غونويتش [نوع لعبة إلكترونية تعتمد على القتال] الفصل 123 — ليثي

اقرأ غونويتش [نوع لعبة إلكترونية تعتمد على القتال] الفصل 123 — ليثي باللغة العربية على مانجا تايم.

خرجت كاليوبي من الظل. كانت الغرفة تعبق برائحة الثوم والسذاب والحرمل. ربما خمن كراتروس أنها ستأتي إليه وجهز الأعشاب لضعضعة لعناته إن كان حدسه صائباً. استدار كراتروس عن النافذة وتحركت يده تلقائياً نحو السيف الموضوع على الطاولة بقربه. توقف حين راح يرمقها وأجبر نفسه على التبادي بهدوء.

قال: "كنت أتوقعك".

واهتز صوتا قليلاً.

قالت: "لا بد من ذلك".

وبقيت ساكنة وهي تتابع عينيه تزيغان نحو النباتات المعلقة والمتبخرة شتى.

سأل: "كيف تجاوزت حراسي؟".

أجابت: "أحدهم رأى حلماً".

لمع الخوف في عينيه لكنه استعاد جأشه سريعاً.

وقال: "ممم. بوليميتيس تليها؟".

هزت رأسها هزة واحدة.

فقال: "ميتة إذن بالفعل".

ثم صمت لبرهة وتابع: "إذن حسبتها التهديد الأكبر".

قالت: "لا أرى أياً منكما تهديداً".

كز على أضراسه وسأل: "هل قاتلت ببسالة؟ هل ماتت بشرف؟".

لم تفوه كاليوبي بحرف.

فقال: "لن أنزل إلى القبر دون قتال".

فأردفت: "ستنزل. ولن يكون هناك قتال".

سأل وعرقه يتصبب على جبينه: "أتظنني لم أستعد لك؟".

وأشار إلى الأعشاب المتنوعة المبعثرة في أرجاء الغرفة.

وتابع: "لن تسرى لعناتك عليّ. وعلى العموم لا أصدق أنك أبحت ذلك الجيش اللاكديموني وحدك".

قالت: "لا يهم ما تصدقه".

فقال: "إذن لن تمانع إن فعلت بعض التعاويذ".

أمالت رأسها قليلاً وقالت: "افعل".

ضغط بإبهامه على الحد الحاد في التميمة المتدلية من رقبته. وتشكلت حوله دائرة بيضاء متوهجة وابتسم بارتباك.

وقال: "صوت الخراب بنفسها. لنرَ إن كنت بخطورة من...".

همست كاليوبي: "[ليثي]".

بدت الكلمة المنطوقة برفق كأنها في كل مكان ولا مكان في آن واحد وهي ترتد عن الجدران.

ابتسم كراتروس بتهكم وقال: "أخبرتك أن لعناتك لن...".

سقطت قطرة دم من أنفه على الأرض. رمقته كاليوبي بنظرة باردة. لم تنطق ببنت شفة وتابعت ببرود تحول النصر المرتبك على وجهه ببطء إلى حيرة. لمس شفته العليا ثم تمطى متمعناً في أثر الدم الأحمر على يده المرتجفة واتسعت عيناه.

قال: "لكن... كان لديّ... كيف؟".

تطايرت المزيد من قطرات الدم على الأرض. انتفض انتفاضة واحدة وبدأ الدم يقطر من أذنيه أيضاً.

وقال: "لا أدرى... لما أنا؟".

قالت كاليوبي: "عزّ نفسك بأنه ما من أحد صمد طويلاً مثلك. لقد كنت أهلاً لاسمك. فالآن عانق العدم بشرف وأخبر موروس ليجهز جحيمه، فحين ينفجر الفجر ستحترق ميغارا".

حاول كراتروس الكلام فلم يخرج منه سوى الدم. التوت ركبتاه وهوى إلى الأرض. وبعد غرغرة أخيرة رطبة خف الضوء في عينيه. تخطت كاليوبي جثته دون التفاتة. وتوجهت نحو النافذة التي كان يراقب منها لتتأمل شوارع ميغارا المظلمة. لكان عاراً أن يتدمر كل هذا بسبب هوس رجل واحد بالسلطة. ولكن إن كان لا بد فليكن. انتزعت الحرمل من إطار النافذة وتأملت الزهرة البيضاء كلبن ذات الجذور السوداء.

