لمست غلاف الكتاب. كان السحر ضعيفا قبل لحظات بالكاد يُحسّ، لكنه الآن… الآن يكاد ينبض بالحياة. أعدت الكتاب إلى حقيبتي فشعرت بالسحر يخبو. أخرجته مجددا وما إن لامس ضوء القمر حتى عاود التوهج وتصاعدت حدّة السحر. لا بد أن التعويذة تفاعلت مع القمر. أمعنيّة؟ فتحْتُ الكتاب لا أدرري ما أنتظر. كانت الصفحة الأولى فارصة بالطبع. وكذلك الثانية. أما الثالثة فكانت فارغة أيضا فيما مضى، لكن ليس هذه المرة.
حدّقت فيّ أحرف فضية تتوهج في ضوء القمر. المشي تحت القمر الفضي هو أن ترى الظلال على حقيقتها. إن كنت قادرا على قراءة هذا السطر فأنت تحمل علمتها، مما يعني أنك أهلاً للمعلومات التي يحويها هذا المجلد. كدت أنادي فاسيليل ليرى هذا، لكنه لم يكن هنا. أيّ علامة حملتُ أنا؟ بيس؟ قطعا لم أكن. الشيء الوحيد الذي حملته ويمكن اعتباره علامة كان عينيّ اللتين تدلان عليّ كاتباع لمعنيّة.
أكانت بيس تستجيب للقمر أيضا؟ أم أن ضوء معنيّة كان المفتاح الكوني لكل ما خفي في الظلام؟ قررت المتابعة في القراءة. لقد حُذرت بنهايتها في الأيام الأخيرة من الحرب التي شهدت تشتت أتباعها ومحو اسمها من التاريخ. ولضمان نجاتها وحماية ما تبقى من المؤمنين بها، قامت بطقس أخير مروع. مزّقت لاهوتها إربا وقسمت روحها إلى تسع شظايا. ترقد هذه الشظايا الآن في تسعة أبعاد منفصلة مختومة تحت محرابها ترجو الالتئام مجددا على مذبحها.
اسمع أيها الباحث: كل من يحاول جمع روحها المحطمة يجب أن يُصاغ في الدم والنار، فالرعاة الحارسون لهذه الشظايا لن يتخلوها بسهولة. هذا مقصود كتبرير أخير للجدارة. ولمساعدتك في هذا السعي أدرجتُ في هذه الصفحات عدة كلمات رمحية صاغتها يد بيس بنفسها. هي تنتظر متفرقة وتطلب بطلاً. أسفل النص تسعة رموز. رموز ذكرتني بتلك التي رأيتها على الأبواب التسعة تحت كاتدرائي. لم يتطلب الأمر عبقريا لربط الخيوط رغم أنني تصادفت وكنت واحدةً منها.
كما أن الخيوط كانت واضحة تماما لدرجة لم يحتج الأمر ربطا من الأساس. الكاتب هو من ربطها وهو أمر رائع لأني لم أكن أستمتع بالألغاز أو المفاجآت. أعطاني هذا سببا آخر للعودة إلى الكاتدرائية في أقرب وقت. هذا إن كنت أنوي جمع كل قطع بيس وإعادة تركيبها. لست متأكدة حقا لماذا قد أرغب في فعل ذلك. فقد ترغب في استعادة كاتدرائيتها. وقد تغضب مما فعلته بالمكان وتحاول قتلي. مع أنها بدت امرأة لطيفة.
ليس كأنني عرفتها. لكنها بدت لطيفة نوعا ما من خلال المعلومات الشحيحة جدا التي امتلكتها عنها. إلا إن كنت ستصدق الكنيسة. وأنا لم أكن أصدقها. فقد ظننتني لست لطيفة للغاية مع أنني كنت كذلك. فائقة اللطافة حقا، فلربما كانت بيس فائقة اللطافة هي الأخرى. لربما ستكون سعيدة للغاية وتمنحني مكافآت رائعة حقا. لكنت سأسعد لو أن أحدا أنقذني وخاصة لو كنت مكسورة إلى قطع طوال تلك المدة.
لا أستطيع تخيل أنها كانت تقضي وقتا طيبا. لربما جدر بي أن أنقذ بيس! مجرد ملكة أخرى أضيفها إلى قائمتي الطويلة من الملوك التي يفترض بي إنقاذها. حسنا… اثنتان إن حسبت ستفورا. هذا إن كان محبوسا بأي شكل. واحدة إن لم يكن كذلك. وصفر إن لم تكن بيس ملكة من الأساس. لم أكن متأكدة من ذلك بعد. القائمة التي بلا محتوى هي قائمة قصيرة بحق. بل تكاد لا تكون قائمة. ثم، كم قد يكون الأمر صعبا؟
ضربات دخول نظيفة قليلة في الوجوه وسيرحل أولئك الحراس وألصق بيس ببعضها مجددا وأحصل على مكافئتي المستحقة. وإن كانت قادرة على صنع كلمات رمحية فلربما تصنع لي واحدة امتناناً لها. عدم فعل ذلك سيكون ناكراً للجميلة. الآن، لن أقتل أحدا لعدم امتنانهم لأني لست مجنونة ميل للقتل، لكني سأقول بضع كلمات معها. كان عليّ العودة إلى الكاتدرائية قبل فعل أي من ذلك بالطبع. وكنت أبحث دوما عن بعض الكلمات الرمحية.
لم أكن رأيتها بعد لذا لم أعرف إن كانت جيدة حتى. وحتى لو كانت جيدة واستخدمتها فلن يلزمني ذلك بإنقاذها. قلبت الصفحة إلى التالية، لكنها لم تحوِ سوى نص عادي، وكنت هنا لأجل النص المتوهج الفضي. سأقرأ لاحقاً عما تفضل بيس تناوله في الإفطار. من يكترث إن كانت تستمتع بأكل الخنافس؟ قطعا ليس أنا. لربما لم يكتب ذلك حقا، لكن كما قلت أنا هنا لأجل النص المتوهج ولم أكن لأهدر بصري الثمين في قراءة كومة من الأشياء غير المتوهجة.
