بدأ الجو يدفأ، بل صار حارّاً حقاً. طلعت الشمس بكامل ألقها، وأخذ الحجر تحت قدمي يبعث حرارةً كأنه يُخبز منذ الفجر. كنت أحس بها عبر صندلي مع كل خطوة. أظن أن الأخ فيلون لم يكن الوحيد المُبارك من الشمس اليوم. ليس أنني لم أكن ممتناً، لكنني كنت سأقدر الأمر أكثر لو باركنا بيريون بشكل أقل قليلاً. لوح المسرح الدائري في الأفق بينما واصلنا المسير، والحتشد يتكاثف مع كل خطوة. كانت المدينة بأكملها هنا.
تعلقت أكاليل الزيتون والغار بالأعمدة والمداخل. امتدت المظلات الزرقاء الداكنة فوق الرخام الأبيض، والتقطت الحلي الذهبية الضوء، واصطفت قدور الطين على الدرج. في مكان ما وسط الحشد، احترق البخور حلواً ومُدخناً في الحرارة، وتحته سرت رائحة فطائر العسل الزبدية وكعك التين الدافئ من الأكضاش. كان المكان صاخباً ومشرقاً وينبض بالحياة. كان الجميع متحمسين لاختيار الفئات. إنه اليوم الأكبر في السنة.
حتى الهواء بدا مشدوداً، ففي النهاية، العشرات بل المئات سيقررون مستقبلهم اليوم. والبقية تترقب بفارغ الصبر نطق الاسم الأخير كي ينطلقوا أخيراً في الغناء والخمر والرقص. عبرنا الأعمدة الخارجية ودخلنا ظل تمثال كيرايون. كان يلوح فوق الحشد كعملاق من الرخام والبرونز يحدق فينا باستعلاء. كيرايون، ملك الرعد، ملك السماء... وملك الملوك أيضاً. حسنًا، ملوك غراسيا على الأقل. أما بقية العالم فكانت لهم آراؤهم الخاصة.
ذكرتني لحيته بغيوم العاصفة المنحوتة، سميكة ومجعدة، محفورة بشقوق مذهبة التقطت الشمس، فبدت كأنها ومضات برق. قبضت إحدى يديه على صاعقة، واستقرت الأخرى بثقل إلى جنبه. كانت تعابير وجهه حازمة. مترقبة. لا يرغب المرء قط في إغضاب أي مَلِك، وخصوصاً هذا المَلِك. صلى له البعض طلباً للمطر. والبعض الآخر طلباً للنصر. وربما أمل القلة ألا يكون مراقباً عن كثب. حتى الملوك لم يستطيعوا الإفلات من التراتبية.
وجب على أحدهم إبقاؤهم في صفوفهم —خصوصاً مع أمثال أوينوروس ودوليون الجوالين الذين استمتعوا بإثارة القلاقل. أبطأ بيري خطاه ووضع يده على قلبه.
قال بهدوء: "أيها الكيان الأعظم كيرايون".
لم أتووقف. ولم ألتقِ بعيني التمثال.
واصلت المشي وتمتمت: "شكراً لعدم صعقي".
بلغنا درج المسرح الدائري وانضممنا إلى تدفق البشر المتسللين للداخل. عند المدخل، انقسم المسار. وُجّه المختيرون لفئاتهم عبر بوابة جانبية، بينما واصل البقية صعودهم نحو المدرجات.
قال بيري: "أظن أن هذا حيث نفترق".
رددت: "حاول ألا تبكي".
أدار عينيه.
"سأحاول كبح نفسي. حظاً سعيداً يا هيك".
"ولك أيضاً. استمتع بالانصهار تحت الشمس للساعات الثلاث المقبلة. حاول ألا تموت بضربة شمس".
