دفعَت أولا الباب ببطء. ما رأيتُه في الداخل أصابني بالذهول. على الرغم من وجود مليون أمر آخر يشغل الغرفة، انجذَب انتباهي فوراً إلى السرير الخشبي الضخم. كان له أربعة أعمدة خشبية وصُنع من الخشب الداكن المصقول نفسه الموجود على الأرض. حملت الأعمدة ستائر بيضاء سميكة أحاطت به من كل جانب. لم تكن لدي أي فكرة عما يُستخدم لأجله ذلك. ألعلهما يستمتعان بناء الأكواخ تماماً كما كنتُ أفعل في طفولتي؟
ألعلهما أرادا خلق نوع من الغرفة داخل الغرفة؟ إلا أنه كان سريراً لا غرفة. مع أنه قد يعمل غرفة منفصلة، نظراً لحجمه. غُطّي كل شبر من الجدار والسقف برسومات معقدة أبدعها شخص كان بلا شك خبيراً في صنعته. أظهرت مشاهد لطيور الغريفين وهي تحلق عبر السماء. رجالاً يرتدون أثواباً يونانية في نقاش مطوَّل. بورتريهات لرجال آخرين، يرتدون هذه المرة طراز الدرع اليوناني الكلاسيكي. وخلف السرير كان هناك مشهد مرسوم أعاد إلى ذهنـي المزيد من صور الوطن.
أعمدة حجرية منحوتة ونباتات يونانية لم أقرها في سيليسا. سماء زرقاء صافية. بوريون يتأمل السرير من علٍ. من الواضح إذن أن من رسم هذا قد زار اليونان في مرحلة ما. وربما كان يونانياً بنفسه. لم أصادف أي شخص آخر من اليونان هنا، لكن من الحماقة افتراض عدم وجود أحد منهم بالمنطقة. أشرتُ إليه ذاهلة.
"أهذا من أجلي؟"
قالت أولا بابتسامتها المعهودة: "هكذا وجدناه".
فاجأني العثور على هذا الكم من الإشارات إلى وطني، وثقافتي، وحتى معتقدات شعبي الدينية، في أرض ستفورا. وقد كان حاضراً هنا طوال الوقت. طلب أحدهم هذا قبل وصولي بوقت طويل. ربما لم تكن الأمور هنا بالأبيض والأسود تماماً كما صوروا لي. بدا الأمر أبيض وأسود فعلاً مع ذلك. ربما ظنا فحسب أنه فن جميل. من المرجح أن قصصنا انتشرت أبعد من اليونان، لكنها بدت بالنسبة لهم مجرد قصص. شيئاً ممتعاً يُروى للأطفال.
لو أنهما دريا فحسب مدى حقيقتها... لَبَدت سيليسا مختلفة تماماً.
قلتُ وغشيت الدموع بصري فجأة: "هذا... هذا يشبه صورة للوطن".
رمشتُ سريعاً، محاولة حبس الرطوبة داخل عيني. في هذه اللحظة، افتقدتُ اليونان أكثر من أي وقت مضى. ورغم كل عيوبها، ظلت وطناً. ومثل كل مرة احتجتُ فيها إليها أشد الاحتجاج، شعرتُ بيد كاسيا اللطيفة على ظري، تملؤني دفئاً. التفتُ إليها مبتسمة. فبادلتني الابتسام. أعتقد أن اليونان لم تعد وطني الوحيد بعد الآن. شعرتُ بكاسيا وطناً أكثر ممّا فعلت اليونان قط. كم كنت محظوظة ومباركة لعثوري على شخص بمثل طيبتها ومحبتها وتفهمها.
لم أدرِ ماذا فعلت لأستحق شخصاً مثلها في حياتي، لكنني كنت امتنة. ممتنة للغاية. شعرتُ لمرة واحدة أن هناك من يريد حقاً فهم حقيقتي، من يهتم بي بلا قيود، من أستطيع أن أكون نفسي معه بلا خوف من الأحكام. شعرتُ برؤيتها الحقيقية لي برفقتها. لم تعبأ إن قلتُ أشياء غبية أو فعلتُ أشياء غبية. لقد اهتمت فحسب. أشعرني ذلك بأمان تام، على الرغم من أنني يفترض أن أكون حاميتها.
سألت كاسيا: "إذن هكذا تبدو اليونان؟"
نظرتُ مجدداً إلى المشاهد المعقدة التي تملأ الجدران.