يُزعم أنها لا تنبت إلا من دماء العمالقة. وكان الناس يستعملونها اتقاء للسموم والسحر. وكانت بالغة التأثير ضد اللعنات. رمت الزهرة على جثة كراتروس. سيتطلب الأمر أكثر من زهرة لإيقاف سحرها. فكرت برهة بأخذ تميمته ثم عدلت عن ذلك. أغمقت عينيها لحظة. حسناً. ثم عادت أدراجها إلى الظلال وتوارت.

* * *

تجسدت الخيمة حول كاليوبي. وكانت الأخت أونيرا لا تزال نائمة على المقعد. وضعت كاليوبي يدها على كتفها وهزتها برفق لتوقظها.

سألت أونيرا: "أتممت؟".

أومأت كاليوبي إيماءة واحدة وقالت: "يمكنك الانصراف".

نهضت أونيرا وانحنت ثم غادرت الخيمة.

سارت كاليوبي خلف مكتبها وجلست وقالت: "ادخل".

دخلت نيوفيلي وكيليسا إلى الخيمة معاً. وتوقفت المرأتان أمامها. وانحنت كيليسا انحناءة خفيفة.

سألت كاليوبي: "ألديكن أخبار عن هيكاتي؟".

أسلمت نيوفيلي رأسها وقالت: "لدي. لم يطالب أحد بالجائزة بعد، لكننا ما زلنا عاجزات عن تحديد مكانها. تتناقل الشائعات عنها في أرجاء سيليسينا. ويدعي الناس رؤيتها في كل مكان. كأنها تحل في كل مكان في آن واحد".

وترددت ثم تابعت: "لقد انتشرت قصة القضاء على الشياطين. وتزداد تضخماً وأكثر... تعقيداً مع كل رواية. ويزعم أحد التقارير أنها ضربته حتى الموت بذراعه بينما كانت تحمل طفلاً باليد الأخرى".

ارتفع حاجبا كاليوبي.

وقالت نيوفيلي: "يظنها بعض السيليسيين قديسة الآن. ويعتقدون أنها أتت إلى سيليسينا لتحميهم. ونحن... يجعل هذا تعقبها أصعب. فكلما انتشرت القصة زاد عدد المدعين رؤيتها. ونظن أن جلها مشاهدات زائفة، لكن قد يستحيل علينا العثور عليها الآن".

إنها لا تفشل أبداً في إدهاشي. استندت كاليوبي إلى الوراء ولم تستطع كبح ضحكة خفيفة.

وقالت: "القديسة هيكاتي. من كان يظن؟".

تابعت نيوفيلي: "لقد سببت لكنيسة ستفورا قدراً كبيراً من المتاعب. ومع أنها لا تزال تسيطر على معظم البلاد، فهناك همسات بأن فقراء سيليسينا ينقلبون عليها تدريجياً. فهم يشعرون أن هيكاتي تمثل مصالحهم أفضل. ونعتقد أن الكنسية ستضاعف جهودها لـ... القضاء على هيكاتي كرد فعل".

ألوحت لها كاليوبي بيدها قائلة: "لم يعهدوا بلاء حقيقياً منذ زمن بعيد. لقد أمضوا قروناً وهم يقلمون كل غصن نما طويلاً، ثم يتساءلون لمَ باتت غابتهم مجرد شجيرات".

ثم انحنت إلى الأمام وقالت: "هذا ثمن القمع التام، يا نيوفيلي. حين تبقي الجميع ضعفاء لضمان سلامتك تفقد مسنّ التحدي الوحيد الذي يعتد به. لا يمكنك شحذ نصل على إسفنجة. وإن لم يوجد أعداء أشداء نقاتلهم فلا رجال أشداء يحمونك. لقد نسيت الكنيسة أن النصل لا يبقى حاداً إلا إن ضرب شيئاً أصلب منه".

