خرجت وأنا أتململ. ألا يمكن للملوك أن يمنحوني خمس دقائق لأجلس؟ خمس دقائق فقط. ربما ستّ، إن سُمح لي بالطمع. بدا الجواب نعم. في كل مرة ظننت أنني أستطيع الاسترخاء أخيراً، حدث أمر ما. ثمّ تردّدت. ربما لم يحدث شيء قطّ. ربما لم يبتعد كوبا هائماً. ربما كان يمارس وحسب ما يفعله النجارون عادة، مثل... مخاطبة الخشب؟ وسؤال الأشجار بلطف إن كانت ترغب في أن تصبح أبواباً؟ لم أكن أدري حقاً ما يفعله النجارون، لكن بدا الأمر قريباً مما يمكن أن يفعله شخص يريد حقاً أن يصبح [نجّاراً].
هززت رأسبي. كان صيرورة المرء [نجّاراً] أمراً مثيراً للريبة سلفاً. لا بد أنك تختل عقلياً بدرجة ما كي تختار بمحض إرادتك مهنة يدور وجودك فيها حول الأشجار. لا يستيقظ إنسان عاقل صباحاً ليفكر قائلاً: أتعرف ما الذي يبدو ممتعاً؟ الشظايا. إلى الأبد. وبلى، بالتأكيد، كنت تنال مهارات عملية، ودخلاً مستقراً، وقدرات حرفية نافعة للجميع، وكان كل فرد في أي قرية بحاجة إليك دوماً. لكن هذا بالتحديد ما جعل الأمر جنونياً.
من يبتغي كل هذه المسؤولية؟ من يختار عن طيب خاطر عملاً يتوقع فيه الناس إصلاح الأشياء منك؟ كل يوم؟ عمداً؟ مجنون وحدَه. مجنون عاقل، موثوق، محبوب مجتمعياً، يتمتع بوظيفة مضمونة وحرفة محترمة. سلوك مختل تماماً. توقفت عند حافة الجرف والتفتّ لأنظر إلى الكاتدرائية خلفي. أكان يجدر بي طلب مرافقَة فاسيل؟ ربما عرف أين ذهب كوبا. أو حظي على الأقل بفكرة أفضل من فكرتي حول كيفية العثور على شخص في هذه المستنقعات.
قد أضيع أنا نفسي. لا. سيكون ذلك غبياً. أنا لا أضيع أبداً. حسناً، تقريباً أبداً. بمقدوري تدبّر أمري وحدي. كم هو صعب العثور على نجّار واحد؟ التفتّ مجدداً نحو المستنقع وقطّبت جبيني، مطالعاً المدى اللانهائي من الأشجار الملتوية والمياه الكدرة. إلى أين عساها يذهب أساساً؟ كانت هناك أشجار وفيرة حول الكاتدرائية، ميتة، وحية، وشبه ميتة. كان بإمكان كوبا أن يختار أيّاً منها. حظينا بأشجار.
أشجار كثيرة. أشجار في كل مكان. كان ينبغي أن يكون هذا المكان جنّة بالنسبة له. لكن لم تكن أيّ منها جيدة بما يكفي على ما يبدو. ربما كان النجارون دقيقين في اختيار الخشب. ربما احتاجوا لأنواع محددة لأغراض محددة. تطلّبت الأبواب خشباً مغايراً لما تتطلبه الطاولات غالباً. أو الكراسي. أو أيّ شيء آخر صنعه النجارون. لم أكن أعلم. كنت أطلق النار على الأشياء لقاء عيشي. لم أكن أبنيها. ولم أكن أفعل ذلك لقاء عيشي تقريباً.
