذ صنع أنفاسي ضباباً في الهواء. كانت الأرض رطبة، وانتشر ضباب خفيف في أرجاء الغابة كافة، على مدى بصري الذي لم يكن بعيداً بسبب الضباب نفسه. بدت الأشجار مذهلة، حتى من قرب. كان مزيج الأحمر والذهبي غاية في الجمال، وبدت رائحة الخريف المنعشة طيبة جداً. لم تكن هذه تشبه غريشيا بأي حال.
شككت قليلاً في أن يكون هذا موضع انتقالهم المعتاد، فمن الواضح أنهم لا يريدون لي معرفة مكانه. ربما غيروه كي لا أستطيع نصب فخ لهم. هذا ما كنت سأفعله على الأقل. خرجنا من الغابة سريعاً وبدت لي فيسوا واضحة، مما يعني أن العودة إلى البلدة لن تستغرق سوى مشي قصير، وشعرت بالامتنان لذلك. لم أستخدم مهارة [التسرع] لأنني رغبت في ترتيب أفكاري وتبادل بعض الآراء مع فاسيل.
سألته: "إذن ما رأيك؟"
قال من داخل حقيبتي: "الأمر خطير. خطير للغاية".
"ولكن هل يستحق العناء؟"
"امم... أخشى أن خطر الانكشاف كبير حقاً. هناك متغيرات كثيرة، وسيكون صعباً حسابها كلها. ستكون عيون كثيرة جداً عليك، وأنت تبرزين حقاً مهما فعلت. تلك هي طبيعتك".
"ولكن، الحصول على نقش سحري نادر وقوي للغاية سيكون أمراً رائعاً".
"أوافقك. سمعت أن النقوش السحرية التي تُمنح للفائز قوية جداً حقاً. بل وسمعت من يدعي أن ستفورا يصنع نققشاً فريداً لكل بطولة، وأنه يزيد من قوته لمن يقدمون له الأكثر".
"إذن المزيد من الدم يعني نقشاً أفضل؟"
"هذا ما يقولونه. سميت بقرابين لسبب ما. لا أعتقد أن قتل شخص ما يُعاقب عليه، لكن الإبقاء على خصمك حياً، مع نزف دماء كثيرة منه بالطبع، قد يكسبك بعض النوايا الحسنة. كما أنه يظهر السيطرة والمهارة".
حكت قفايا وقلت: "أظن ذلك. غير أن الناس يميلون للانفجار أمامي عادة. يصعب نوعاً ما معرفة مدى قوة أحدهم قبل أن تصيبه الرصاصة فعلاً، وعندما تصيبه يكون الأوان قد فات. حينها يتناثرون في كل مكان".
قال فاسيل: "ربما حان الوقت لتتعلمي بعض السيطرة إذن. من الجيد دائماً أن تكون قادراً على ضبط النفس. أن تستطيع الضرب بالقوة التي تقصدها تماماً. سيمنع ذلك حوادث مؤسفة، ومن المؤكد أنه سيأتي في نفعك في مرحلة ما. ليست كل مشكلة تتطلب مطرقة".
"نعم، معظمها يتطلب رصاصة".
"ليس هذا ما قصد—أنت تمزحين".
ضحكت وقلت: "قليلاً. أعلم، أعلم. أنت محق. لقد أصبحت أقوى بكثير في فترة قصيرة جداً، لدرجة يصعب معها معرفة مدى قوة ضربتي. وليست الأمور كأنني أستطيع رؤية المستويات".
"على الأقل يمكنك الآن تحديد مقدار الضرر الإضافي الذي يمنحه [العطاء السخي]. هذه بداية جيدة".
"نعم. إذن، نحن نفعل هذا حقاً، أليس كذلك؟"
"لقد قلت إنك ستفعلين مسبقاً. لا أظن أنه من العقل التراجع عن كلمتك حين يتعلق الأمر بباندا مسفيه".
"وهو قد منحني حجر نقش بالفعل. الحجر الذي أردته تماماً في الواقع. أتساءل إن كان بإمكاني صنع نقش صدر أو ساق بيس الآن. دعيني أفكر. تعهد بيس يتطلب موجة، سحابة، برسيم، سم، دوامة. ألدينا كل تلك؟ تفقد... مخزونك؟ ماذا أسميه؟ ماذا تخبرك أحشاؤك؟"
صمت فاسيل لبرهة ثم قال: "ليس لديك موجة للأسف. لديك ثلاث أحجار سحابة، وواحد برسيم، واثنان سم، وواحد دوامة".
