تنفست ببطء وركّزت على طاقتي، محاولةً استشعار استجابتها لشتى الضربات والوخزات ريثما أدفعها لتنفيذ مرادي. كنت أزاول هذا منذ مدة، لكنني ظللت أتلمس طريقي اجتهاداً. اختلف هذا الأمر تماماً عن التقنيات المعتادة.
بدل جمعها في نقطة واحدة وتركها تنفجر، ركّزت على توزيعها بانتظام في أنحاء جسدي. ما إن اطمأننت للنتيجة حتى عزمْت على رفع طاقتي بأكبر قدر ممكن من السلاسة.
كان ينبغي نظرياً أن—
فقدت الطاقة استقرارها في ومضة واندفعت بلا توقف في كل اتجاه. فتحت عينيّ مقطبة الحاجبين في وجه الحفرة الصغيرة التي جلست وسطها.
فشل مجدد.
"يا للهول، لا أستطيع فهم هذا!"
تذمّرت، ملقية بنفسي على ظهري ومتقلبة يميناً ويساراً بينما أشدّ خصلات شعري. لمَ كانت التقنيات الخالية من تفجير الأشياء أصعب بمراتب؟! ومما زاد الطين بلة عجزي عن إيجاد أحدهم لمضايقته وتعليمي موضع خطئي، فما من أحد عرفته يستعمل الطاقة!
ألعلي أجوب الصين قليلاً لأرى إن عثرت صدفة على طائفة متصوفة أو ما شابه؟ أوجودٌ لمثل هؤلاء هنا أصلاً؟
تمددت على الأرض مطلقة زفرة، واقتطعت برهة أتأمل السحب المارة.
ربما بدت الصين مثيرة للاهتمام، غير أنهم لا يُعلنون عن أصحاب القدرات الخارقة كما تفعل أمريكا. سيقتضي الأمر مني تمشيط البلاد بأسرها بحثاً عن ضالتي. هذا إن لم يكونوا متوارين في بعدٍ جانبيّ يجعلني أعبر بجانبهم مباشرة. لم يعثر جهازي الكاشف على شيء على أي حال، وهذا مزعج حقاً لكونه الوظيفة الوحيدة المفترضة فيه، ليغدو عديم الفائدة ساعة الحاجة.
مما يعني إضاعتي لمزيد من الوقت بلا طائل تائهة في الجبال الصينية. لا تبدو تلك متعتي المفضلة حقاً. وإن اصطحبتُ دونا أو بعض فرقة المساعدين ربما؟
يمكننا جعلها رحلة تدريبية متكاملة! أجد من يعلمني الأساليب الأعجب لطاقتي. نجرب أنا ودونا أصناف الطعام المختلفة، ويُرجح أن يستمتع فتى البرق بذلك أيضاً. وستميل الطيور السريعة والريشية على الأرجح لرؤية الأقواس السحرية وعصي البو. وأما فتى الماء...
حسناً، سيجد على الأرجح ما يثير اهتمامه في مكان ما. لم أكن أعرف الشبيح حقاً بعد.
كلا، ما زالت دونا في ثيميسكيرا ومنتصف الأسبوع يعني غالباً وجود المساعدين في مدارسهم...
والجلوس في الغابات محاولة إنجاح هذه التقنية إضاعة محضة للوقت حالياً. لذا باء التدريب بالفشل.
ثمة أمور بديلة بمتناولي، كتدريبات السرعة والقوة وتحكم الطاقة، وإنهاء قرص الدمار... غير أن شيئاً منها لم يبدُ ممتعاً في هذه اللحظة.
احجت لعمل ما يتيح لي الاسترخاء وتصفية ذهني بغية العودة للتدريب لاحقاً.
حسناً، حان وقت إزعاج سوبرمان إذن.
-o-
تكمن مشكلة الصحفيين في ميلهم لمغادرة الأماكن بحثاً عما يُنشر. إنهم لا ينتظرونني بارتياح داخل مبنى ديلي بلانيت لأمرّ عليهم.
أمضيت شطر الصباح أطوف متروبوليس بحثاً عن سوبرمان، وهي مهمة أصعب بكثير حين لا يحلق في الأجواء ولا أكاد أتيقن من وجوده بالمدينة. عثرت عليه أخيراً داخل سيارة تقطع الساحل برفقة لويس ورجل عجوز سمين.
بدا أن الانتظار سيطول. لا يمكنني مناداته الآن وفضح هويته السرية. رغم كونه وغداً وشريراً غالباً، تظل قواعد الهوية واجبة الاحترام. فضلاً عن محبتي للويس، فلا أريد إغضابها لكشف سرّ حبيبها لعجوز عشوائي.
حسناً، أأدركت لويس بعد أن سوبرمان وكلارك كينت شخص واحد؟ لا أظنني سألت يوماً...
قاطع دويّ هائل أفكاري، فخفضت بصري لأرى شاحنة تندفع بجنون نحو السيارة. انفجر أحد إطاراتها وفقد السائق السيطرة، فلم أملك سوى لعنة الوضع لكوني أبعد من أن أقدم عوناً حقيقياً.
كانت لويس هناك لذا لن يدع سوبرمان كارثة حقيقية تقع، غير أن تفسير الأمور سيبدو محرجاً بحق.
كافح سائق الشاحنة لتفادي الاصطدام بالسيارة الأصغر حجماً ونجح جزئياً، لكن انعدام المساحة حال دون تفادي المركبتين للاصطدام حتى بمدى ردود أفعال سوبرمان. اصطدم المصد الأمامي الأيسر للشاحنة بمؤخرة السيارة اليسرى ليدفعها في دوران قبل أن تحطم الحاجز الواقي وتتوقف. لم تتقدم السيارة سوى مسافة قصيرة قبل اصطدامها مجدداً بالحاجز، محاصرة جانب السائق وشارفة على السقوط من حافة الجرف.
