قلت بينما كانت كاسيا تدور معجبة بسروالها وسترتها الجديدتين: "جميل".
كنا قد اغتسلنا من جديد، وبدَت كاسيا شخصاً آخر بلا درن الأوساخ. وبدَت أكثر سعادة أيضاً. أظن أن النظافة تفعل هذا بالمرء. كان استخدام الدش ممتعاً في الواقع، ومع أن الاسترخاء في حوض الاستحمام ظل خياري المفضل، إلا أنه تمتع بسحره الخاص. استخدمت كاسيا أجزاءً من ملابسها القديمة البالية لحشو حذائها ليكون مقاسه مناسباً. ولم تعد تصدر صوتاً مزعجاً وهي تمشي الآن. ونظفت الحذاء أيضاً، وبصراحة، بدت مشرقة.
قلت: "تعلمین، لديك شعر جميل حقاً".
لم ألاحظه من قبل، ويرجع ذلك غالباً إلى كونه كتلة متشابكة من الطين والقذارة. والآن بعد أن نظف صار يلمع بجمال.
"تعالي إلى هنا، سأمشطه لك".
أشرق وجه كاسيا. جلست أمامي على حافة السرير باحترام، وبدَت متحمسة. أمسكت بمشطي وشرعت في تسريح شعرها. كان الأمر مريحاً نوعاً ما، أن أركز فقط على شيء لا يتطلب الالتفات ورائي طوال الوقت.
قالت بصوت خافت: "تعلمین، هيكاتي، أنت مثل الأخت الكبرى التي طالما رغبت بها".
شعرت بقليل من الفخر إزاء ذلك. أجل، أخت كبرى. تلك الرائعة. لكن الأمر جعلني أتوقف أيضاً. في أستيريا، كنت أنا والداي فقط دائماً. ولم أفكر في الأمر كثيراً من قبل، لكني تساءلت الآن لمَ لم يكن لدي إخوة أو أخوات. لكان من الجميل أن تتوفر لدي أخت صغرى أعلمها الأشياء، أو ربما أخ أكبر يبعد عني المتنمرين، مع أنني أظن أنني لم أكن بحاجة لمساعدة في ذلك حقاً.
وأضافت: "لكن، أنت تشبهين الأخت الصغرى أحياناً أيضا".
أطلق باسيل ضحكة حادة من الطاولة في الطرف الآخر من الغرفة. رمقته بنظرة غاضبة. ما هذا بحق عرف إيروتوكوموس المتألق؟ هل كانت لديهما نوع من النكات الداخلية التي لا علم لي بها؟ أكان يسخران مني؟
سألت: "أخت صغرى؟"
نظرت كاسيا إلى الأرض وقالت: "آه..."
قال باسيل: "أحياناً يتعين على كاسيا التصرف كالأخت الكبرى. مثلما حدث مع ذلك السكير".
فكرت في الأمر لحظة. ربما كانا على حق. ربما احتجت أحياناً إلى من يذكرني بأنني لست مجبرة على قتل أشخاص معينين. حتى لو استحقوا ذلك تماماً. وربما كان حريّاً بي أن أقتله.
قلت مندفعة محاولة الدفاع عن نفسي: "لقد كان فظاً!"
قالت كاسيا: "الناس لا يقتلون الناس عادة لمجرد الفظاظة".
"وأنا لم أقتل".
"لكننا كنتِ ستفعلين".
"لم أكن لأسيف أبداً".
ربما كنت سأفعل، وربما لم أكن سأفعل. غالباً لم أكن لأفعل. كان يمكن تجنب كل هذا لو لم يكن وغداً. وتذكرت مرة أخرى أي حشرة من الأوغاد كان الكثير من الناس في هذا البلد. ومن ناحية أخرى، لا أظن أنهم كان ينقصون في وطني الأم أيضاً. رفعت إصبعي.
"كنت أقدم خدمة عامة في الواقع. بإظهار خطأ تصرفاته سمحت له بأن يصبح نسخة أفضل من نفسه. نسخة ألطف".
استدارت كاسيا قليلاً.