لكمت الهواء بيدي وقلت: "يا رجل، قرب شديد! عناق بيس يتطلب جليد، برسيم، سم، موجة، دوامة، لذا فإن ذاك مستبعد أيضاً. يا لها من خيبة أمل. حقاً أحتاج للحصول على حجر موجة".
"أو يمكنك العودة لارتداء عتادك القديم بدلاً من هذا الفستان".
أخرجته من حقيبتي ورميته على الأرض وقلت: "يمكنك المشي بقية الطريق".
فرك مؤخرته وسأل: "آه! ما كان هذا؟"
"لاقتراحك أن أرتدي أي شيء سوى الفساتين".
"حين التقينا للمرة الأولى لم تكوني ترتدين فساتين".
"كنت أرتدي بكل تأكيد! التونيكا نوع من الفساتين! لديك عيون! ألم يبدو كفستان؟"
هز رأسه وقال: "أفترض أنك محقّة".
"نعم. كالعادة. ولا، سأرتدي ملابس جميلة فقط من الآن فصاعداً. أنا العمدة. علاوة على ذلك، لقد أعطيت كاسيا عتادي القديم. سيقدم لها بعض الحماية على الأقل إذا حدث شيء سيء. ليس شيئاً سيئاً كشخص يطلق نوعاً من الشعاع اخترق كل شيء مثل الأيام الماضية، لكنه يجب أن يوقف السهام على الأقل. لا أود حقاً أن تصاب بأذى مجددًا".
"أنا متفهم. لقد فعلت الصواب. كان ذلك لطيفاً جداً منك".
"أعلم".
اقترح فاسيل: "يمكنك دائماً سؤال أتباعك إن كان لديهم حجر موجة إضافي".
"سألتهم بالفعل لتسليم أحجار النقش الخاصة بهم كافة. لصالح النظام بالطبع. من المؤسف أنه لم يكن لديهم أي منها. أخبرتهم أن يبقوا أعينهم مفتوحة، تحسساً للطوارئ".
"أرى ذلك. الفرص قائمة لنتمكن من شراء بعضها في طريقنا للعودة إلى الكاتدرائية. سنمر بعدة بلدات. موجة نادرة غير شائعة، لذا هناك أمل".
"وماذا عن برسيم آخر؟"
"الأمل أقل في إيجاد أحدها. إنها نادرة بالفعل، ويميل الناس للاحتفاظ بها بأنفسهم، لاعتقادهم بأنها تجلب الحظ... وهي تفعل، إذ إنها تمنح الحظ".
"حظ سيء بالنسبة لي".
ضحك فاسيل قليلاً على ذلك وقال: "هكذا تسير الأمور".
توقفت عن المشي وقلت: "لقد رفعت مستوى أيضاً".
أومأ وقال: "وأنا كذلك".
فتحت شاشة حالتي وعاودني الشعور بخيبة الأمل فوراً وقلت: "نسيت تماماً أنني أحصل على نقطة مهارة واحدة كل خمسة مستويات الآن".
"لكن ألم تحصلي على ضعف نقاط الخصائص؟"
"بلى. أصبح لدي الآن ستة من تلك القطع الجميلة لأصرفها. ما رأيك؟ الرشاقة أم التحمل؟"
"لمَ لا الاثنين معا؟"
كان محقاً، كان بإمكاني فعل الاثنين. لذا وضعت ثلاث نقاط في الرشاقة فبلغت 45، وثلاثاً في التحمل فبلغت 23. شعر المرء بنوع من التحرر لكونه قادراً على توزيع نقاط الخصائص بلا مبالاة بهذا الشكل. لم أشعر أنني مضطرة للاختيار كثيراً. وهو ما لم أكن مضطرة له على ما أظن، إذ كان لدي ضعف النقاط لأنفقها الآن. إن عدم الاضطرار لاختيار مهارة جديدة كل مستوى خفف عني بعض الضغط أيضاً. كان التركيز أكثر على ما أملكه أمراً جيداً، وتطلعت لترقية المهارات التي كنت أستخدمها أصلاً.