أظنني كنت أطلق النار على الأشياء فحسب. وكنت أعيش. يقارب الأمر. شرعت في السير محيطاً بأراضي الكاتدرائية. كيف يعثر الناس على بعضهم بلا مهارات تتبع؟ مجرد الهيام على وجوههم أملًا في التعثر بهم؟ بدا ذلك فائق العبث. حين تعثر على أحدهم، يكون قد قضى نحبه غالباً. تملّكني الضيق، فنظرت إلى الأرض ولمحت أثر أقدام. عميقة، وهي تحديداً الهيئة التي يخلفها شخص يرتدي درعاً مثل درع كوبا في الوحل.
أه. حسناً، أظن أن تعقب الناس لم يكن صعباً إلى هذا الحد هنا. سجّلت الأرض خطى كل من عبروا فيها. ما لم يبدأ المطر في الهطول مجدداً. حينها سأكون في ورطة. تعقبت الخطى متغلغلاً في المستنقع. بدا رصدها سهلاً، ومع أن كوبا لم يكن ضخماً تماماً، إلا أن الدرع التي تفضلت فمنحتها إياه كانت ثقيلة للغاية، وكانت كل خطوة تغوص بوصة أو بوصتين في التراب الرخو. التوى الأثر بين الأشجار الملتوية وبقع المياه الراكدة، قاذفاً بي أبعد فأبعد عن الكاتدرائية.
لم قد يسلك كل هذه المسافة؟ لم تبد الأشجار هنا مختلفة عن نظيراتها الأقرب إلى مسكني. بل بدت أسوأ إن جاز التعبير. ربما حظي بنوع خفي من معرفة [النجارين]. أو ربما أحبّ السمط المطولة فحسب. يملك الناس هوايات. أملت فقط ألّا يكون التمزق إرباً على يد وحش مستنقع إحداها. تواصلت الخطى بلا انقطاع. بدأت أظن أن كوبا قرر الرحيل تماماً حين بدأت الأرض بالتبدل. صار الوحل أكثر بللاً ولزوجة.
غدت القصبات أثخن، لترتفع بما يكفي لحجب رؤيتي. وحينها توقفت الخطى. دققت في البقعة حيث استقرت. اختفت وحسب. كأن كوبا تبخر منتصف خطوته. يا للورطة. التفتّ حولِي. أشجار. قصبات. وحل. لا وجود لكوبا. ولا لافتات مريحة تدلني على الاتجاه السليم. حسناً. إذن... ربما التهم تنين مستنقع ما كوبا. يحدث ذلك. يجدر بي العودة إلى الكاتدرائية على الأرجح. ظهرت مشكلة صغيرة واحدة فحسب. لم أكن ضائعاً. لم تكن لدي أدنى فكرة عن موقعي فحسب، لكنهما أمران مختلفان تماماً.
ماذا الآن إذن؟ أأقف هنا، منتظراً عودة تنين المستنقع آكل البشر، وأطلب منه اتجاهات الطريق؟ أم أتابع المسير آملأ ألّا يكون كوبا قد التُهم بعد. ربما لم تكن دعوة فاسيل للمجيء معك فكرة سيئة إلى هذا الحد. هممت بالاستدارة حين سمعت غناء. خافتاً، لكنه واضح. صوت امرأة ناعم، يتسلل عبر القصبات. هاه؟ بدا الصوت رائعاً حقاً. بل جميلاً. بجمال مطربة محترفة. ماذا تبغى امرأة كهذه في هذا المكان، في قلب مستنقع؟
لا شيء جيداً، على الأرجح. أتراها التنانين تغني؟ تتبعت الصوت، فأزحت القصبات جانباً، وخطوت إلى باحة صغيرة. وجدتم بركة ماء داكنة هنا، تحيط بها جذور معقودة وأزهار شاحبة. كان كوبا راكعاً عند حافة الماء، منحنياً كأنه يهمّ بالشرب. لم قد يقطع كل هذه المسافة فقط ليشرب ماء المستنقع؟ امتلكنا بئراً. بئراً ممتازة تماماً لا تتطلب ارتياد أراضٍ تعج بالوحوش. رغم أنني أظن أن الكاتدرائية كانت منطقة وحوح أيضاً.