أطلق تنهدة مبالغاً فيها وانضم إلى الحشد، باحثاً عيوناً عن مقعد جيد. التفت نحو المدخل الجانبي ولاحظت مجموعة صغيرة من الناس تتبعني للتو. دقيق المواعيد كالعادة، فكرت بابتسامة. شخر بيري خلفي كأنه سمعها على أي حال. كان يعرفني جيداً. عبرت البوابة الجانبية، مبتعداً عن صخب الحشد. وقف حاجبان في الانتظار —أحدهما طاعن في السن، والآخر بالكاد أكبر مني سنّاً. ارتدى اثناهما رداءين رماديين رسميين وشما بخيوط ذهبية تخص الخدمة المدنية.
لم يبتسم أيهما. بدا أنني لم أكن الوحيد الأقل حماسة بشأن المراسم. من الجميل دائماً رؤية شخص يحب عمله بوضوح مع ذلك. لم ينطق أيهما بشيء. ولا حتى مرحباً. استدارا فحسب ومشيا كأن المفترض بي معرفة ما سيأتي لاحقاً. ربما كان يجدر بي المعرفة، لكن عقلي خرف في تلك اللحظة، فتبعتهما. ماذا كان بوسعي أن أفعل غير ذلك؟ انحنى الممر نحو الداخل، وتلاشى صوت المهرجان مع كل خطوة. الضحكات، والطبول، والثرثرة، كل ذلك نزف بعيداً، مكتوماً بجدران الحجر.
في نهاية الدهليز، انتظر حاجب ثالث بجانب حوض رخامي.
قالت: "الأيادي".
يا له من إبهار. كلمة كاملة. تساءلت عما إن كانا يغرمان على كل مقطع زائد. أو ربما كانا يجريان مسابقة لمعرفة من يمكنه أن يكون الأقل ترحيباً. ربما أقيم اختيار الفئات بالتزامن مع محاكم الوقاحة الإقليمية، وكان هذا يسعى جاهداً للمركز الأول. نقاط إضافية لنجاحه في جعل مقطع واحد يبدو كشتم. مددت يدي. سكبت ماء بارداً من إبريق فضي، دافعة إياه ليسيل فوق أصابعي إلى الحوض أدناه.
تلت: "الملوك يرون ما يُطهر... وما يُخفى".
أكانت تلك... جملة كاملة؟ أيها الملوك أعينوني، لم أكن مستعداً. تنحت جانباً بإيماءة، وقادني الاثنان الآخران إلى الأمام، أعمق في المحراب. كنا تحت المسرح الدائري الآن. تحت الحشد. تحت المدينة. بينما خفت الضوضاء، ما زلت أستشعر اهتزازات آلاف الأقدام المتحركة، والداكنة، والنابضة بالحماس في الأعلى. المدينة بأكملها، أكثر توتراً من أن تستقر بهدوء. أدخلاني غرفة. كانت مجردة —جدران حجرية عارية، بلا زينة.
فاحت منها رائحة الصمغ والعسل، وربما تلميح لشيء زهري تحتها. التوت الأبخرة من شقوق الأرضية بخيوط رفيعة، منسابة ببطء نحو الأعلى. انتظرت كاهنتان عرافتان في الداخل، جالستين على عرشين حجريين منحوتتين. كان رداؤهما شبه شفافين، منسابين كأنهما تحت الماء. تحرك شعرهما أيضاً، منساقاً في تموجات بطيئة رغم سكون الهواء. كانت بشرتاهما شاحبتين للغاية، مضيئتين تقريباً في الضوء الخافت.
أظن أن بركة بيريون لم تكن للجميع بعد كل شيء. راقباني بصمت وأنا أدخل. رفعت إحدى العرافات يدها وأشارت إلى المقعد الحجري الواطئ في منتصف الغرفة. مشيت هناك وجلست. مالت العرافة الأخرى إلى الأمام واستنشقت نفساً طويلاً من البخار الصاعد. ظلتا عيناها مسمرتين في عينيّ بينما زفرت، ثم رفعت يدها وأشارت لي بفعل المثل. بدأت الكاهنات ترتيل شيء ناعم وإيقاعي. صوت منوم بلغة عجزت عن فهمها.