بيد أن أحداً لم يتبدُ مصاباً، إذ ترجلت لويس والعجوز من السيارة وبدا سائق الشاحنة سليماً. هذا جيد إذن. والآن، كيف أظهر وأُنادي سوبرمان دون فضح هويته و—
*بوم!*
صرخت قائلة: "يا للروعة!"
إذ انفجرت الشاحنة بغتة. نجا الثلاثة وسُدّوا أرضاً فحسب. لكن الانفجار كفى لدفع السيارة من فوق حافة الجرف.
وسوبرمان لا يزال بداخلها.
الأمر ليس بالخطير. لن يؤذيه سقوط طفيف، لكنه سيهشّم بشرياً عادياً على الأرجح. وبسبب توقفي للتفكير إثر الاصطدام، بقيت أبعد من فعل أي شيء! ربما أكتفي ببلوغ المكان بأقصى سرعة ممكنة لنتظاهر معاً بأنني أنقذته تفادياً للأسئلة المحرجة وليكافئني بنزال أكثر جدية.
بالسرعة التي أتحلى بها الآن لن يبدو جلياً أنني لم أُمسك—
طاش ضباب أحمر وأزرق من أمامي وتجمّد عقلي حين رأيت سوبرمان ينهض من فوق الجرف وبرفقته كلارك كينت بهيئة أشعث قليلاً.
...ماذا؟
لم أكن وحدي في الحيرة. كانت لويس تنقل نظراتها بين الاثنين وبدا كلارك مرتبكاً بعض الشيء بوضوح.
قال سوبرمان مبتسماً وهو يضع الرجل الآخر على أرض صلبة: "ها قد وصلت، ربما عليك في المرة القادمة أن تنتبه لخطواتك. أليس كذلك يا سيد كينت؟"
تمتم الصحفي بتعثر: "آه، أجل. سأبذل قصارى جهدي."
...ماذا؟
سأل سوبرمان وهو يتفقد الجميع ونظراته تمر سريعاً نحوي حيث كنت أطفو فوقهم قبل أن يتجاهلني للحظة: "وهل الجميع هنا بخير؟ رأيت الانفجار. ألا توجد جروح أو ما شابه؟"
أكد الأربعة الآخرون سريعاً أن أسوأ إصابة بينهم كانت التواءً في المعصم عندما تعثر العجوز -الذي تبين أنه رئيس لويس- أثناء الانفجار. لم يكن الأمر بحاجة لرحلة فورية إلى المستشفى أو سيارة إسعاف.
ثم جاء دوري.
توترت بينما كان سوبرمان ينظر إليّ، فمنذ أن ابتعد قليلاً عن كلارك كينت أمكنني تمييز أن لهما التوقيع الطاقي ذاته تماماً.
لم يكن ذلك طبيعياً.
قال: "وأخيراً لدينا أنتِ. مع أمني أنني أعرف اسمك."
حدقت فيه ببلادة. لقد أكد ذلك أن أمراً غريباً كان يجري مع هذا السوبرمان.
قلت: "آه، إنه أنا. كاليفا. أترين، السايانية التي تقاتلين معها أحياناً؟"
تجمد سوبرمان وبدا وكأنه يعالج تلك العبارة في ذهنه.
قبل أن أتمكن من محاسبته على ذلك التوقف، قال: "صحيح، صحيح. آسف لذلك، لقد مضى وقت طويل ولم أتعرف عليك. لقد كبرتِ كثيراً! رأيتك تحاولين المساعدة. كان ذلك شجاعاً منك لكن ربما يجدر بكِ ترك الأمور الخطيرة كالمختصين."
مطط صوتي: "...حسنااااااء."
أجل كان هذا الرجل مزيفاً.
لقد رأينا بعضنا البعض حرفياً قبل أيام قليلة.
"على أي حال، يجب أن أذهب. ابقين بأمان وأنت يا لويس! سأكون سعيداً برؤيتك في أي وقت خارج أوقات الكوارث. ربما على العشاء ذات ليلة؟"
قالت لويس متأملة وهي لا تزال ترمقه هو وكلارك بنظرات متشككة: "أهكذا إذن؟ ربما ينبغي لنا ذلك."
"عظيم! إن كان لديك وقت فسأقلك من سطح الكوكب. الثامنة مساءً تبدو مناسبة؟"
"إن استطعتُ الحضور."
راقبت المزيف وهو يطير مبتعداً باتجاه المدينة. لم يكن أي شيء في المحادثة السريعة خاطئاً مقارنة بالمرات الأخرى. لكن هذا الشخص بدا مختلفاً حقاً. كأنه اضطر للتوقف والتفكير في ردود معينة يقوم بها أغلب الناس بشكل طبيعي.
تلك اللحظة التي لم يتعرف عليّ فيها؟ حتى لو لم يكذب بالقول إننا لم نلتق منذ فترة، لكان أي شخص آخر تقريباً قد بدا وكأنه يحاول تذكر شيء ما أو لتلألأت عيناه حين يتذكر.
توقف المزيف تماماً. أشبه ما يكون ببرنامج حاسوبي يتجمد أثناء انتظاره لتحميل استجابة أو كإبرة أسطوانة تقفز خارج الأخدود.
لم يكن هناك سوى أمر واحد يمكنني قوله حيال الأمر برمته.
"كان ذلك غريباً حقاً."