"كيف سيجعله القتل شخصاً أفضل؟"
"حسناً، أولاً وقبل كل شيء، لم أكن أعتزم قتله. وثانياً..."
كنت سأقول إن الميت أفضل من السيء، لكن هذا سيعني أساساً أنني كنت سأقتله. ومن الواضح أن ذلك لم يكن ليخدم حجتي.
قلت وقد وجدت أخيراً طريقة لتلفيق الأمر: "...ثانياً، التهديد بالموت أداة قوية. سيعود إلى منزله، وينظر في المرآة، ويفكر 'يا للهول، ربما يجب أن أهتم بأن أكون لطيفاً بين الحين والآخر'".
قال باسيل: "إن لم يكن شديد السكر لدرجة تمنعه من تذكر حدوث أي من هذا".
قلت وأنا أقف وأتفقد شعري في المرآة: "على أي حال، يكفي حديثاً عن عملي الخيري. ما زال مذههاً. لننطلق. لدينا مهام لننجزها".
نهضت كاسيا وابتسمت.
"شكراً لك، هيكاتي. وشكراً على العتاد وكل... شيء".
لوحت بيدي رافضة: "لا تشكري على واجب. أنت إنسانة طيبة للغاية يا كاسيا. وتستحقين امتلاك أشياء جميلة. آمل أن يمنعك الجلد من التعرض للأذى أيضاً".
نظرت إلي كاسيا بتلك النظرة المفعمة بالخشوع في عينيها مرة أخرى، وتجمعت الدموع فيهما. شعرت بالإحراج يتصاعد في صدري. أنا بارعة في أمور كثيرة. في الواقع، أنا بارعة في أغلب الأمور، لكن التعامل مع الباكين ليس واحداً منها. أمسكت بيدها قبل أن تبدأ في الإجهاض بالنحيب فعلاً.
قلت، وبدا صوتي محموماً أكثر قليلاً مما قصدت: "يا كاسيا، لا يمكنك الاستمرار في التأثر عاطفياً كلما فعلت شيئاً لطيفاً من أجلك. قيامنا بأشياء لطيفة لبعضنا البعض أمر طبيعي. أنت جزء من فريقي. أنت صديقتي. ربما تبدين حتى مثل أختي الصغرى نوعاً ما... ولكن لست أختي الكبرى أبداً!"
استنشقت أنفها وأطلقت ضحكة مختلطة بشهيق في الوقت ذاته.
همست: "أعلم. الأمر فقط أن... لا أحد قد..."
قاطعتها: "وكذلك، لا أعرف كيف أرد إن كنت تبكين. يجعلني أشعر بإحراج شديد عندما يبكي الناس. بل إنه يجعلني أشعر بالحرج حتى عندما أكون أنا من يبكي".
"أنت... تبكين؟"
تنهدت وقلت: "لا! أحياناً".
ارتديت قناعي بسرعة، مرحبة بالحجز المألوف والمثير للحكة بيني وبين بقية العالم. ربما لم يكن هذا القناعا سيئاً إلى هذا الحد بعد كل شيء. كانت الحكة ثمناً بخساً مقابل شعور الانفصال الذي يمنحه لي. كان الأمر أشبه بإقامة جدار بين مشاعري وبقية العالم. عندما أرتدي القناعات، لم أكن لأضطر للقلق بشأن تعابير وجهي أو ما إذا كانت عيناي ترتجفان من الإحراج. توجهنا إلى الأسفل. كان المكان مزدحماً بحشد وجبة الإفطار.
تقدمت بخطوات ثابتة مباشرة نحو الجدار البعيد حيث كانت لوحة المهام معلقة. تفحصت الملاحظات، آملة في العثور على شيء سهلاً بجائزة ضخمة. كنت على وشك أن أسال كاسيا عما إذا كانت قد رصدت شيئاً جيداً، لكني تذكرت أنها لا تستطيع القراءة. ربما يجب علي تعليمها. ربما يستطيع باسيل ذلك، فقد بدا عليه ذلك الطابع التعليمي. وربما يعجبها ذلك. لم تقدم معظم المهام أي جوائز مجزية، أو بدت وكأنها تتطلب الكثير من العمل.
