طرفْتُ بعيني وأنا أتأمّل ما يحيط بي.
قبل ثانية كنتُ في غرفة آمنة خفيّة مع ثلاثة لصوص عشوائيين وباتمان ودماغ الطائر…ثم أصابني في وجهي شعاع سحري من مرآة قديمة وأنا الآن في مكان آخر بالكامل.
ما يعني أنني إمّا نُقلت بالانتقال الآني بواسطة مرآة سحرية وإمّا أنني صرتُ ميتةً حقّاً.
…لا توجد حياة آخرة كثيرة تشبه غابة عشوائية (على ما أظنّ)، لذا سأرجّح الانتقال الآني حتّى يثبت العكس.
بات الأمر الآن مسألة مكان.
حلّقتُ مباشرةً نحو الأعلى لألقي نظرة أفضل، وكل ما استطعتُ قوله هو أنني في غابة حقّاً. لا معالم حقيقية — أو معالم تعني لي شيئاً — ولا أثر لطرق أو طرق سريعة، ولا جبال على مدى بصري. لا شيء يمكنني استشعاره أيضاً، سوى بعض الحياة البرية العادية تقوم بتصرفات الحيوانات العادية، كسرْب الغربان الآتي نحوي مباشرةً…
ضيّقتُ عينيّ حيال ذلك.
لم يكن للغربان سبب لتأتي وتزعجني في منتصف السماء، كما أنها لم تكن بحجم الكلاب الصغيرة، ولم تكن عيونها متوهّجة بالحمراء ومناقيرها مسنّنة عادةً…لا أظنّ تلك الكائنات غربانًا.
انطلق أحدها للأمام أسرع من أقرانه وحاول تخطّطي بمخالبه. رددتُ بأن فجّرتُ وجهه بشعاع طاقة.
أظنّ أن أقرانه لم يعجبهم ذلك، فبدل أن استديروا ويطيروا بعيداً وجدتُ نفسي محاطة بسرب منها.
صرختُ بحدة: "أيها الحمقى، توقفوا!"
إذ جذب أحد الطيور شعري بينما حاول آخر نقر عيني.
أردفتُ: "أيها الأغبياء الطائرون، كفّوا عن هذا حقّاً!"
حاول طائر ثالث ضربي في بطني، فلكمته في وجهه.
انفجر الكائن الأبله إلى سحابة من الريش الأسود لكنني شعرتُ بألم حاد في يدي بعد ذلك مباشرةً.
هـاه، كنتُ أنزف. ملحوظة لنفسي: لا تكمنيهم في مناقيرهم، فهي حادّة بحقّ.
الخبر السار هو أن الغربان، طالما لم أكن أساعدها، لم تكن بقوة تؤهلها سوى لإحداث خدوش سطحية بي. الخبر السيّئ هو أن تلك الخدوش كانت مؤلمة بحقّ! وبغضّ النظر عمّا فعلته — تفجيرهم حتى الرماد، أو ضربهم بقوة تكفي لانفجارهم فعلياً، أو إمساكهم وتمزيقهم نصفين بأيدـي — لم تستوعب الغربان رسالة الابتعاد وحسب!
وبدا الآن أن أعدادها ازدادت بطريقة ما!
"فرصة أخيرة للرحيل أيها الطيور البليدة، وإلا سأ—"
اضطررتُ للي رأسي جانباً لتفادي أحد الغربان الأكثر سرعة، لكنني شعرتُ مع ذلك بثلاثة خدوش جديدة تفتح تحت عيني اليسرى مباشرةً.
…
أجل، لقد اكتفيتُ تماماً من هذه الآفات المجنّحة.
"أنتما من طلبتموها!"
جمعتُ حزمة من طاقتي في منتصف صدري وسمحتُ لها بالانفجار في انفجار مدوٍّ واحد. لا مبالاة بوجود سرب منها يطير ممّا يصعب إصابة واحد منها إن أصبتُها جميعاً!
والأفضل من ذلك؛ لقد نجح الأمر!
اختفت كرة الطاقة الصفراء ولم يبقَ اثر لواحد من تلك الغربان البتة. أكّد استشعار الطاقة الخاص بي ذلك، لا مزيد من الغربان الغريبة في السماء. في الواقع لم يكن هناك شيء سوى ذلك الأثر الذي يقترب منّي بسرعة — آه، للتبّس.
شيء قوي وسريع وشبيه بالسايان طرحني أرضاً من الجو واستخدممني جرافة لبضع مئات من الأقدام على الأرض أدناه. كنتُ مهزوزة بالقدر الكافي لدرجة أنني عندما أمسكتني يد من مقدمة قميصي وانتشلتني من التراب، حدّقتُ ببلادة تامة في مهاجمي.
