أمعنت المرأة الحامل النظر فيّ من رأسسي إلى أخمص قدمي، ثم حاولت الاختلاس من وراء ظهرسي.
قالت: "أظن... لا."
قالت: "أجل، فككت الحبال. كنت أظن ذلك. لا بأس، ما زلت هنا لأنقذك."
"أرسلتك ستفورا؟"
"ليس حقاً. أتيت وحدي. لأنني أردت ذلك."
ارتفع حاجبا المرأة.
"دخلت وكراً للستريغي لأنك أردت ذلك؟"
"حسناً... دخلت لأنقذها."
أومأت برأسي نحو كاسيا.
"لكنني فكرت حينها بأنه لا مانع من التأكد إن كان هناك المزيد من البشر ممن يحتاجون إلى الإنقاذ، تعلمين. لذا أجل. أعني أية امرأة ستكونين إن تركتهم جميعاً يُقتلون بوحشية؟ يشبه هذا ركضك نحو شيطان المستنقع من دون إطلاق النار في وجهه!"
"سمعت تلك الفتاة من الملصقات انتزعت ذراعه، وصنعت من العظم نايّاً، ثم غرزته في مؤخرته ونفخت فيه حتى انفجر!"
"أنا ماذا؟! هذا مستحيل حتى."
التفتّ إلى فاسيل.
"هذا مستحيل، أليس كذلك؟"
هزَّ رأسه.
قالت وهي تعقد ذراعيها: "هذا ما تقوله الحكايات."
"حسناً، كنت هناك. لأنني أنا هي. وهذا مقرف. لم يحدث الأمر هكذا قط. أطلقت النار في وجهه كأي شخص عادي ثم مات. انفجر وجهه، لكنني لم أضع شيئاً في مؤخرته. وضعت رصاصة في وجهه فانفجر. لم تكن هناك أي نايات."
ضيّقت المرأة عينيها نحوي.
"تشبهينها بعض الشيء... تحت كل هذه الأوساخ."
أشرت إلى كومة الستريغي الميتة.
"من أكون غيرها؟"
"مممم... ألا يعني هذا أنك ساحرة؟"
"طبعاً."
"ألا يعني هذا أنك شريرة؟"
هزجت كتفيّ.
"أظن أن هذا يعتمد على من تسألين. ربما ظن شيطان المستنقع أنني شريرة جداً. حسناً... إن كان لديه وقت للتفكير قبل أن أطيح بوجهه، أظن ذلك. ولعل هؤلاء الستريغي لسن معجباتي المفضلات. أو لم يكنّ، بما أنهنّ ميتات جميعاً الآن. الكنيسة لا تحبني كثيراً أيضاً، لكن حين تفكرين فيمن يحبني ومن لا يحبني، يمكنك ملاحظة نمط واضح لنوعية البشر الذين يحبونني أو لا يحبونني."
"من يحبونك؟ أخبرتني عمن لا يحبونك فحسب."
أشرت إليها.
"أنت. وطفلك. بما أنني أنقذتك. تماماً مثلما قتلت شيطان المستنقع كي لا يتمكن من أكل طفلك حين يخرج."
"فعلت ذلك من أجلي؟"
"بالتأكيد."
"هذا لطيف منك للغاية."
خفضت رأسي وأنيت انحناءة خفيفة.
"وهؤلاء البشر في القفص سيحبونني حين أخرجهم من هناك. هل هم أصدقاؤك بالمناسبة؟"
"بعضهم، نعم. كنا جميعاً جزءاً من قافلة. ذهبنا إلى فيسوا لنستمتع بمياه الجبل العذبة وهواء الجبل المنعش. سمعت أن أذناب القندس هنا طيبة للغاية أيضاً."
تجعد أنفي. إن كانت طيبة للغاية هنا، فكم كانت سيئة في الأماكن الأخرى؟
تابعت قائلة: "لكننا لم نذق أياً منها. ما إن دخلنا البلدة حتى هاجمتنا الستريغي واقتادتنا إلى هذا المكان."
قلت: "هذا مؤسف. أن تفوتي أذناب القندس. أقصد، ومؤسف أيضاً أنك اختطفت بالطبع."
التفتّ إلى الجثث المعلقة.
"وأن أصدقاءك قُتلوا ربما؟"
"أوه، لا أعرف هؤلاء البشر. كانوا هناك بالفعل حين وصلنا."
"هذا محظوظ. أمم... بالنسبة لك. ليس لهم."
بدأت أشعر بقليل من الإحراج وتخيلت أن أصدقاءها يرغبون في الخروج من ذلك القفص الصدئ على الأرجح.
قلت وأنا أؤدي التحية لها: "سأساعد أصدقاءك الآن."
لا أعرف لماذا فعلت ذلك، وحين أدركت ما فعلته شعرت بإحراج أكبر. حين وصلت إلى القفص، كان سكانه جميعاً ما زالوا يحدقون فيّ ببلادة وأفواههم مفتوحة. لوحت لهم قليلاً يميناً ويساراً لأرى إن كانوا ما زالوا يرونني. تبعت عيونهم يدي بتوافق تام، لذا كان بإمكانهم رؤيتي بالتأكيد.
سأل رجل: "أأنا أحلم؟"
أجبت: "لا أعرف. أأنت كذلك؟ أتريد أن أقرصك؟"
مد ذراعه من بين القضبان، فقرصته.
قال وهو يسحب ذراعه: "آه!"
همس أحدهم: "لابد أنها قديسة أرسلتها ستفورا."
ناداه أحدهم: "اقرصني أنا أيضاً!"
قال رجل: "ابصق في وجهي!"
رفعت يدي.
