قالَت الأمازونيّة الغاضبة حين استيقظنا وضمدنا جراحنا وجلسنا حول نار صغيرة: "من تكونين بحقّ الجحيم؟".
كان الدفء مريحاً حتّى لو رغبت بشدّة في شيء ألين من جذع شجرة مكسور لأستند إليه. وما زال جسدي يؤلمني برمّته.
قلت: "قاليفا، أنا سايانيّة من كوكب فيجيتا".
"من أين وبماذا؟".
صحيح، أمازونيّة قديمة حُبست في مرآة حتّى ظنّتني وامرأة المعجزة شخصاً واحداً. من حسن الحظّ أن لدي خبرة في شرح هذا لأمازون تميسكيرا الأكثر عزلة.
قالت الأمازونيّة الغاضبة بنبرة يكسوها شيء من الرهبة: "إذن فأنت من خلف النجوم".
وكان هذا خاطئاً ولكنّه قريب بالقدر الذي يمنعني من تصحيحه لها.
"أجل!".
تمتمت: "واو... لقد هزمت محاربة من النجوم. أراهن أن ديانا لم تفعل شيئاً كهذا قط".
وعاودني الغضب منها فوراً. لم تهزمني! بل ربحت الجولة الأولى فقط!
وأضافت وكأنّها فكرة خطرت لها متأخرة: "أه، أنا دونا من طروادة بالمناسبة".
وهو أمر لم يكن مفاجئاً إلى هذا الحدّ صراحةً.
كنت أتوقع شيئاً مشابهآ حين رأيت نسخة أصغر سناً من امرأة المعجزة. وعُرفت دونا تروي بكونها أختها الصغرى أو نسختها أو رفيقتها في اللعب. فكان منطقيّاً أن تكون هي من هي... حتّى وإن لم يفسر ذلك سبب احتفاظها بمظهر المراهقة بينما كانت امرأة المعجزة بالغة ومنذ عقود. مع ذلك، ظنّت دونا أن السنوات المنقضية لم تعدو كونها أعواماً معدودة.
تلك أمور أرجئها لاحقاً، فالحاجة ماسّة لإعادة أحدهنّ إلى حجمها الطبيعي الآن.
قلت بتهكم: "ساعدت امرأة المعجزة في صدّ غزو فضائي قبل عامين. وأكاد أجزم أنها قاتلت حفنة من الفضائيين قبل ذلك أيضاً".
وما إن قلت ذلك حتّى بدا على دونا الارتباك.
"من هي امرأة المعجزة؟".
صحيح، أمازونيّة منفصلة تماماً عن العالم.
"ذاك لقب ديانا الخارق. بدأ مجموعة من الجنود ينادونها به خلال آخر حرب كبرى شهدتها الأرض واحتفظت به. لقد أصبحت مشهورة عالميّاً الآن".
"مهلا، ديانا غادرت الجزيرة؟ وكانت في حرب؟! متى حدث هذا؟!ين!".
تنهدت. سيستغرق هذا وقتاً طويلاً.
-و-
بعد ساعات قليلة تمكنت أخيراً من إحاطة دونا علماً بما يدور خارج تميسكيرا، حتى وإن لم أسهب في تفاصيل كل شيء - فبإمكانها البحث بنفسها لاحقاً إن أرادت.
لكنّنا اكتشفنا أمراً غريباً حقّاً خلال سردي لتاريخنا الموجز. كان الفارق الزمني بين مكاننا والعالم الخارجي مضطرباً للغاية - أه، واكتشفت أيضاً أنني جُررت إلى نوع من الأبعاد الجيبية داخل المرآة بدل أن أتعرض للنقل الآني أو ما شابه. ليس هذا الجزء المهم. - فحسب قول دونا لم يكن يفترض أن يكون هناك أي فرق بين الاثنين أو كان مفترضاً ببعد المرآة أن يكون أسرع قليلاً.
وهو ما فرض عليّ ضرورة ملحة للخروج من هنا، فإذا مضت سنوات في الخارج بينما كنت عالقة في مرآة... سيفوتني الكثير جداً من الأشياء!
غزوات، أبطال جدد، تحالفات، مخططات سيطرة عالمية، ولن أكون حاضرة في أي منها!
إذن الأولوية الأولى. معرفة كيف أخرج من هنا.
ممّا أثار مشكلة أخرى.
"لا سبيل للخروج من الداخل. أظننت أنني كنت سأنتظر هنا لسنوات وحدي لو كان هناك مخرج؟".
طالبت بإصرار: "لا بد من وجود شيء ما. امرأة المعجزة غادرت وعادت على ما يبدو، فكيف فعلت ذلك إذن؟".
"لا أعلم! كانت تختفي من غرفتها وتظهر عشوائيّاً!".
"حسناً إذن أنا أعرف من أين أبدأ البحث...".
-و-
قالت دونا بتجهم وهي تستند إلى أحد الأجزاء الأقل دماراً في الغرفة: "أرأيت؟ لا شيء هنا".
وكانت الغرفة محطمة عن آخرها بحق. لا أظن أن فيها أكثر من شيئين لم يتم تحطيمهما أو قذفهما نحو الجدار.