ربما لم يكن مقدوراً لي ذلك. ترددت ثانية، ثم استنشقت. كان البخار دافئاً، لزجاً بالصمغ والعسل. سميكاً بما يكفي لتذوقه. ضرب مؤخرة حلقي وتغلغل في داخلي. بدأ رأسي يطفو وبدأت الغرفة تغيم. للحظة كل ما سمعته كان الترنيم المنوم، لكن بعد حين بدأت أسمع همسات. خافتة في البداية، بعيدة، كأنها تأتي من غرفة أخرى. لكن بقدر ما ترتلن، وبقدر ما استنشقت من البخار، اقتربت أكثر. التفت الأصوات حول بعضها، متداخلة ومترجعة.
عجزت عن تتبعها.
حاولت الإمساك بها، حاولت الفهم حتى بدا فجأة كأن أحدهم يهمس مباشرة في أذني: "هييكااتيي"
"ابنة كاليوبي. نراكِ".
تبين أن الملوك أنفسهم عرفوا أمي.
"القمر يراقب. والمطرق يصغي".
المطرق؟ لم يكن ذلك منطقياً. أمضيت حياتي أكرم مين. لم يهتم بي أامبيليوس لأجل ماذا؟ لم أصله قط، ولم ألتقط مطرقة قط. لو كان يصغي، فلا بد أنه ملل.
"أُمك تتكلم. مين تجيب".
حسنًا، بدا ذلك منطقياً. مين وأمي على تواصل، على ما يبدو. لا مفاجأة هناك.
"أبوك يصلي. أمبيليوس يسمع".
كان أبي أكثر انفتاحاً بكثير من أمي، مع أنه أشد تحفظاً بكثير بشأن إخلاصه. ومع ذلك، لمجرد أنه لم يطرح أمبيليوس كل خمس دقائق مثلما فعلت أمي مع مين، فهذا لا يعني أنه قلّ اهتماماً. أو قلّ صلاة. كلما فكرت في الأمر... أمضى أغلب أيامه مطرقاً في المورش. ألم تكن تلك عبادة؟ كان أمبيليوس مَلِك الحدادين، والصناع، وتشغيل المعادن —كل ما صب أبي روحه فيه. برؤية الأشياء التي صنعها، بدا منطقياً أن يسمع أمبيليوس.
"ثنائي غير معتاد. يختار معظمهم مَلِكاً واحداً، معاً. مساراً واحداً".
كان هذا صحيحاً إلى حد بعيد. اعتادت العائلات عبادة ذات الكيان—الذات المَلِكية، ذات الطقوس، ذات التوقعات. أخبرني أبي يوماً بأن عائلة أمي استشاطت غضباً حين اختارته. ليس فقط لكونه [صانع أسلحة]، بل لأنه صلى لأمبيليوس بدلاً من مين. حاولت عائلتها منع الزواج، قائلين إنه خيانة للإلهة. استصعب علي استيعاب الأمر. أمي—التي فرضت كل قاعدة كأنها قانون سماوي، التي أمكنها إسكات غرفة بنظرة—تكسر التقليد، وتتحدى شيوخها، من أجل الحب؟
لكنها فعلت. لأنني كنت هنا الآن.
"والآن يقف طفل ذلك الاتحاد أمامنا".
"نرى المسار المرسوم لك".
"كاتارولوغا. مثل الأم".
"...لكن أهذا ما تريده؟"
تردد صدى السؤال، متراكباً فوق بعضه بنغمات مختلفة—صغيرة، عجوز، ذكر، أنثى—إلى أن صار مستحيلاً معرفة من أين بدأ. ثم بدأت الأصوات تتلاشى، وتوقف الترنيم، وبدأت خطوط متوهجة تتشكل مباشرة أمام عينيّ. رموز انكشفت من العدم. خطوط ذهبية ونظيفة بقيت تماماً أمامي بغض النظر عن المكان الذي نظرت إليه.
[اكتمال تهيئة النظام.]
[الوصول إلى خيارات الفئات.]