بعدما فقد جميع الغوردانيّين وعيهم على الأرض، لم يبقَ الكثير لفعله حقّاً أمام هوكي وشريكها. خصوصاً عندما لحق هوكمان بأميلي إلى مختبرها لتأمين ما بقي هناك، تاركاً إيّاها معي لتساعدني في تضميد جروحي بعد انتهاء القتال.
"آه!"
تمتمت هوكي وهي تحاول تربيت شيء على وجهي مجدّداً: "كفّي عن التلوي، أيّتها الفتاة. لا نريد أن تُصاب أيّ جروح بالتهاب."
تذمّرت: "ولكن لمَ يجب أن تحرق هكذا!؟"، غير أنّ كلامي ذهب أدراج الرياح.
"ربّما في المرّة القادمة تصدّين الضربات بشيء آخر غير وجهك."
عبستُ في وجه نقدها غير المبال, وفي الوقت ذاته، لم أجد رداً. لذا غيّرت الموضوع.
"إذن، ماذا ستفعلين برجال السحالي أولئك؟ أستضعينهم في سجن بشريّ؟ أم تسلّمينهم للفانوس الأخضر؟"
قالت هوكي بشرود: "سننقلم إلى سجن عسكريّ ثاناغاريّ. لقد قُبض عليهم وهم يعملون على سلاح مخصص لاستهدافنا، لذا فنحن من يقرر كيف نتعامل معهم."
ونظرت إليَّ نظرة.
"إلّا إذا كانت لديك فكرة أخرى؟ لقد تعاملتِ مع معظمهم لذا لكِ الحقّ فيهم. أو يمكنك تسليمهم مقابل مكافأة زهيدة."
هززتُ رأسي رفضاً لعرضها. لم تكن لدي أيّ فكرة عمّا أفعله بحفنة من السحالي الفضائيّة، ولم أكن أريد تحمل مسؤولية معرفة ذلك. بإمكان هوكي وشريكها التعامل مع تلك الفوضى.
أمّا بالنسبة للمكافأة…
سألت: "أيّ أمل في استبدال المال بالطعام؟ ربّما نزالٌ لاحقاً؟ كنت أتطلع لوجودك في نزالٍ سابقاً ووُجد هؤلاء عوضاً عن ذلك."
تأفّفت هوكي: "ربّما بعد أن ننظّفك ونُلبسك ثياباً جديدة. وبعد أن ننتهي من كلّ الأوراق التي ستخلفها هذه الفوضى أيضاً. جلب حراسة سجون إلى هنا مباشرة سيكون…"
وراحت تتمتم بكلمات غير مفهومة.
لكنّ شيئاً ممّا قالته أزعجني. ما العيب في ثيابي؟
وبما أنّ هوكي توقّفت عن الوخز في وجهي، خفضت بصري سريعاً لأصيب بصدمة خفيفة ممّا رأيته.
كنت أتوقع بعض التلف؛ فالملابس العادية لا تنجو عادةً من المعارك التي يُقذف فيها المرتدي عبر الجدران دون خدش. لكنّني لم أكن أتوقع أن يصبح قميصي مجرّد خرق بالية معلقة بجسدي بخيوط حرفيّة.
وسراويلي! سراويلي المجيدة المليئة بالجيوب تمزّقت كلها هي الأخرى!
كانت إحدى الساقين مفقودة تماماً، والأخرى ممزّقة لدرجة أنها بدت كحفنة قماش متدلية عند الكاحل بالكاد. وكلّ تلك الجيوب… بالكاد استخدمت والآن ضاعت إلى الأبد.
قلت بنبرة مظلمة: "حسناً، سأعود حالاً. عليَّ قتل المشرف بسرعة فائقة"، وحاولت التقدم بخطوات ثقيلة نحو الفاقد وعيه ليوقفني على كتفي هوكي غير المكتثرة.
أمرت: "لا إساءة معاملة للأسرى. إنها مجرد ملابس. وليست مسألة كبرى."