"حسناً، نعم، ولكن لا أيضاً. لم أرَ قط هذا العدد من طيور الغريفين في مكان واحد تحلق بحرية. أعني، تقنياً، هذا ممكن، لكنني لا أعتقد أنك مرشحة لرؤية شيء مماثل. البقية دقيقة للغاية. الملابس والدروع مطابقة تماماً للواقع. حتى من رسم هذا وُفِّق في اختيار النباتات. حتى تفاصيل الأعمدة تطابق تماماً ما ينبغي أن تكون عليه. من رسم هذا لا بد أنه يوناني أو قضى وقتاً طويلاً هناك".
"لا تشبه سيليسا أبداً".
"أجل، تبدو كعالم مختلف تماماً. أمر جنوني نوعاً ما عندما تفكرين فيه، أليس كذلك؟"
أومأت كاسيا.
"تساءلتُ دائماً عما تبدو عليه. إنه لأمر لطيف أن أرى كيف يبدو وطنك".
حدقتُ بها بمحبة وتقدير جامحين. أجل. إنه لطيف. ثم ظهرت أولا فجأة كما يبدو، حاملة فساتين. وضعته على السرير لأتفحصه. كان أخضر زمردياً نابضاً بالحياة، ضيقاً نسبياً من الأعلى، بقاع واسع.
قالت: "صُبغ أولاً بالنيلة، ثم بالوصف. الصوف بلا شك من فلاماندروفيه. هذا ما تشتهر به. جودة ممتازة. سيبقيك دافئة ويشعرك بالنعومة على البشرة".
بدا جميلاً حقاً، لكنني لاحظت مشكلة واضحة. بدت الأكمام ضيقة للغاية على عضدي، ثم يتحول القماش عند الكوع إلى الاتساع وطول مفرط لدرجة أنها قد تلامس الأرض على الأرجح. سيكون ذلك غير عملي للغاية، نظراً لحاجتي الملحة لذراعيّ، وهو أمر يصعب تحقيقه حين تكون أكمامك طويلة لدرجة ملامستها الأرض. لن أستطيع حتى حمل أي شيء. ورغم استطاعتي إطلاق الرصاص من أذناي إن أردتُ، لم أكن أنوي تحويل ورقة رابحة أملكها إلى أمر يومي.
من الأفضل إبقاؤها مفاجأة.
قلتُ: "يبدو جميلاً، لا تفهميني خطأ. إنها فقط تلك الأكمام. أحتاج ليدَيّ لتكونا مرنتين وبلا عوائق. أتخيلني أتعثر بالقسم السفلي أيضاً".
مالت أولا برأسها.
"يمكنني إجراء تعديلات. أردت فقط عرضها عليك تماماً كما كانت قبل أن نغير أي شيء".
الفستان التالي الذي أخرجته كان أحمر داكناً. بدا هذا أكثر تفصيلاً على الجسم من الآخر، ولم تكن له أكمام سخيفة. مررت يدها على القماش.
"هذا مصنوع من مخمل الحرير من لوكا، هيسبيريا. إنه فائق النعومة حقاً. وحدها [حياكة محترفة] تستطيع إنتاج هذا".
وأشارت إلى الفراء الأبيض ذي النقاط السوداء الذي يحد خط الرقبة المنخفض.
"القاقم، لا يوجد ما هو أفضل. يأتي تلوين مخمل الحرير الأحمر من القرمزي، فهي غير موجودة هنا، واستيرادها مكلف للغاية. ولهذا السبب وحده يستطيع الأثرياء ارتداء الأحمر في سيليسا. هذا الفستان هو ذروة الثراء والمكانة. أعتقد أن هذا يناسبك بشكل أفضل".
تقدمت كاسيا ولمسته.
"أوهه، ينبغي أن تلمسي هذا، هيكاتي، إنه رائع حقاً".
كان فساتناً جميلاً حقاً. سيبدو اللون رائعاً عليَّ بلا شك، ومع طريقة تفصيله لن أخشى الظهور بمظهر طماطم أو ما شابه. لمستُ القماش بدوره. ناعم بحق. المشكلة الوحيدة هي أن فستاناً مجسماً كهذا سيتركني عاجزة عن تحريك ساقيَّ بشكل صحيح، والجري السريع هو تخصصي نوعاً ما.