عاقدت الحاجبين: "لا بد من وجود شيء ما. ليس منطقيّاً أن تكون هذه هي الغرفة الوحيدة التي تستطيع ديانا الخروج عبرها ولا يكون فيها شيء مميز".
"حقاً؟ حسناً، أنت مخطئة. لقد تفحصت هذه الغرفة مئات المرات. ليس هنا شيء".
لم يكن هذا مبشراً بخير. كنت أعول نوعاً ما على وجود بوابة سرية تحت الأرض أو ما شابه ولكن يبدو أن الأمر لن يكون بهذه السهولة. مع ذلك لم أكن استسلم بعد.
"حسناً، كنت محقة. لا شيء هنا. ما مساحة هذا المكان أصلاً؟ هل من بقع مُنعت من ارتيادها أو عجزت عن بلوغها؟".
نأمل أن تنطبق هنا منطق القصص المصورة ويكون هناك مخرج في مكان آخر.
"قالت ديانا إن مساحتها تعادل نصف مساحة تميسكيرا ولا ليس حقاً. لقد تفحصت كل شبر من الجزيرة... ما عدا جوف عرين الوحوش".
انتصبت في وقفتي مفعمة بالحيوية. عرين الوحوش؟ بدا هذا مريباً للغاية وبالتأكيد هو المكان الذي قد يخبئ أحدهم فيه بوابة للخروج من المرآة إن أراد لها ألا تُكتشف. وحتّى لو لم يكن كذلك، فقد بدا مغامرة بحد ذاته.
كان غريباً بعض الشيء ألا تكون دونا قد ولجت إلى الداخل.
"لماذا لم تدخلي؟ لا بد أنك أردت الاستطلاع أو راودك الفضول في مرحلة ما".
حدقت بغضب نحو كومة من الحطام.
"بالطبع رغبت في ذلك، لكنّه المكان الذي تأتي منه كل الوحوش المفترض بديانا وأنا التدرب في مواجهتها. لم نستطع كلتانا مجتمعتين بلوغ العمق بأسره. وبمجرد أن تخلت عني هنا لم أكن قادرة البتّة على فعل ذلك وحدي".
تبّاً، لن أخوض في هذا.
"حسناً أنا هنا الآن فلنذهب ونتفقده! بجهدنا المشترك ينبغي أن نكون قادرات على اكتساحهن جميعاً!".
خفّ تجهم دونا قليلاً.
"ربّما يمكننا... لقد تجاوزت النقطة التي علقت فيها أنا وديانا بمفردي قبل فترة. ولكن ماذا لو لم يكن هناك مخرج بعد؟".
قلت: "لكن ماذا لو وجدنا واحدة؟ أسوأ الاحتمالات أن نذهب ونبرح مجموعة من الوحوش ضرباً ونستمر في البحث. يبدو هذا رائعاً بالنسبة لي!".
لم أكن بحاجة حقيقية إلى عذري كي أستمتع بقتال مجموعة من الوحوش.
رمقتني بنظرة مسرورة.
"أنت سهل الإرضاء تماماً، أليس كذلك؟"
ابتسمت لها عريضاً.
"أجل. مغامرات رائعة، ومعارك جيدة، وطعام شهي، وأنا سايانية سعيدة."
أطلقت ضحكة خفيحة وابتعدت عن الجدار.
"حسناً، الخبر السار هو أنك ستنالين قليلاً من أول أمرين هنا، لكن ليس الكثير من الأخير. لا طعام حقيقياً إلا ما يحضره أحدهم من الخارج، هذا إن لم ترغبي في تجربة أكل الوحوش، وهي سيئة المذاق للغاية. لا حاجة بك للأكل فعلاً، وهو ما يجعل الأمر محتملاً."
حدقت فيها برعب.
تباً للاستمتاع بقتال مجموعة من الوحوش، فقد أردت الخروج من هنا في أسرع وقت ممكن وبصورة أكبر الآن. كان هذا بلا شك نوعاً من أبعاد الجحيم.
-o-
لم يكن هناك ما يُقال كثيراً بينما كنا نحلق نحو مدخل عرين الوحوش الذي تحدثت عنه دونا. كانت رحلة قصيرة ولم تكن المناظر مثيرة للاهتمام حقاً.
لقد تصادف أن واجهنا سرباً آخر من طيور القتل، لكن لم تكن أي منا تشعر برغبة حقيقية في التعامل معها، لذا انتهى بي الأمر بقصفها بطاقة الكي قبل أن تتمكن من الاقتراب.
إذن، أصبح الأمر مقتصراً علي أنا، وصديقتي الأمازونية الجديدة، وشيء يشبه معبداً مهجوراً به حفرة في الأرض. حسناً، كانت أشبه بدرج، لكن مع ذلك...
"إذن هذا هو؟"
أومأت دونا برأسها.
"أجل، يبدو أنه مبني على متاهة كريت. لست أدري. قالت ديانا إننا سنذهب لاستكشاف الحقيقية ذات يوم، لكننا رأينا كيف انتهى ذلك."
أنهت كلامها بنبرة مظلمة.