حدّقت فيها بغضب لكنني قررت تجاوز الأمر. سيُؤخذ بثأر جيوبي لاحقاً.
بعد قليل، انتهت هوكي من الإسعافات الأولية وعاد شريكها وأميلي من تفقد المختبر. لم يبقَ سوى تأمين الغوردانيّين والانتظار لأيّ وسيلة نقل يحتاجونها، وهو ما تركتُه بسعادة لهوكمان بينما كنت أناكف هوكي لتأخذ أميلي إلى منزلها كي أطالب بمكافأتي. يستحق ما جرى له لسرقته نهاية معركتي.
-o-
سألت بينما أنهت هوكي حديثها مع الشرطة: "إذن، طعام؟"
خلافاً لتوقعاتي، لم نكتفِ بتوصيل أميلي إلى منزلها وننهي اليوم. بل انتهى بنا المطاف بأخذها إلى مركز للشرطة لكي لا تتمكن من حلّ إشكالية بلاغ المفقودين فحسب، بل لتتحدث أيضاً مع بعض المختصّين بشأن تجربتها في الاختطاف على يد رجال السحالي الفضائيّين.
وهو ما كان عليَّ توقعُه ربّما نظراً لأنّ هوكي بطلة خارقة بحقّ. حصلتُ حتى على ملابس بديلة من وراء ذلك، لذا لم يكن الأمر سيّئاً للغاية حتّى لو استغرق وقتاً.
وقد استحق الأمر العناء لأنه كان مضحكاً للغاية الاستماع إلى حفنة من رجال الشرطة وهم يحاولون مناداة سيدة الطيور المفتولة العضلات والصارمة المظهر «هوكجيرل»
بوجه جامد. عجز أحدهم عن إخفاء ضحكة، وعندما حدّقت فيه هوكي مطالبة إياها بمعرفة ما يضحكه في اسمها، أقسمتُ أن الرجل كان على وشك الذوبان ليصير بركة ماء!
اكتفت المرأة الكبيرة بتنهيدة وتوجهت نحو أميلي. تبعتها إذ أردت على الأقلّ توديع العالمة المتذمرة قبل رحيلي.
سألت أميلي بقليل من النفاد بمجرد أن رأتني: "أتطلبين شيئاً آخر؟ إن كان الأمر كذلك فالرجاء الإسراع، فكلّ ما أرده هو العودة للبيت وأخذ أطول وأسخن حمام أستطيع تحمله والنوم لأسبوع."
أجابت هوكي وهي تناوله بطاقة عمل: "لاشيء محدّد. لكن إن تذكرتِ أيّ شيء آخر له صلة بعملك أو بالغوردانيّين، فاتصلي بنا."
عرضتُ: "يمكنكِ الانضمام إلينا لتناول الغداء أيضاً. هوكي تدفع لذا لا داعي للقلق بشأن المال."
تجاهلتُ الصوت المخنوق الذي أصدرته المرأة المجنّحة لإيذائي لمحفظتها، لكنّ العالمة تجاهلتني تماماً.
وتمتمت في النهاية قبل أن تقطع كلامها تماماً وترميني بنظرة: "أشكّ في تذكري لأي شيء لم أتطرق إليه بالفعل، لكنّني سأبضع ذلك في الحسبان. سأملك ما أتفاخر به أمام أختي على الأقل. ’علماء الفيروسات لا يفعلون شيئاً مثيراً قط‘ تبا ل—"
وقاطعت كلامها تماماً.
لّوحتُ لها بالمثل.
تداركت وضعها بسلاسة: "صحيح، على أيّ حال، سأبقيك في بالي."
اكتفت هوكي بالإيماء وابتعدت لتخبر الشرطة بأنّها مغادرة. ورغم عدم رغبتي في ترك تذكرتي للطعام تفلت، لوّحتُ لأميلي توديعاً مجدداً مع نصيحة بألا تختطف مرة أخرى، أو بأن تستعد بدنياً بشكل أفضل في حال حدث ذلك.