ومما يثير الصدمة كانت أمازونية.
قضيتُ وقتاً كافياً في ثيميسكيرا لأتعرّف على الملابس المختلفة التي يرتدينها. والفتاة التي فوقي كانت ترتدي بالتأكيد أحد أزيائهن التدريبية.
وما يزيد صدمة، بدت كنسخة أصغر سناً من المرأة المعجزة. وغاضبة. بدت غاضبة جداً أيضاً.
صرخت في وجهي قائلة: "ألديك أدنى فكرة عن المدة التي انتظرتُك فيها؟! لقد انتظرتُ سنوات يا ديانا! وتركتِني هنا وحدي!"
قبل أن تدرك أن الشخص الذي تمسك به ليس من توقعته.
"انتظري…أنتِ لستِ ديانا…من أنتِ؟"
أجبتُ بصوت محشرج: "مستاءة حقّاً."
وفعلتُ الشيء الوحيد المنطقي في موقف كهذا. لكمتُها بقوة شديدة في وجهها.
طارت الأمازونية للخلف مخترقة عدة أشجار بينما انتشلتُ نفسي من الخندق الذي كنتُ فيه. أطاحت ومضة هالة سريعة بمعظم التراب عنّي ثم حلّقتُ خلف مهاجمتي.
وجب عليّ الاعتراف، إنها تتحمل الضربات. فحتى بعد اجتيازها عشرة أشجار كانت مستعدة لضربتي اللاحقة وصدّت لكمتي التابعة باحتراف. وصدّت التالية أيضاً وسددت لكمة من طرفها. انحنيتُ تحتها وركلتُ رأسها. هذه المرة صدّتها، لكنها ارتكبت خطأ الاستعانة بالأرض لتثبيّت نفسها.
انهارت الأرض تحتها وأصدرت أنّة جراء الجهد المبذول لمنعي تماماً من اصابة وجهها. سدّدت لكمة أخرى لكنني فاجأتُها بالانخفاض أكثر، متوهّجة كرة طاقة في يدي. لم تكن كاميهاميها، لكن الشعاع الأصفر الساطع جعل الأمازونية الغاضبة تطير في الهواء مرة أخرى.
كما نسفت جزءاً صالحاً من الغابة، لكن ذلك لم يكن ذنبي.
ولم يفعل ذلك الكثير لخصمي للأسف الشديد، خلافا لتوقعاتي. إذ إن تسعين بالمائة من الأمازونيات على الجزيرة على الأقل كنّ ليصبن بكدمات طفيفة إثر ضربة كهذه، لكنها كانت بخير تماماً.
رسمت ابتسامة عريضة على وجهي.
بدأتُ هذا القتال مستاءة لأنني تعرضتُ لهجوم غادر بعد التعامل مع تلك الطيور اللعينين، لكن بدا الآن أنني سأتمكن حقّاً من اطلاق العنان لنفسي ضد شخص يمكنه التحمل. توهّجت هالتي مرة أخرى بينما كففتُ عن كبح طاقتي واستعددتُ لمعركة جادة.
…رغم أنني يجب أن أعرّف عن نفسي على الأرجح — انتِظري، أهذه شجرة؟
اصطدم بي جذع إحدى الشجيرات المتناثرة حولنا في صدري كأنه مجنبة حصار. لم يؤلمني حقاً بفضل طاقة الكي المتدفقة في جسدي، لكن الأمازونية الغاضبة ردت التحسّن بكل تأكيد فقذفتني محطّمةً بي بضع شجيرات أخرى قبل أن أرتطم بصخرة وأتوقف تماماً.
حضرت الأمازونية الغاضبة في لمح البصر وسددت لكمة أخرى فوراً. تلقيتها في وضعية حراسة متقاطعة، وعلى الرغم من حالتي المعززة، شعرت بعظام ذراعي تحتك من قوة الوقع.
سألت الأمازونية الغاضبة بنبرة أقل غضباً من ذي قبل: "أنهيت إمساك نفسك؟".
رددت: "فقط إن كنتِ أنتِ كذلك".
قلتها مجازاً في الغالب، لأن تلك الضربة الأخيرة ستترك كدمة على الأقل بكل تأكيد.
"لم تري شيئاً بعد!".
