تمزق الأغصان وجهه بينما كان سيبك يجري. لم يكن يهتم. واصل الجري فحسب، رغم شعوره بأن قلبه على وشك الانفجار في أي لحظة والاحتراق في رئتيه. لا تزال أصداء بنادق الساحرة ترن في أذنيه، إلى جانب دوي الرعد الرهيب ذاك الذي أطاح برأس فويتك نظيفاً. وكازيمير... تلاعبت به كالقطة بالفأرة. تركته يظن أنه صاحب الكلمة العليا، ثم أطلقت عدة طلقات في ذراعه ويده، مما أجبر كرة النار في قبضته على الارتطام بوجهه، ممزقةً رأسه في انفجار من اللهب.
علق قدمه بجذر شجرة وسقط. غاصت يداه في شيء طري. ضربته الرائحة قبل أن تقع عيناه عليه — كخنزير مُمرَّغ بالثوم ثم تُرك ليتعفن. تقيأ، وابتلع لعابه بصوة، وأغمض عينيه ثم فتحهما ليجبر نفسه على النظر إلى الأسفل. كان ما تبقى من وجه المخلوق قد مُسح تماماً، محترقاً ومتنفطاً، لكن القرنين ظلا سليمين. وكذلك الساقان — شبيهتان بساقي الماعز، مرقطتان، ومنثنيتان بشكل غريب عند المفاصل.
حدق سيبك في رعب. شيطان المستنقع. المخلوق الذي أرعب المنطقة طيلة عشرين عماً. يختطف الأطفال من أسرهم في جنح الليل. أصبحت القرى القريبة من المستنقع مهجورة بغالبيتها الآن، لكن ذلك لم يهم. وجدهم على أي حال. تذكر سيبك حين خطف ابن عمه — تلك الرائحة، كرائحة الخنزير المتعفن والثوم. كيف رمى عمه بنفسه على المخلوق ليمزق إرباً في ثوانٍ، وكيف صُدمت خالته بالحائط بقوة حتى عجزت عن المشي مجدداً بالشكل السليم.
لم يعد أي من الفرق التي أُرسلت لاصطياده قط. ولا واحد. توقف الناس في نهاية المطاف عن المحاولة، وتجنب الجميع الاقتراب من المستنقع تماماً. لكن الكنيسة لم تعبأ بتلك القصص. فقد تلقت تقارير عن ساحرة في المرج، لذا أُرسلت فرقة كازيمير على أي حال. وها هو ذا قد مات. ملقىً هناك في الوحل، مغطىً نصفه بالأوراق، وقد نسف وجهه كأنه لا شيء. كمن حدث لفويتك. كمن حدث لكازيمير. كأنها استطاعت فعل ذلك به.
تراجع متعثراً، متمتعاً بصلوات للسيّد كأن الاسم وحده يقيه. كان يُفترض بالسيّد أن يكون في كل مكان، وأن يرى كل شيء، ويعلم كل شيء. لكن هنا، في هذا المستنقع، بدا وكأن السيّد أعمى. كأنه أدار وجهه. كأنه أزاحه جانباً. أصابت تلك الفكرة سيبك بقوة تفوق رائحة الموت أو مذبحة فرقته. كان بحاجة إلى ما يتعلق به، لكنه شعر بأن السيّد لا يستمع. أين هو؟ لماذا لا يراقب؟ لماذا لم يكن هناك حين احتجوه أشد الاحتجاج؟
كانوا يفعلون كل هذا من أجل السيّد، بعد كل شيء. قالوا إن السيّد درع ضد الظلام. لكن بعد ما شهده — بعد ما فعلته — أيمكن للسيّد حماية أحد كهذا حقاً؟ أيمكن إيقاف هذه المرأة حقاً، أم أنها شيء أعظم؟ لم يرَ ساحرة قط تمتلك قوة كهذه. لعلها لم تكن مجرد ساحرة على الإطلاق. تحركت كملكة، وبدت كواحدة. جميلة، قوية، منيعة. كيف لمخلوق يبدو بالكاد أكبر منه سناً أن يحوز تلك القوة الهائلة؟
كان عليه تحذير الأسقف. المحقق الأكبر. الجميع.
* * *
لم يتذكر سيبك كيف جرى. سوى الوحل، والأغصان في وجهه، والدم في فمه، ثم الحجر البارد وضوء الشموع. اندفع عبر أبواب الكنيسة الثقيلة، ورائحة البخور تملأ المكان. تعثر في الداخل، وتهاوت ساقاه. كانت أنفاسه تخرج متقطعة ولاهثة. صاحت امرأة بشيء ما. نهضت أخرى من أحد المقاعد. لم يستوعب الكلمات. كان الأرضية حجراً أملساً، بارداً تحت ركبتيه. نظيفة. الشموع تومض. من حوله تماثيل القديسين والأيقونات الذهبية.
تراجع أحدهم حين مر به. تمتم آخر بصلاة تحت سقف حلقه وابتعد كأنه يحمل الطاعون.
أهجَس: "أيها الأسقف! أحيتاج — أحتاج لرؤية الأسقف!"
حاول أحدهم الإمساك بذراعه. دفعه ودفع نفسه للأمام حتى رأى الرداء — الأحمر الداكن والذهبي. تشبث سيبك بطرف الثوب.
"الأسقف سوكولسكي، أرجوك، عليك أن تستمع. إنها — لقد كتل كازيمير."
توقف الأسقف تاديوش سوكولسكي واستدار ببطء. كان نحيلاً وحاد الملامح، يرتدي رداءً أحمر وذهبيّاً. بدا وجهه شاحباً، شبه غائر، بعظمتي وجنتين بارزتين وشفتين رقيقتين. انسدلت سلسلة ذهبية وسط صدره، تبرق بين ثنيات المخمل. استقرت عيناه — الباردتان الحادتان الزرقاوان الشاحبتان — على سيبك بازدراء. رمق بحقارة ذلك الحطام المتسخ اللاهث الجاثي عند قدميه.
