غونويتش [نوع لعبة إلكترونية تعتمد على القتال] الفصل 68 — التحديق في السقف

اقرأ غونويتش [نوع لعبة إلكترونية تعتمد على القتال] الفصل 68 — التحديق في السقف باللغة العربية على مانجا تايم.

كان السرير أضخم من أن يُحتمل. كانت كاسيا ضئيلة البنية، ولم أكن أطول منها كثيراً. امتدت مساحة شاسعة بيننا حتى خُيّل لي أنني أنام في حقل فسيح لا في غرفة. ربما تسنى لثلاثة منا أو أربعة أن يتمددوا هنا معاً. وكان وثيراً أيضاً. لعنه كان أفضل من سريري في بيتي بمدينة أستريا، غير أنني لم أعد متأكدة من ذلك. بدا وكأن دهراً قد انقضى منذ آخر مرة غفوت فيها على ذلك السرير… مددت هناك أرمق الظلام وأصيخ السمع إلى سكون النزل.

لقد خبت الجلبة القادمة من الطابق السفلي منذ قليل. وغطّ الجميع في النوم غالباً.

همست كاسيا: "هيكاتي؟ أنائمة أنت؟"

تمتمت: "يصعب النوم وسط هذا الهدوء".

"أيمكنني سؤالك شيئاً؟ القتل… القتل. كيف تفعلينه؟ ألا تشعرين بالسوء قطُّ؟ ألا تساورك كوابيس؟"

توقفت لتلتقط أنفاسها وقد اصطدّ صوتها قليلاً.

"لقد قتلتِ بشراً كُثر. كيف تعرفين مَن يستحق الموت؟"

شعرت بإهانة خفيفة.

"بشراً كُثر؟ لم يصرّ الجميع على ترديد هذا؟ لم أقتل سوى حفنة، ربما اثنين، وكان ذلك دفاعاً عن النفس! لست أتخبط في الشوارع لأحصد أرواح العشرات عشوائياً".

لكن سؤالها ظل معلقاً، واضطررت إلى مواجهة الحقيقة بصدق. أهوُم أفضل أم هُم؟ بلى، بالطبع.

"أخبرني أبي مرة: إما أن تطلق النار أولاً، وإما أن تموت. لا شرف ينتصر في المعارك، والقتلى وحدهم مَن يلتزمون اللعب النظيف. أفضل البقاء حية. وحين ألمس أن أحدهم يوشك على إيذائي، أحرص تمام الحرص على أن أسبقه بالأذى. وما هذا فحسب، بل أمرني بيري بأن أثق بحدسي، وكان أذكى شخص عرفته قطُّ".

أعاد إليّ ذكرُ بيري ذلك الوجع المألوف في صدري.

"لقد نفعني نصيحه حتى الآن. ما زلت هنا. ولهذا السبب أنت هنا أيضاً. حين رأيتك بصحبة أولئك المحققين، أخبرني حدسي بأن عليّ فعل شيء. ففعلت. كان لزاماً أن يموتوا لتحيي أنت".

أضفت قائلة: "ولا تستمعي إلى فيستو. فمجرد إطلاقه النكات بشأن قتلي للأبرياء لا يعني أن الأمر حقيقي. إنه [ناشر الفوضى]. أياً ما كان معنى ذلك، فهو يحب العبث بالناس. كلامه لا يساوي الهواء الذي ينطقه. أعلم أنك لا تفهمين لغته، لكنك ستنالين يوماً مهارة [محيط اللغات] ربما، لذا أصارحك الآن".

توقفت متذكرة مستهلّ هذه الرحلة برمتها، حين حاول كريستوس قتلي وأوقعه فيستو أرضاً فور دخوله الغرفة.

"ولكنه غالباً لن يدعة أحداً يؤذيك أنت أيضاً. إنه يهتم بطريقته الخاصة، أظن ذلك. حتى وإن أنكر. ورغم اعتياده العبث بالجميع، تراه حاضراً ساعة الجد".

حدقت في السقف.