استمتعت برعشة عينها المنزعجة لسماع نصيحتي وتجاهلت نظرتها الحارقة. إذا أرادت تجاهل النصيحة الجيدة بعد اختطافها من قبل فضائيين فلا تنوي إقناعها بالعكس.
-o-
بعد أن فرغنا من الوداع تمكنت أخيراً من إيجاد مكان لتناول الغداء. لم يكن شيئاً مميزاً مثلما فعلت مع الفلاش أو تلك المرة مع دونا لكني لم أكن لأتذمر. كانت وجبات برجر بيلي كبيرة جيدة جداً بالنسبة لمطعم سلسلة وبرجر اللحم المقدد الثلاثي كان ضخماً لدرجة اضطررتي معها لأخذ وقتي في تناهشه.
حصلت هوكي على وجبة عادية الحجم وكانت تلتهمها ببطء.
انتابني شعور أنها لم تستمتع حقاً بالطعام المليء بالدهون.
لم تكن مثل الفلاش أيضاً الذي كان يثرثر عن أمور عشوائية لفترة كلما التقينا. بمجرد أن انتهت من الأكل انتقلت مباشرة إلى الجد.
"حسناً، ماذا تريدين؟"
"قاتليني."
رددت فوراً وأنا أصنع لها عيني الجرو لزيادة التأثير.
للأسف كانت تلك النظرات تقل فاعليتها كلما كبرت وكانت هوكي منيعة ضدها في الغالب. مدت يدها ونقرت جبيني بألم. فوق إحدى الجروح التي أصبت بها تماماً!
"آه!"
قالت بلا رحمة: "إن كان هذا يؤلمك فلست في وضع يسمح لك بافتعال المزيد من المعارك. ليس لدي وقت على أي حال. يجب أن أعود وأساعد شريكي في تنظيف ذلك الموقع المتقدم. إذا كنت تريدين مقاتلة أحد فازعجي شخصاً آخر."
من ناحية كان ذلك عدلاً ولم أستطيع لومها حقاً على أداء عملها. لكن من ناحية أخرى كان ظلماً تاماً واستحققت عناية أكبر لإنقاذ فصيلتها من سلاح بيولوجي! ومن ناحية ثالثة لا توجد لها أي صلة تذكرت للتو أن سوبرمان يدين لي بيوم كامل من التدريب لم أتقاضه بعد. وبما أنني أثبت لهوكي بالفعل أنني بخير بعد قصة المختبر فلا يوجد سبب يمنعني من الذهاب لتحصيل حقي.
اندفعت قائلة: "مهلاً لقد تذكرت للتو شيئاً، يجب أن أذهب سعيد برؤيتك وداعاً!"، والتقطت ما تبقى من طعامي وابتلعته قبل أن أطير خارج الباب.
كان لدي بطل آخر لأطارده.
نظرت إلى ملابسي المستعارة... رغم أنه ربما يجدر بي الذهاب لتغيير ملابسي إلى زي القتال قبل أن أبدأ البحث عن سوبرمان. الملابس البشرية تتمزق بسهولة شديدة. إن كان زئي الأخير لم يصمد لساعة في معارك بكامل القوة فلا توجد طريقة لأي شيء أملكه أن يصمد ليوم كامل حتى لو تساهلت في البداية.
-o-
أطلقت شاييرا هول ضحكة خافتة من التسلية بينما كانت المراهقة السايانية تهرول لجلب المزيد من المتاعب رغم مداهمتها الحرفية لموقع عسكري مخفي قبل ساعات.
لم تكن تنقصها الطاقة بالتأكيد. لكان الأمر أكثر إمتاعاً لو لم يكن التعامل معها مرهقاً.