الآن، لم أكن معارضة للعمل الشاق، لكني لم أكن أرغب في القيام بالعمل الشاق. لفتت إحدى الملاحظات انتباهي، فنزلتها من اللوحة.
"إنقاذ قطة من شجرة. الجائزة: رون دوامة".
بدا رون لمجرد إمساك قطة من شجرة بالضبط نوع العمل الذي أفضله. فتحت الحقيبة قليلاً.
"ماذا يفعل رون الدوامة؟"
همس باسيل: "يسرق نسبة من المانا مع كل ضربة. إنه رون نادر. وأقل ندرة بقليل من الفولاذ".
"حسناً، سأخذ هذه بالتأكيد إذن".
وضعت الملاحظة في الحقيبة.
"لكنني أشك في أن ذلك سيستغرق وقتاً طويلاً، لذا سأأخذ واحدة أخرى".
تفحصت الملاحظات قليلاً.
"تسليم طرد. تسليم شخص. تسليم بعض الصخور. لمَ توجد هذا العدد الهائل من مهام التسيلم؟ لو رغبت في أن أكون ساعي بريد لاخترت [ساحرة البريد]. إن كان هذا موجوداً في الأساس".
نقرت على ذقني.
"تطهير زنزانة. الجائزة: رون موجة. احتفظ بأي شيء تعثر عليه داخل الزنزانة".
قال باسيل: "قد تكون هذه جيدة".
"تمنح الموجة توافقاً. إنه رون غير شائع".
"نجل، لكن تطهير زنزانة بأكملها يبدو وكأنه يتطلب الكثير من العمل".
"يبدو وكأنه الكثير من الخبرة السهلة المحتملة".
كان محقاً. ما أسوأ ما قد يوجد في زنزانة؟ خاصة إذا كانت الجائزة مجرد رون غير شائع. أعني، حتى إنقاذ قطة من شجرة يدر أجراً أفضل، لذا لا بد أن هذه لقمة سائغة. سحبت الملاحظة من اللوحة.
"أنت محق. خبرة مجانية ورون مجاني يتوافق مع بنيتي".
توقف مسرعة.
"لا يزال هذان الاثنان لا يبدوان وكأنهما سيستغرقان وقتاً طويلاً".
اقترح باسيل: "يمكنك دائماً أتمام مهمة تسليم في طريقك إلى هناك".
أصدرت صوتاً متأوهاً.
"حقاً يا باسيل؟ لدي نقطة واحدة فقط في القوة والتحمل، ولا يمكنني حمل الأشياء هكذا! لو بذلت مزيداً من الجهد فقط، وكان فمك أكبر، لما كانت هذه مشكلة. أنت لا تقوم بدورك في الفريق!"
قال: "لقد ناقشنا هذا من قبل!"
لوحت بيدي معترضة: "نجل، نجل".
أشارت كاسيا نحو اللوحة.
"ما رأيك في تلك؟"
تتبعت إصبعها إلى ملاحظة لم تكن تشبه البقية. لم تكن تحتوي على قائمة مهام أو جائزة موعودة. ولم تحتو حتى على إرشادات. كُتبت عليها كلمة واحدة فقط بخطوط متعرجة ومرتجفة. فيزوا. أسفل الكلمة توقفت خريطة، إن كان يمكن تسميتها كذلك. كانت مجموعة بدائية من الخطوط مرسومة بما يبدو أنه دم جاف. وانتشرت بقع طينية في جميع أنحاء الرق وبقع من المزيد من الدم. لم تكن تبدو كمهمة جلس شخص ما لكتابتها على مكتب.
بل كانت تبدو كأن شخصاً ما قد ثبتها هناك وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة. نزعتها وقربتها من أنفي.
قال باسيل: "لا تلعقي تلك!"
"لم أكن لألعقها!"
شممتها بدلاً من ذلك. لأن هذا ما كنت أنوي فعله، فلست غبية.
"رائحتها مثل الدم".