تنهدت مثلما أفعل كلما أصبحت على هذه الشكل.
"مثلما قلت لك، لم تكن المرآة في ثيميسكيرا حتى. لقد سرقها بعض اللصوص العاديين بعد أن كانت لا أحد يعلم أين. لا علم لك إن كانت وومان تركتك وحدك عمداً".
ولم يكن ذلك يشمل المواقف الأكثر غرابة مثل كون المرآة قادمة من بعد آخر أو ما شابه. يمكن أن يكون الكون مكاناً غريباً.
كنت موجودة بعد كل شيء.
انتظري، لا، بدا ذلك خاطئاً. لم أكن غريبة لمجرد وجودي!
تذمرت دونا، غير آبهة بالضربة الذهنية التي وجهتها لنفسي: "إذا عثرنا حقاً على طريق للخروج من هنا، فلربما نعرف".
"لكنني لا أريد التحدث عنها الآن".
إذن لماذا أثرتِ سيرتها؟
"فلنركز فقط على اجتياز هذا."
سألت وأنا أنط بخفة من قدم إلى قدم: "ما الذي سنعبره إذن؟"
كنت أريد التحرك بالفعل!
"في الغالب متاهة بسيطة. لكن توجد أحياناً غرف أكبر فيها خصم سيتعين علينا هزيمته لنتمكن من التقدم. إن أصبح الأمر صعباً للغاية فسيتعين علينا التراجع عبر الغرف التي أنظفناها بالفعل، وستظهر وحوش جديدة فيها عاجلاً أم آجلاً."
إذن كان الأمر يشبه زنزانة في لعبة فيديو. كان ذلك أنيقاً.
"أهلّ هناك فخاخ مخفية وصناديق مليئة بالكنوز أيضاً؟"
أطلقت دونا ضحكة خفيحة.
"لا؟ لما قد تكون هناك؟ كانت هذه أداة تدريب لديانا لتتدرب على القتال ضد الوحوش وليست نوعاً من الأفخاخ القاتلة أو اللعبة... مع ذلك فقد ذكرت أنه كانت هناك نوع من الجائزة في نهاية المتاهة لكننا لم نعرف قط ماهيتها."
بدا ذلك منطقياً نوعاً ما. كانت ميل تمنحني تدريباً مشابهآ من حين لآخر، حيث أستحق حق امتلاك أو ارتداء شيء ما في النهاية. مثل المرة التي أطلقت هي ومجموعة من صديقاتها الأسهم علي، ولم يُسمح لي إلا بصدّها بزوج من الواقيات دون التحرك من دائرة بالغة الصغار. أظن أنه كان عذراً لإطلاق النار علي أكثر من كونها تدريباً حقيقياً، لكن سُمح لي بارتداء زوج من الواقيات مثل بقية الأمازونيات بعدها.
حتى إنني حصلت على زوج خاص بي كهدية.
فقط لم أكن أرتديهما لأنهما تبدوان غريبتين.
"حسناً، فلنتحرك إذن."
ومن ثم نزل اثنتانا الدرج.
لم تبدُ دونا متأثرة أو متحمسة، وهو ما كان منطقياً لو كانت قد نزلت إلى هنا كثيراً، لكنني كنت أتطلع في كل اتجاه وأرتجف شبه متأثرة بالحماس.
كيف لا أكون كذلك؟! كانت زنزانة خيالية مليئة بمخلوقات أسطورية وُضعت هنا خصيصاً للمساعدة في تدريب فتاة أمازونية صغيرة! لم أطيق الانتظار لررى ما سنواجهه أولاً!
ولحسن حظي، لم اضطر لذلك!
بما أن هذه لم تكن نوعاً من المتاهات السحرية المتغيرة، كانت دونا تعرف الطريق بالفعل وكنا خارج أول غرفة تحدٍ في دقائق معدودة.
فتحت الأبواب واندفعت للداخل.
على الجانب الآخر كان هناك شخصان شبيهان بالسايان بساقين مكسوتين بالفراء، وحوافر، وقيون بارزة من رأسيهما.
لقد عرفت ذلك! ساتير!
في حماستي، تخطيت سؤال دونا حول أي منا سيبدأ وانطلقت إلى الأمام. لم يتحرك أي منهما كثيراً سوى تتبعي بينما كنت أندفع إلى أحد الجانبين، وظهرت كرة كي صفراء في كفي.
توقفت بمجرد أن ابتعدت بالقدر الكافي إلى الجانب بحيث يُجبر أحدُهما على الالتفاف حول شريكه ووجهت يدي نحوهما. انحنى الساتير الأقرب إلي استعداداً لتلقي هجومي بينما أطلقت دفعة كي.
رفع الساتير ذراعيه للصد... وتلاشى في الهواء فوراً بفعل الهجوم البسيط.
...وكذلك فعل الذي خلفه.
...
...
"...هاه؟"
أطلقت دونا ضحكة خفيحة من خلفي.
"صُممت المتاهة لتدريبي أنا وديانا عندما كنا طفلتين صغيرتين. أظننت حقاً أنه سيكون هناك شيء قوي في الغرفة الأولى؟"
أه، أظن أن ذلك بدا منطقياً.