تجاوزت مزيداً من الحبر العادي الممل حتى وجدت صفحة أخرى ممتلئة بحبر متوهج جميل وغير ممل. لمن يسلكون دروب القمر تترك هذه الهدية. ليعلم الجميع أن بيس فضلت من قاتلوا لا من أجل المجد، بل لحماية الآخرين. تحمل هذه الكلمة الرمحية حكمتها: أن القوة بلا تحّمل مضيعة، والقدرة بلا شفاء جوفاء. لعلها تنفعك كما نفعت آخر المدافعين عنها في الأيام الأخيرة قبل الصمت.
[حكمة بيس - قلب زهرة البرسيم والصقيع ومربع زهرة البرسيم]
فرصة بنسبة 25 بالمئة لإلقاء [إبطاء] عند الضرب، فرصة بنسبة 25 بالمئة لإلقاء [رمشة] عند التعرض للضرب، فرصة بنسبة 20 بالمئة لإلقاء [نوفا شفاء عظمى] عند التعرض للضرب، +30 بالمئة سرعة إلقاء أسرع، +20 بالمئة فعالية المهارات، +20 مانا بعد كل قتل، +20 صحة بعد كل قتل، جميع المقاومات +20 بالمئة، +20 توافق، +20 حظ في تلك اللحظة قررت أنني سأنقذ بيس حتما. ليس لأنني أردت مزيداً من القوة، أو لأنني أردت المزيد من الكلمات الرمحية الرائعة كهذه.
كلا، لم يكن ذلك نوع ما أردته. لم أكن في سعي مجنون وراء القوة والانتقام. كنت حامية. مدافعتاً عن الضعفاء والمستضعفين. وما الضعيف سوى امرأة مقطعة لتسع قطع؟ امرأة مقطعة لعشر قطع، نعم هذا صحيح، لكني لم أعرف امرأة مقطعة لعشر قطع. عرفت امرأة مقطعة لتسع قطع، وهو أمر كثير بالفعل. أسوأ بكثير من امرأة مقطعة لثماني قطع إن سألتني. كانت بيس في حالة تفكك هيكلي حاد. كنت حارسة نبيلة وأيضا امرأة.
ولم أستطع إلا ألا أساعدها. وإن أسفر هذا الفعل النبيل والمعطاء تماما عن انهيار هائل من المكافآت المذهلة المماثلة فسيكون ذلك محض مصادفة. تفصيل ثانوي بالكاد يستحق الذكر. قبل كل شيء كنت منقذة. إنسانة الناس. إنسانة للناس. لم أفعل ذلك لأجل المكافآت. فعلت ذلك لأنه الصواب. حدّقت في النص المتوهج، وقلبي يفيض ببر واهتمام خالصين. كنت أنقذ بيس حتى لو اضطررت لقتل مليون شخص. أعني… شياطين؟
أي شيء كان يحرسها وأي شيء سيقف بيني وبين إنقاذ بيس سأقتله. مجرد روح نبيلة تنقذ أخرى بطريقة نبيلة. ليس بطريقة قتل بالطبع. أعدت قراءة الرموز التي احتجتها لإتمام الكلمة الرمحية ولاحظت أنني أمتلكها كلها بالفعل. أيمكنني صنع هذه! مع أنها لم توضح إن كان عليّ وضعها في سلاح أم شيء آخر. كانت تلك ثغرة مؤسفة للغاية من جانب الكاتب. ماذا لو وضعتُها في مسدسي وتبين أنها شيء تضعه في بنطالك؟
لقد نصّت صراحة على كلمة عند الضرب وهو ما يعني على الأرجح أنها للأسلحة. يجب عليّ غالباً وضعها في أحد أسلحتي. حينها سأرى أخيرا كيف تتفاعل [الكل واحد] مع الكلمات الرمحية. إن تفاعلت أصلا. كان لدي شعور جيد حيال الأمر. استبعدت أن تسوء الأمور. وإن لم تفعل شيئا على الإطلاق فسيكون ذلك جيدا أيضا. كانت الكلمة الرمحية جيدة كما هي. لكن إن كانت هذه هي الكلمة الرمحية الأولى… فسيكون منطقيا أن تكون الكلمات الأخرى أفضل.
أنت تحفظ الأفضل للنهاية دائما. تعطي تلميحا بسيطا في البداية ثم تصعد نحو أشياء أفضل فأفضل. هكذا تسير الأمور فحسب. لا بد أن الكلمة الرمحية التالية أفضل بكثير. إلا إن كان الكاتب لا يلعب وفق القواعد وكانت هذه هي أقصى جودة ممكنة. لبرهة عبر فكري ظنّ بأن هذه قد تكون كلمة رمحية مزيفة وأن الكاتب أراد فقط مني إهدار رموني في مزحة متقنة، لكني طردت الفكرة. سيتطلب الأمر جهداً هائلا لصنع نص مخفي لا يستطيع رؤيته سوى من يملك عينيّ في كتاب قد لا يصلني أبدا.
لن يفعل أحد ذلك. على الأرجح. ربما يفعل فيستو ذلك، لكنه لم يكن هنا. على أي حال، قال الكاتب إنه أدرج عدة كلمات رمحية. كم قد تبلغ عدة؟ أكثر من اثنين وأقل من كثير؟ أقدرها بين ثلاثة وستة. سبع كلمات رمحية ستكون كثيرة. حان وقت معرفة ما يعنيه تحديدا.