باغتتني ركلة من تحت حراستي وأطارتني عبر الصخرة التي كنت استند بظهري إليها. عادت الأمازونية الغاضبة لتعتليني في نصف ثانية، لكنها بالغت في المد فتمكنت من الإمساك بها قبل أن أهوي بوجهها مباشرة على الأرض. ردت بضربة مرفق وحشية أصابتني في أسناني وشقت شفتي.
ما كنت لأدعها تفلت بذلك فنطحتها في وجهها فوراً مسيلاً دماء أنفها.
استمر قتالنا على تلك الحال.
كان أحدنا يسدد ضربة موفقة فيجبره الآخر على دفع الثمن. لكن تلك الضربات أخذت تقل وتتباعد كلما استوعب كل منا أسلوب قتال الآخر.
ما هي إلا لحظات حتى صرنا نتبادل الضربات على دفاعات بعضنا البعض أملًا في تسلل شيء عبر جدار الصصدّات والتفادي والهجمات المضادة والمناورات. أو يلتقط أحدنا شجرة ليستخدمها مضرباً للاستعمال لمرة واحدة وبسرعة.
…ربما كنا قساة بعض الشيء على الطبيعة المحيطة. لو كان باتمان أو وندر وومان هنا لكان نصيبي محاضرة طويلة جداً عن الأضرار الجانبية، لكنهما لم يكونا هنا، لذا كان الأمر على ما يرام!.
بعد حين — إذ فقدت حساب الزمن بعد المرة الثالثة التي قُذفت فيها عبر صخرة — وقف كل منا بمعزل عن الآخر في ساحة مقفرة تبدو كأنها موقع تجارب قنابل لا غابة، نلهث ونحاول ألا ندع الدم والعرق المنهمرين في أعيننا يفسدان مباراة التحدق القائمة بيننا الآن.
لم يحاول أي منا تبادل الاستفزازات اللفظية مع الآخر.
كنا أضيق وقتاً من أن نسمح لسقوطنا بالحدوث لقاء ذلك.
وبصراحة؟ لعلها أمتع معركة خضتها... على الإطلاق. بل حتى أفضل من تلك التي خضتها مع هوكي لأنها كانت ضد شخص لا يكبرني بأكثر من عقد، ولا يعتمد على أداة أو خدعة ما، وتستطيع مجاراتي.
شعرت بها عميقاً في أضلاعي المتصدعة وربما المكسورة، الضربة القادمة ستكون هي الحاسمة. لم يتبق لدى أي منا شيء.
خلافاً لعشرات المرات الأخرى التي تقاذفنا فيها، لم تتهدم الأرض من تحت أقدامنا. لم تتصدع حين غرسنا قدماً وأطلقنا... آخر... لكمة...
رأيت النجوم حين أصابت قبضة الأمازونية الغاضبة وجهي أولاً، فذراعاها الأطول منحتاها أفضلية.
سمّها غروراً، أو عناداً، أو مجرد غباء يمنعني عن الاستسلام؛ ناضلت لأحافظ على وعيي دافعاً بقوة متخطياً قبضتها لأرد التحية فقط. ارتد رأسها بعنف إلى الجانب تماماً مثلما حدث معي ثم وقعنا كلانا على الأرض.
بدأ كل شيء يغرق في الرمادي، لكني ما كان بوسعي الإغماء بعد...
كان لدي أمر واحد ينبغي فعله أولاً...
بدا رفع نفسي على ركبتي كأن أحداً أسقط جبلاً على ظهري. كانت ذراعاي ترتجفان وهما تؤديان أقصى جهدهما الرخو لئلا يهوي وجهي مجدداً على الأرض وأردت فقط البقاء هناك لثانية... أو الانهيار فحسب. لكني دفعت نفسي للاعتدال أكثر. تحركت قدم إلى الأمام وكدت أوقع لكني ناضلت مجدداً حتى صرت شبه واقف فوق الأمازونية الغاضبة التي كانت تكابد للوقوف هي الأخرى.
"...أنـ... أنـا أفـ... أنـا أفـ... هِرك! كُح، كُح!"
حاولت النطق قبل أن أغص بشيء ربل وأندفع في نوبات سعال.
كلفني ذلك غالياً أيضاً، فبحلول الوقت الذي توقفت فيه كنت قد عدت إلى الأرض ناظراً إلى الأعلى نحو الأمازونية الغاضبة التي نجحت في بلوغ قدميها في غضون ذلك.
"...أنـ... فـ...ـرْتُ~"
تمتمت بأقصى ما استطاعته من خيلاء ووجهها كومة محطمة، وفقدت وعيها فوراً وهوت إلى الأمام...
فوقي مباشرة...
...يا للـ... ثقل...