"من أنت؟"
"سيبك زاليفسكي. ناسخ في مفرزة التطهار. مهمة المستنقع. فرقة كازيمير."
انكسر صوته.
"هناك ساحرة. أقوى ما رأيت قط."
رفع الأسقف حاجباً.
"كازيمير مات؟"
أومأ سيبك بهستيريا.
"لقد ماتوا جميعا. تلاعبت بنا منذ لحظة وصولنا."
اهتز صوته.
"فتحت الباب وهي تبتسم. وقفت هناك تجيب عن أسئلتنا باكاذيب واضحة، كأننا نكتة. قالت: (أنا لست ساحرة)، بينما وقفت هناك بعيون فضية، تحدث ضفدعة عند قدميها."
رفع نظره إلى الأسقف.
"أمامنا مباشرة. لم تحاول إخفاء الأمر حتى. كأنها أرادت منا أن نعرف ما هي. كأنها تتحدانا أن نفعل شيئاً حيال ذلك."
هز رأسه.
"كانت مذهلة. شعر أسود طويل، بشرة زيتونية، عيناها بيضاوان فضيتان تشعر كأنهما تريان كل شيء. جميلة. كيف لمخلوق كهذا أن يكون مميتاً إلى هذا الحد؟ قاسياً إلى هذا الحد؟"
أومأ الأسقف ببطء.
"قد ترتدي الساحرة وجوهاً كثيرة: عذراء، أمّاً، عجوزاً. الجمال ليس سوى واحد منها، قناع لنزع السلاح والخداع. تخدم جميعها غاية واحدة: استدراج الغافلين إلى قبضتها."
مسح سيبك فمه بيده المرتجفة، ثم تلوى ألماً حاداً مستعراً تحت عينيه. كان أنفه مكسوراً. لقد نسى، أو لم يلاحظ حتى الآن.
"الدب... أعني، فويتك —"
ابتلع لعابه.
"لم تكن لفويتك أي فرصة. لم أره حتى ما حدث. مد يده إلى سيفه و... دوي رعد. في اللحظة التي كان فيها هناك، اختفى رأسه في التالية. لم أرها تتحرك حتى."
قال الأسقف: "هذا غير ممكن."
"حدث ذلك! رأيت رأسه يطير! كأن الدرع لم يكن موجوداً."
أطلق ضحكة مهتزة.
"لا أعرف شيئاً بمقدوره فعل ذلك. ليس لفويتك. لكنها فعلت."
هز رأسه.
"كانت تسخر منا طوال الوقت. تحوم كأنها تمتطي الريح. تتلاعب بكازيمير."
خفت صوت سيبك.
"على عكس فويتك، أخذت وقتها معه. لمجرد إذلاله. كل طلقة كانت لجعله يدرك كم هو حقير تحت قدميها فعلاً، وأن بمقدورها القضاء عليه متى شاءت."
أخذ نفساً عميقاً.
"وكرات النار... عبرت من خلالها. كأنها لم تكن هناك قط. كأنها شبح."
كانت يداه ترتجفان مجدداً.
"ثم، حين أوضحت نقطتها، استخدمت سحرها ضده. قلبته عليه. جعلته يفجر نفسه بـ[كرة نار] الخاصة به."
رفع عينيه والدموع تملؤهما.
"أي سحر خبيث يمكنه فعل ذلك بمج كازيمير؟ بمحقق كبير؟"
راحت أصابع الأسقف سوكولسكي تنقر برفق على ذقنه. ضاقت عيناه الزرقاوان الشاحبتان قليلاً وهو يتأمل سيبك.
"إن كان هذا كله صحيحاً، فلماذا ما زلت حياً إذن؟"
نظر سيبك إلى قدميه وابتلع لعابه مجدداً.
"لأنها اختارت أن تتركني حياً."
لمس وميض حركة إلى يساره فانتفض. مجرد امرأة تغادر الكنيسة. ليست هي. ليست الساحرة. لكن قلبه أبى أن يهدأ.
تابع قائلاً: "جريت. مع كل خطوة كنت أترقب رصاصة في ظهري، لكنها لم تأتِ قط. أرادت أن تعلم بما فعلته، وأنها قادمة لأجلنا."
أطلق الأسقف ضحكة جافة.
"ليس أحد بهذا الجنون. إنها تعلم ما سيحدث بعد ذلك. ستمزق إرباً."
تصدع صوت سيبك.
"لا. لا، أنت لا تفهم. إنها — لقد قتلت شيطان المستنقع."
عقد الأسقف حاجبيه.
"قتلته. وجدت الجثة في طريق الخروج. كان الوجه منسوفاً، لكن القرنين ظلا موجودين، وكذلك الساقان. كان شيطان المستنقع، أنا متأكد."
مسح وجهه بكمه، ملوثاً إياه بالدم.
"وضعتْه هناك، تماماً حيث علمت أنني سأجري."
نظر إلى الأسقف.
"أرادتني أن أرى ما فعلته. أرادت منا أن نعرف ما تقوى على فعله."
أغمض الأسقف عينيه برهة. وحين فتحهما مجدداً، تصلبت ملامحه. رفع إصبعين إلى جبهته — إشارة العين.
"أيّها السيّد، امنحنا القوة."
ثم استدار إلى الرجل بجانبه.
"مارسين. علينا ترتيب لقاء مع رئيس الأساقفة فلافيسلاف فيسنيفسكي، والمحقق الأكبر بوريس كروتشيك، وجلالة الملك بوليسلاف. فوراً. أبلغهم... لقد عاد بيس."