قالت كاسيا: "لكن الأمر لا يبدو مؤرقاً لك البتة. لقد قتلت أولئك المحققين، ثم طفقت تمزحين مع ذلك الكاتب. وبعدها… قطعت أيديهم ورؤوسهم وكأن شيئاً لم يكن. واليوم فقط، كدت تقتلين ذلك الرجل، وبعد دقيقة واحدة صرت تضحكين تحت الدش. كيف تفعلين ذلك؟"

اعترفت قائلة: "أظنني أحاول استخلاص الجانب الطريف من الأمور. في أغلب المواقف في الواقع. هذا يمنعني من الجنون. أو من الانزلاق إلى جنون أشد… أطلق نكبة بعد وقوع كارثة لأتجنب استغراق التفكير فيها. وحين تدعين تلك الأفكار المظلمة تتجذر، ستسممك بالشك في نفسك. قد يبدو ذلك جنوناً في حد ذاته، لكنه ما أبقاني مندفعة إلى الأمام. وسأظل أفعله إلى اللحظة التي أنظر فيها في عيني مينيكراتيس مباشرة. أريده أن يدرك حجم خطئه تماماً قبل أن أنسف مخه بالرصاص".

التفتُّ إلى كاسيا.

"لا يمكنك الاستغراق في هذه الهواجس، لا يمكنك السماح لها بإزعاجك. تقتلين أحدهم، ثم تمضين. لا يجوز أن تدعي الأمر يغيم على عقلك. هناك كثرة متكاثرة من البشر ممن يبغون إيذاءنا، ولا يحتاجون سبباً لذلك، بل يفعلون فحسب. حسنٌ، لن أسمح لهم، وأرفض أن أشعر بالندم".

"أفلا تتساءلين قطُّ عما إذا كان بوسعك… ربما تحذيرهم؟ أو فعل شيء آخر سوى قتلهم فوراً؟"

"وماذا كان متوقعاً مني؟ أن أمثل دور النبلاء؟ أن أحاول التفاوض بينما يمد أحدهم يده نحو نصله؟ إن حاولت التحلي بالعدل مع من يريدون أذيتي، فستكون تلك اللحظة هي ثغرتي لأتعرض للباغتة. أو ما هو أسوأ. وإن حذرتهم، فقد يهاجمونني مع ذلك، وأكون قد فقدت ميزة المفاجأة. لست مستعدة لتحمل هذه المغامرة. لم قد أهدد أحداً بينما بوسعي قتله وحسب لقطع دابر خطره؟ إن لم تكوني راغبة في الموت، فينبغي ألا تهددي أحدا. وإياك ثم إياك أن تهدديني".

تنهدت قائلة: "وماذا لو تركت أحدهم ينجو؟ مَن يضمن ألا يعود لقتلي، لكن بصحبة أناس يتجاوزون طاقتي؟ في الواقع، يساورني الشك في أن ترك ذلك الكاتب ينجو كان فكرة سديدة، لكن حدسي أخبرني بأن الأمور ستسير على ما يرام".

لم تردّ كاسيا طويلاً. كنت أسمع دوي تنفسها، وأتساءل عما إذا كانت تحكم عليّ. تطلع جزء مني إلى الدفاع عن نفسي أكثر، لأوضح أنني لست وحشاً من الوحوش، لكنني كففت عن ذلك فجأة. لم أكن بحاجة لتبرير فعلي. كنت أنا من يؤمن سلامتنا. قتلت لأحمينا، لا لأنني ظننته تسلية، وكنت أرجو أن تدرك ذلك. لم يكن العالم مكاناً ودوداً، وآمناً البتة. وكانت كاسيا أولى الناس بمعرفة هذه الحقيقة الآن.

بطبيعة الحال، وددت لو تظل محتفظة ببراءتها، أو بما تبقى منها في هذه المرحلة، لكني استبعدت واقعية ذلك. المرجح جداً أن تضطر للقتل في مرحلة ما كي تنجو هي الأخرى، لذا حريّ بها الاستعداد. أو لربما كانت تدرك ذلك حقاً، ولذا طرحت عليّ تلك الأسئلة. ربما سعت للتصالح مع الأمر، أو بحثت عن وسائل للتأقلم. وربما كانت تنظر إليّ لترى خريطة طريق لما ستؤول إليه قريباً.

همست كاسيا: "أنا لا أريد أن أكون وحشاً".

سألتها: "أترينني وحشاً؟"

لم تجب فوراً. ومدّ السكون ظلاله مرة أخرى، وتساءلت عما إذا كانت ستجيب بالإيجاب. كان جزء مني يجهز مسبقاً قائمة بالأسباب التي تثبت خطأها، لكن جزءاً آخر… حسنٌ، أخذت أتساءل بدوري. أكنت وحشاً حقاً؟ ربما قتلت بشراً كثر. وبعضهم بطرق بشعة. أفترض أن تقطيع الأوصال يمكن اعتباره عملاً موحشاً، حتى وإن فعلته لأظفر بالقوة اللازمة للبقاء. حتى وإن استحقوا ذلك. ذلك السكران اليوم أيضاً.