فغر فم نيوفيلي وقالت: "لهذا سمحتِ بإرسالها إلى سيليسينا".

تراقصة ابتسامة على طرف فم كاليوبي.

وقالت: "ها قد صارت هيكاتي السيف، وصاروا هم مسنّ الشحذ".

تبادلت نيوفيلي وكيليسا النظرات وتسللت بينهما قناعة مشتركة. لم تكن الكاهنة الكبرى قد باعت ابنتها لإنقاذ طائفتهم فحسب، بل أطلقت ذئباً في قطيع من الضأن.

حولتب كاليوبي بصرها إلى كيليسا وقالت: "ألديك أمر آخر لتبلغيه؟".

خطت كيليسا خطوة إلى الأمام وقالت: "مينون لم يعد موجوداً".

"آه. ممتاز. كيف تمت؟".

"طلبت أمراً مهيناً. فأعطيته الإسهال. أو هكذا سيخيل إليهم حين يكتشفونه. وقد سممت بعض الحصص الغذائية أيضاً ليصاب بعض الرجال بصيغة خفيفة من الإسهال كي لا أثير الشبهات".

رفعت كاليوبي حاجبها وقالت: "مينون؟ مات بالإسهال؟ لكنه كان قوياً".

ابتسمت كيليسا ابتسامة خافتة لكنها فخورة.

وقالت: "لقد طورت مهاراتي. فتم تجاوز مقاومته بسهولة. ومات مخنقاً بفضلااته ووجهه في خنادق النفايات. ولأن هناك آخرين مصابين بالإسهال فسيبدو وكأنه الأضعف بينهم جميعاً، إذ كان الوحيد الذي استسلم له".

أومأت كاليوبي ببطء.

وقالت: "أمر مذهل للغاية، يا كيليسا. حين طلبت أمراً مهيناً... لقد تجاوزت كل توقعاتي. لا أستطيع تفكر موت مخز أكثر من هذا. لقد أثبت نفسك اليوم. وأرى أن الترقية إلى مرتبة كاهنة أمر حتمي لهذا".

التفتت كيليسا بسرعة نحو نيوفيلي التي أومأت لها باعتزاز.

قالت كيليسا: "شكراً لك، أيتها الكاهنة الكبرى".

فأجابت كاليوبي: "شكراً لك. لقد أبليت بلاء حسناً. فلنأمل أن تهدي ككاهنة أخريات ليكونّ مثلك".

انحنت كيليسا عميقاً. فكان إقرار الكاهنة الكبرى أغلى من التبر. وبتجاوز التوقعات لم ترفع مكانتها داخل الطائفة فحسب، بل صارت أداة حقيقية لـ مين. واشتهرت الإربة بكرمها لمن ترقين في المراتب، ولمن يتعاملن بالصمت باسمها.

وقالت كاليوبي: "اذهبي الآن. سيكون الأرخون هنا عما قريب. وسيريد معرفة أن بوليميتيس وكراتروس لم يعودا يهددانه في ساحة المعركة، ليتمكن من لعب دور الأحمق مرة أخرى فيقود الهجوم أمام الكتيبة بدل الجانب الأيمن كقائد حقيقي. أظن أن مينيكراتس يظن أن هذا سيمنحه حظوة الملوك".

بينما سيمنحه في الواقع مقت رجاله على الأرجح. أو هكذا يفترض. أي أبله يغامر بحياته أمام جدار الدروع؟ ومع ذلك خرج منتصراً في كل معركة ولم تزدد قوته إلا طغياناً. فلعل لم يكن أحمق بعد. فضمان خلو الميدان من الشخصين الوحيدين اللذين يمكنهما أمل هزيمته يضمن له تقمص دور شبه الملك أمام آلاف الرجال. وكان الرجال ينبهرون بسهولة. فإن رأوا مينيكراتس يمشي بلا خوف أمام الصفوف ويشتبك مع جيش بأكمله وحده فقد يشرعون فعلاً في تصديقه.

لا يهم. ولعل الأفضل أن يفعلوه. فسيكون سقوط أثرى وأمتع للمشاهدة.