كان أسلوبي ممتعاً وقوياً. كل ما احتججت إليه الآن هو بعض قدرات الصناعة الإضافية، كنت قد وعدت أمبيليوس بإلقاء نظرة، وكنت أنوي فعل ذلك تماماً. فهل سأكون قادرة على صنع بلورات انتقال أيضاً، أم سأقتصر على صنع أشياء تتعلق بالأسلحة النارية؟ لم تكن لدي أي فكرة. ثم كانت هناك مسألة ما إذا كان علي فعل ذلك في طريق العودة إلى الكات بطرائية، أم الانتظار حتى أصل إلى هناك وأخذ وقتي كافياً.
تسللت أفكاري بطريقة ما نحو مينيكراتس. بعد كل هذا الوقت لم أكن أشعر بأنني أقرب كثيراً لقتله. ربما شعرت أنني أبعد حتى مما كنت عليه حين بدأت هذه الرحلة الانتقامية. كانت هناك أيام لا أفكّر فيه حتى... ولا في بيري. سرى وميض من الخيار عبري بعد إدراك ذلك. متى حدث هذا؟ متى توقفت عن التفكير في بيري طوال الوقت؟ كانت ذكراه لا تزال مؤلمة —بالطبع كانت كذلك— لكن ليس بالقدر الذي اعتادته، وبدا ذلك غير عادل بشكل لا يصدق.
كان مفترضاً أن يكون الألم أشد. كان مفترضاً أن يؤلم دائماً كما فعل في البداية.
سألني فاسيل: "هيكاتي؟ هل أنت بخير؟"
تشوش العالم لبرهة وقلت: "أنا—نعم—لا أعلم".
"ما بك؟"
"لا يؤلم بالقدر الكاف!"
قفز أقرب إلي ووضع يديه الصغيرتين على ساقي وقال: "هيكاتي، ماذا تعنين؟"
صرخت: "بيري! لا يمكنني استشعار وجوده كما السابق. أخشى أن يتلاشى. لا أريد له ذلك! لا أريد أن أكون بخير. أريد أن أكون حزينة، أريد أن أكون محطمة. يجب أن أكون محطمة. إنه يستحق القدر هذا مقابل كل ما فعله لأجلي. لكن كلما مر الوقت... هناك أيام لا أفكر فيه حتى. أشعر بخزي شديد يا فاسيل. أشعر كأنني أخونه بكوني بخير".
جلست على الأرض وفركت عيني وقلت: "لمَ أنا هكذا؟"
قال وهو يقفز على حجري ويمنحني ما يمكنني وصفه فحسب بمحاولة ضفدع لمعانقتي: "آه، هيكاتي".
جعلني سخف المشهد أضحك وأبكي في الوقت ذاته ومسحت المخاط من أنفي سريعاً.
قال وهو ما زال يعانقني بذراعيه القصيرتين المكتنزتين: "أنا متأكد أن بيري سعيد بكونك بخير. كان ليتمنى لك ذلك. لقد كان صديقك. لم يكن ليحبذ أن تكوني حزينة طوال الوقت. هكذا تسير الأمور فحسب. صدقيني، أنا أفهم ما تشعرين به. لقد شعرت بالمثل مرات عديدة من قبل. هناك أيام لا أفكر فيها في زوسيا أيضاً. هناك أيام أشعر فيها بتحسن، وأيام أسوأ. لا أعتقد أن ألم غيابهم مقياس جيد لمدى اهتمامنا بهم أو مدى افتقادنا لهم. نحن نكرمهم بحملهم معنا، بتذكرهم، لا بمدى ما نعانيه".
نظر إلى أعلى فرأيت أنه يبكي أيضاً وقال: "الشفاء أمر جيد. من الطبيعي أن تبهت تلك المشاعر. لا بأس يا هيكاتي".
مسحت عيني وقلت: "إذن لمَ لا تبدو الأمور على ما يرام؟"
"هذا هو الذنب الكامن داخلك. ذنب كونك الناجية. ربما تشعرين بالذنب أيضاً لعدم ثأرك لبيري بعد. تلك الأفكار ذاتها أبقتني مستمراً لفترة طويلة جداً. لم تخف إلا حين التقيت بك وبكاسيا. في بعض الأيام لا تطفو على السطح أبداً. لقد أدركت أن هذا جزء بسيط من الشفا. قبول ما حدث. لا يمكنك أن تكوني غاضبة وموجوعة طوال الوقت. يجب ألا ترغبي في ذلك. لم يكونوا ليحبذوا أن نكون كذلك".
"ما زلت أقتل مينيكراتس. لقد وعدت بيري بذلك. لقد وعدت..."
"وماذا ستفعلين بعد ذلك؟"
تلك، لم أكن أعرفها.