أكنت لأقتله لو لم توقفني كاسيا؟ أكان ذلك سيكون عملاً موحشاً؟ لم يكن بيري ليفعل ذلك. لكان وجد طريقة أخرى. فقد كان ذكياً، ولعمل على تهدئة الأجواء، واستمالة الرجل بالحسنى، أو ما شابه. لكنني لم أحاول حتى. بل نزعت إلى العنف مباشرة لأنه كان الأسهل. ولأنه منحني شعوراً بالقوة. فلربما هذا ما تفعله الوحوش. تختلق الأعذار. وتُقنع نفسها بأن الأمر دفاع عن النفس، أو تحقيق للعدالة، أو حماية لأحدهم.

ولكني ربما أحببت امتلاك القدرة على إيذاء مَن يزعجونني. كيف لي أن أتيقن من استحقاقهم جميعاً للموت؟ لربما كنت أبحث عن مبررات طوال الوقت. لربما هذا هو صنيع الوحوش. ولربما كان الشخص السويّ ليبكي الآن، أو ترتجف فرائصه، أو ليشعر بالسوء قليلاً على الأقل. أفلم أكن أفضل حالاً من أولئك الذين دأبوا على محاولة قتلي؟ أكنت أتحول إلى واحدة من أولئك الأشرار في القصص؟ النمط الذي يبدأ بماضٍ مأساوي وينتهي بالشخصية التي يجتمع الجميع للقضاء عليها؟

نظرت إلى يدي في الظلام. لم تبدُ كأيدي الوحوش. بل ظلت جميلة، وبفضل الدش بدت أظافري مهندمة بصورة مدهشة، وخالية من الأتربة تماماً. لكن هاتين اليدين قادرتان على القتل. لقد قتلتا بالفعل. إن كنت وحشاً، أفيعني ذلك أن الملوك كانوا يعلمون؟ ألهذا منحوني هذا الصنف؟ لأنهم أبصروا وحشاً فقرروا تسليحه بالأنياب؟ أم أن الصنف هو ما صيّرني هكذا؟ أم مينيكراتيس؟ أثارت الفكرة في نفسي شعوراً بالغثيان.

لم أكن أرغب في أن أكون وحشاً. فالوحوش قبيحة، وتقطن المستنقعات والكهوف المظلمة، ولا تملك شعراً مذهلاً. لكن إن كان ارتياد طريق الوحوش هو السبيل الوحيد للثأر ليري، فأي خيار بقي أمامي؟ لا يمكنني أن أتقمص دور القديسة وفي الوقت ذاته أنسف مخ مينيكراتيس بالرصاص. لا تجمع الحُسنيين معاً.

قالت أخيراً: "أعتقد أنك مخيفة يا هيكاتي. الأفعال التي تأتينها… مخيفة. لم أر أحداً يقترف ما تفعلينه ثم… لكنك كنت لطيفة معي حين خلا الجانب من سواناك. ولم تكوني تعرفينني حتى. لم يكن لزاماً عليك فعل ذلك".

تنهدت بعمق.

"لا أظنك وحشاً. تشبهين النيران يا هيكاتي. أنت دافئة وتنقذين الناس من الزمهرير، لكنك خطيرة. وما إن تظني أن أحداً يهم بإخمادك، حتى تحرقيه. لا تنتظري حتى يبلغك حتى. بل تحيلينه رماداً دون تفكير".

نار. يمكنني العيش بكوني نيرانًا. النار ليست شراً، وليست وحشاً. وهي بلا شك أكثر جاذبية من الوحش. أكثر جاذبية من البووتنيك بمراحل لا تحصى.

قلت: "عدل تامّ".

إن كان المراد بكون المرء "شخصاً صالحاً"

أن يكون ميتاً، فليفوزوا بهذا اللقب. أفضل أن أكون النيران التي تواصل الاشتعال.

"نامي يا كاسيا. سنفقد غداً بحثاً عن المهام".

أغمقت عيني ودعوت وثارة السرير تغمرني في سبات عميق. لم تساورني أي كوابيس. وإن كان لزاماً عليّ أن أكون وحشاً، فسأكون وحشاً نال قسطاً وافراً من الراحة على الأقل.