لكنها أقرب فحسب. انبعث الغناء من أمامه مباشرة، لكنه لم يكن صوته قطعاً. تقدمت بخخطى أثقل، محاولاً تبين صاحب الصوت. كانت هناك امرأة في الماء. جميلة. بشرة شاحبة تعلوها زرقة خفيفة، كأنها مكثت تحت الماء مدة أطول من اللزوم. شعر أخضر طويل للغاية يطفو حولها، منثوراً على السطح مثل الأعشاب البحرية. كانت تحضن وجه كوبا بين كفيها بحنان، مطيلعة عينيه بينما ترنم. استدار ليطالعها بالمثل، مسحوراً تماماً.
توقفت لأقيم الوضع. لم يبد أنهما انتبها لي. حسناً إذن... ما هو البروتوكول هنا؟ أأطلق النار على وجهها مباشرة؟ بدا ذلك رداً معقولاً على العثور على أحدهم يحتضن كوبا بينما يحدق فيها كسمكة ميتة. ثمّ إن الرجال يصابون أحياناً بتلك النظرة حين يحدقون بك. أو ربما كانت شريرة ببساطة وتلقي تعويذة عليه. تسرق روحه أو شيئاً كهذا. لكن ماذا إن لم تكن شريرة؟ ماذا إن كانت حبيبته؟ بدا وكأنهما يختبران لحظة حميمة فعلاً.
لحظة غريبة، ومقلقة، وربما مسحورة، لكنها تظل كذلك. ربما يغضب إن قتلتها. يغضب الناس من أمور كهذه أحياناً. كانت جميلة نوعاً ما، بل فائقة الجمال في الواقع. ربما كانا عاشقين سريين وتسلل ليقوما بما يفعله العشاق. وهو ما يفسر قطعه لكل هذه المسافة. يعجز المرء غالباً عن حياكة لقاء غرامي على بعد خمسين قدماً من الكاتدرائية دون أن يلاحظه أحد. أو ربما يستطيع حقاً، في الواقع. غطت النباتات المكان بكثافة.
رغم أن مجرد «حضن وجهه بينما تغني وتحدق في عينيه»
بدا أمراً شاذاً بعض الشيء لموعد غرامي. ماذا أفعل، ماذا أفعل؟ ربما كان عليّ تفقد [فهرس الأرواح] الخاص بها للتأكد فقط من أنها لا تزهق روحه بالغناء أو ما شابه. إن كان ذلك أمراً وارداً أصلاً. لذا ألقيت [فهرس الأرواح].
[روسالكا]
الحالة: أوندد روسالكا؟ لم أسمع بها من قبل. لم تبد بالغة الخطورة أو الشر. أثار جزء الأوندد بعض ترددي. لكن من ناحية أخرى، كانت فائقة الجمال. من يدري ما الذي يستهوي رجلاً مثل كوبا؟ لقد صار الرجل [نجّاراً] بمحض إرادته، لأجل الملوك! من الواضح أن اتخاذه للقرارات كان مشكوكاً فيه سلفاً. ربما أحب نساء الأوندد. ربما كان ذلك نوعه المفضل. لم أكن لأحكم عليه. لكل تفضيلاته. وحين فكرت في الأمر، كان كل ما حاول قتلي حياً.
ربما كان الأوندد هم الأغيار الخيّرين. لم ألتقِ سوى بأوندد واحد من قبل وهو سكيلي. وكان فرداً نبيلاً. في الواقع، كان أحد القلة الذين لم يحاولوا قتلي! أجل، بدا ذلك منطقياً. أعني، كانت تغني! إلى أي حد قد تكون شريرة؟ الأرجح البدء بالخيار المهذب. تقدمت خطوة أخرى وتنحنحت.
"أتمنى ألا أكون مقاطعاً لشيء".