"أولا، أتعتقدين أن بإمكانك صنع شقوق على الجانبين؟ إنه رائع حقاً، وأحبه بشدة، لكني بحاجة للقدرة على الجري والقفز. حين أطلق النار على وجوه الناس، تعرفين؟ أقوم بالكثير من الرقصات والغوص والقفز والانزلاق. لا يمكنك أبداً معرفة ما قد يحدث هنا، لذا أود أن أكون مستعدة دائماً".
ترددت أولا لبرهة.
"أستطيع، لكن... سيكشف ذلك عن الكثير من الجلد. ليس معتاداً هنا إظهار الكثير من الساقين المكشوفة. خاصة ليس للسيدات ذوات المكانة".
"تبّاً"، لوحت بيدها ملوِّحة برفضه.
"إنه مجرد جزء صغير من الساق. حيث أنتمي لا ينظر الناس إليك بغرابة إن تجولت في الشوارع عارياً. في يوم حار سترى أكثر من مجرد ساق، ولدينا الكثير من الأيام الحارة".
استعدتُ بذهني يوساركوس، أسطورة محلية اشتهرت في أستيريا ليس فقط لاستدارته وغياب شعره التام، بل لرفضه أيضاً ارتداء الملابس. اعتاد القول إن الملابس تجعله حاراً. كان يعرق دائماً، لذا خمنت أنه كان حاراً بلا ملابس أيضاً. كرة بشرية سعيدة ولامعة، تحيي الناس بحماس دوماً، وتمتلك دائماً بعض القطع النقدية لمتسول وتستعد دائماً لشراء بعض الطعام للأطفال الجياع. أين كان يحتفظ بكيسته النقدية لم أعرف.
ولعلني لم أكن أرغب في ذلك. قررت عدم ذكره لهما، تحسباً لاحتمال سؤالهما عنه. ربما كان ذلك أول ما سيتبادر إلى أذهانهم.
قالت أولا: "إن كان هذا ما تريده سيدتي، فليكن".
عرضت كاسيا: "يمكنني المساعدة!"
مالت أولا برأسها.
"أقدر ذلك حقاً".
سألت أولا: "ربما ترغب سيدتي في الجلوس على الشرفة ريثما نعمل؟ منظر الحدائق جميل للغاية من هناك".
"هذا المكان يضم حدائق؟!"
سارت بهدوء نحو أبواب الشرفة وفتحتهما.
"من هنا مباشرة".
خرجتُ للخارج فملأ الهواء الجبلي النقي منخرَديَّ مجدداً. رائحة رائعة بحق. وكانت الحديقة جميلة أيضاً. ضمت نافورة كبيرة في المنتصف مباشرة، أحاطت بها مهارات تمتد على طول مسارات مرتبة ومقصوظة بعناية. جميلة جداً. كان القمر هلالاً اليوم، وتلوت صلاة لـمين، شاكرة إياها على توجيهها وحمايتها ومنحي كل هذا الحظ العظيم. خرجت أولا إلى الشرفة حاملة كرسياً بذراعين مبطناً وثقيل المظهر بدا ثقيلاً جداً عليها.
ربما كانت تمتلك بعض النقاط في القوة أيضاً. تلتها بطاولة جانبية صغيرة.
قالت: "أعلميني إن احتجت لأي شيء".
تركتُ نفسي أغوص في الكرس المريح بشكل لا يُصدق. فجأة، لم تبدو سيليسا سيئة إلى هذا الحد. كان هذا رائعاً للغاية، وهنأتُ نفسي على القرار العظيم بادعاء هذه البلدة لنفسي. بالتأكيد سينجح هذا كله. أعني، كان ينجح بالفعل. لن تتحسن الأمور إلا نحو الأفضل من الآن فصاعداً. رفعتُ بصري نحو السماء، متسائلة عما ينبغي لي فعله بعد ذلك. أأجلس هنا فحسب؟ لا أفعل شيئاً؟ لم يكن ذلك طبعي. ذكرني الهلال بأنني ما زلت أمتلك كتاب بيس.
حمل نفس الرمز مرسوماً عليه. يمكنني القراءة قليلاً. التعلم قليلاً. على الأقل لن أشعر حينها بأنني أضيع الوقت. أستطيع الاسترخاء والإنتاج في آن واحد. أجل. كانت تلك فكرة عظيمة أخرى. أخرجتُ الكتاب ووضعته على حِجري. بدا شيئاً ما مختلفاً هذه المرة. توهّج الرمز الموجود على الكتاب بسطوع، وأظهر باقي الكتاب توهجاً خفيفاً بدوره. التفتُ بنظري نحو القمر مجدداً. هاه. أمر مثير للاهتمام.