"مهلاً، مهلاً! ابصق في وجهك؟"
سقط على ركبتيه ووضع جبهته على الأرض.
"باركني بلعابك المقدس، أيها المنقذ الجميل."
كان الإحراج الناجم عن هذا أسوأ حتى من التحية.
"حسناً، أولاً وقبل كل شيء أنا لا أبصق عليك. هذا مقرف. وثانياً، لم أُرْسَل إلى هنا بواسطة ستفورا. أتيت إلى هنا لأنقذك لأنني كنت في الجوار، وكان ذلك التصرف الصحيح. أقصد، لم أكن لأدع أولئك الشياطين يقتلونكم بالطبع! أو يفعلون أي شيء كانوا يخططون لفعله لتلك المرأة الحامل."
رفع أحد الرجال اصبعه.
"كانوا سيصيبون طفل رومانا بلعنة، ليُولد واحداً منهم. كانوا على وشك البدء حين أنتِ..."
وقف على أطراف أصابعه ونظر من ورائي إلى الفوضى.
"حين فعلت ذلك،"
قال وهو يومئ برأسه. التفتّ للوراء.
"أجل. من الجيد أنني ظهرت حين فعلت."
نادت رومانا: "هي التي قتلت شيطان المستنقع!"
على الرغم من تحررها كانت لا تزال مستلقية على اللوح. ربما كان أكثر راحة مما يبدو. شهق البشر في القفص وبدأوا يهمسون فيما بينهم.
صرخت امرأة في مؤخرة القفص وقد جحظت عيناه من رأسها: "انتظري! انتظري! هل تحولتيه حقاً إلى قالب جبن عملاق؟"
قال مراهق وهو يقبض على القضبان الصدئة ويدفع رأسه ضدها: "ليس هذا ما سمعته! سمعت أنك انتزعت عموده الفقري بيديك العاريتين واستخدمته حبلاً للقفز!"
صاح آخر: "لا! ربطت أمعاءه في عقدة، ثم أطلقت النار عليه نحو الشمس!"
كان العالم يدور. كل حكاية كانت أكثر سخافة من سابقتها. من قد يصدق هذا الهراء أصلاً؟ أقصد أن الحكاية التي رويتها كانت بعيدة التصديق بالفعل، لكن هذه؟ كان البشر يثورون، والجميع يصرخ برواية مختلفة لمقتلي لشيطان المستنقع. كان بعضهم يهز قضبان القفص، والبعض الآخر يهز أصدقاءه.
سمعت أحدهم يقول: "...ثم جعلته يأكل أصابعه قبل أن تجعله يعتذر للطفل."
أطلقت طلقة في السقف لأجعل الجميع يصمتون.
"يا شباب! الجميع، اصمتوا! لم أعل شيئاً من ذلك. أطلقت النار في وجهه فحسب، تماماً كما فعلت مع الستريغي."
وضعت يدي على قلبي واتخذت تعبيراً جاداً.
"كما أفعل مع كل من يهدد بإيذاء السيليسيين الأعزاء على قلبي."
قال أحدهم: "إنها قديسة!"
"ما عدا تلك الكبيرة، أظن. أردت رأسها لمجموعتي."
أفضت رأس الرئيسة بجانب رأس بوغومير.
قال الرجل الذي طلب مني لتوه أن أبصق عليه: "أوه! خذ رأسي!"
قال المراهق: "خذ رأسي!"
قلت: "توقفوا! لن أبصق على أحد، ولا أريد رؤوسكم. أنتم الأخيار. أنا أخذ رؤوس أعدائي فقط. أحاول إنقاذكم أيها البشر!"
مد رجل ذراعه من بين القضبان.
"اقرصني!"
صفعت يده بعيداً.
"كما أنني لا أقرص أحداً بعد الآن!"
تهدلت كتفا الرجل ونظر إلى الأرض محبطاً. حدقت به ثانية، ثم بالبقية. لابد أن الأسر قد عاث فساداً في عقولهم.
"اسمعوا، سأفتح هذا القفص من أجلكم، وبعدها يمكنكم أن تكونوا أحراراً وعاديين مرة أخرى. لستم مجانين ولا غرباء. اتفقنا؟"
أومؤوا برؤوسهم. أطلقت النار على القفل برصاصة واحدة. كانت احتمالات عثوري على المفتاح وسط هذه الفوضى ضئيلة، وكانت هذه الطريقة أسرع. قد لا تحل الرصاصة كل مشكلة، لكنها بالتأكيد تحل معظمها. بعد أن خرج الجميع من القفص وقفوا حولي في نصف دائرة. أميَت برأسي.
"حسناً. انتهى الإنقاذ. عيشوا حياة لطيفة. حاولوا ألا تموتوا... أو يُختطفوا من قبل الشياطين."
بدأت المشي نحو النفق حيث ما زالت كاسيا واقفة. نظرت إليّ حاجباها مرفوعتين.
سألت حين بلغتها: "هل هناك خطب ما؟"
أومأت برأسي من ورائي. ألقيت نظرة فوق كتفي ورأيت الجميع ومن ضمنهم رومانا يقفون خلفي، وعيونهم متألقة وابتسامات عريضة تعلو وجوههم.
قلت وأنا أقوم بحركة لطرد الطيور: "اذهبوا في طريقكم الآن."
بينما هم يبتسمون على نطاق واسع، خطوا خطوة واحدة أقرب إلي بتوافق تام. التفتّ إلى كاسيا التي بدت كأنها تكبح ضحكة، ثم هزجت كتفيّ. أطلقت تنهيدة طويلة.
"أرى ذلك. يبدو أنني الرئيسة الآن."
قالت كاسيا بابتسامة: "هوب."