مع وضع هذه الفكرة في الاعتبار أخرجت جهاز الاتصال الخاص بها وضغطت على زر، "هوكلير تنادي الفيلق، لقد وجدت كاليفا. انتهى بها الأمر بتحطيم موقع جورداني والمطالبة بمبارزتي. رفضتها لكن يبدو أنها تذكرت نوعاً من خطة الطوارئ وهربت مرة أخرى."
رد صوت سوبرمان: "هل بدت بخير؟ كنت مشغولاً للغاية بعد حادثة المختبر وبدت منزعجة للغاية. لقد اختفت قبل أن أتمكن من الاطمئنان عليها."
قلبت شاييرا عينيها.
"بدت لي بخير."
أحياناً يكون مستوى التدليل الذي يمنحه رفقاؤها لأتباعهم سخيفاً بعض الشيء. بالطبع يحتاج الأطفال إلى شبكة أمان في حال حاولوا القفز إلى أمر ما قبل أن يكونوا مستعدين. لكن بقية أفراد الفيلق بدا مصممين على إمساك أيديهم لمنعهم من التعرض لأي خدش يذكر.
لم تكن شاييرا بحاجة حتى للتدقيق في مختلف المساعدين لتدرك أنهم كانوا يتذمرون تحت قيود مرشديهم.
قد لا تكون مهتمة بتدريب مساعد بنفسها لكنها كانت تعلم أن الاستمرار في تجاهلهم سيصبح مشكلة قريباً. خاصة مع مدى التعمد الذي بدا أن بعض المرشدين يتصرفون به تجاه شكاويدهم. ولهذا السبب كانت سعيدة لأن التعامل مع كاليفا كان بهذه السهولة. إما أن تطعمها أو تقاتلها أو تمنحها إلهاءً وسترى كم هي حريصة على الاستماع.
سأل سوبرمان: "هل أعطت أي مؤشر إلى أين كانت ذاهبة؟"
"لا ولكن بالنظر إلى سرعة اندفاعها فلن يفاجئني إذا كانت متجهة مباشرة إلى أي مكان كانت تفكر فيه. لم تعدها بمقاتلتها أو شيء من هذا القبيل أليس كذلك؟"
"آه... لا أظن ذلك؟ من ناحية أخرى كنت أكثر تركيزاً على موقف الاستنساخ في المرة الأخيرة التي رأيتها فيها لذلك ربما قلت شيئاً ونسيته. لكن هل أنت متأكدة أنها بخير؟ هل تحدثت عن النسخة على الإطلاق؟"
تذمرت شاييرا من الأسئلة. كان الكريبتوني شخصاً طيباً لكنه بدا عاجزاً عن استيعاب عقليّة تميل أكثر إلى الفنون القتالية. ما لم يقم شخص ما بالعبث بمشاعر كاليفا تحديداً فمن المرجح أن الفتاة قد تجاوزت الحدث بالفعل.
"كما قلت بدت بخير. لا شيء عن النسخة أو المختبر. أما أنت فمن الأفضل أن تتأكد مما إذا كنت قد وعدت بشيء ما. فهي لن تتردد في تفجيرك خارج السماء بخلاف ذلك."
استطعت سماع ضحكته الطيبة عبر جهاز الاتصال.
"نجل، ربما تفعل ذلك حقاً. شكراً على التنبيه سأراقب الوضع. لكن إذا عادت إليك أولاً فهل يمكنك إخبارها أن وندر وومان كانت تبحث عنها؟ شيء ما يخص صديقة في جزيرتهم."
تذمرت شاييرا قائلة: "لست فتاة رسائل"، لكن كلاهما كان يعلم أنها لن تقول لا.
حاول سوبرمان تبادل أطراف الحديث، لكن شايرا لم تكن تمزح حين أخبرت كاليفا أن أمامها المزيد من العمل. ردت بفتور على سوبرمان ثم قدمت تقريراً موجزاً عما عثرتا عليه في جبال روكي وأنهت الاتصال، نظفت الطاولة، واستعدت للتعامل مع الجزء الأكثر إزعاجاً في عملها.
الأوراق الرسمية.