همست لدامغ الطير من مقعدي: "...كان الأمر مزعجاً بحقّ، أتعلم؟ كنت أبقي نفسي متأهبة لمحاضرة صارمة للغاية أو جدال عاجزة عن الردّ عليه، لكن ذلك لم يحدث أبداً."
لم أكن أريد أن يلتقط المحيطون شيئاً مما أقوله.
همهم روبن: "ممهم."
وتمطّى بغرابة كأنه يحاول الطيران دون أن يغادر الأرض فعلياً.
أكملت: "أعني، ليست تلك مشكلة. أفضل أن يقال لي أديت عملاً جيداً على أن أتعرض للصراخ في أي يوم من أيام الأسبوع. لكنني، ومثل، أمضيت وقتاً طويلاً متوقعة حدوثه لدرجة أنني شعرت بخيبة أمل حين غاب. أهذا غريب؟"
واصل دامغ الطير حركات تمطّيه لدرجة أنه صار ينظر إلي باستعلاء الآن.
قال وهو يقترب خطوة وينحنِي ليتنحنح: "لا، أفهمك. جهزت نفسك للدفاع عنك، وذهب كل ذلك سدى. مررت بهذا من قبل."
"...ربما. مع ذلك، يبقى أفضل من تلقي تلك النظرة الحارقة كالتي يرمي بها ذلك الرجل."
التفتُّ حيث كان باتمان يستجوب رجلاً معلقاً من قدمه بيد واحدة فوق حافة مبنى ويطالب بإجابات بوجه مرعب للغاية.
ارتجفت.
نعم، أفضل الأحاديث المحرجة والمربكة على نظرة الخفاش.
هزّ دامغ الطير كتفيه بينما واصل النظر إلي باستعلاء: "معظم الأمور كذلك."
حسناً، بدأ هذا يغدو مزعجاً.
سألت أخيراً: "ماذا تفعل؟ لأن الأمر يبدو غريباً جداً وتكاد تصيبني بالذعر. أهذا مرض غريب لم أسمع به من قبل؟"
رمقني روبن بنظرة حارقة: "لا أيها الأبله. انظر جيداً، ألاحظت شيئاً مختلفاً فيّ؟"
تفقدته سريعاً. بغض النظر عن وضعية جسمه الغريبة، بدا تماماً كما كان عليه آخر مرة رأيته فيها قبل بضعة أشهر. لكن من الواضح أن هناك أمراً مهماً فاتني بما أنه يثير المسألة.
خمنت بتردد: "أحصلت على... رداء... جديد؟"
"...أتمزح جاداً؟"
"أه، أعني، حزام جديد! نعم، يبدو أفضل بكثير من القديم..."
"..."
"...قصة شعر جديدة؟"
لم تكن تلك الكلمات مناسبة أيضاً، إذ انكمش على نفسه وأطلق تنهيدة طويلة للغاية.
"لا أيها القرد — على أي حال، بما أنك عجزت عن ملاحظة ذلك بنفسك، فلا بد أن أنبهك."
اعتدل وابتسم ابتسامة جعلتني رغبة عارمة تداهمني للكمه.
"لعلمك، أصبحت الآن أطول منك."
هاه؟
تفقدته مجدداً لكن الحكم كان صعباً بعض الشيء وأنا جالسة، لذا نهضت وقفت بجانبه. ونعم، بات الآن أطول مني ببوصة أو بوصة ونصف بوضوح.
حسناً، فهمت ما كان يفعله الآن.
أجبت بخفة وألت برأسي: "هذا رائع على ما أظن؟ إذن ماذا؟"
"..."
كادت سخريتي تفسد الأمر برمته حين كدت أنفجر ضاحكة لرؤية دامغ الطير وهو يحاول تبين إن كنت جادة في عدم فهم مقصده، خصوصاً أنه لم يدْرِ تماماً كيف يشرح سبب غضبي المفترض. لقد استحق التظاهر بالغباء العناء كله.
أفضل ما في الأمر أنني حين حاول الشرح رفعت حاجبياً وحلقت أعلى منه ببضع بوصات. فحولته إلى كومة متعتعة وجعلتني أقهقه كضبع.
الطيران يجعل ورقة "أنا أطول منك"
عديمة الفائدة تماماً حقاً.
لكن سعالا متخبطا من خلفي أوقف ذلك فوراً.
استدرت لمواجهة باتمان الذي يبدو أنه أنهى استجوابه وكان يقف خلفنا مباشرة، فانتبهت مستعدة. وسرّني قليلاً أن أرى دامغ الطير يفعل المثل بجانبي.
"عرفت الموقع. لنذهب."
هذا كل ما قاله قبل أن يدور على عقبه ويمضي متبخترا.
تسابق روبن خلفه بينما تحركت أنا ببطء أكبر. السبب الوحيد لسمح باتمان لي بمرافقته هو أنني وعدت بالبقاء في الخلف وعدم لفت الانتباه لنفسي، وهو أمر مثير للضجر بعض الشيء. لكن من ناحية أخرى، أتيحت لي فرصة مراقبته وهو يؤدي حركات النينجا الخفية خاصته.
كان تعلم المزيد من ذلك ممتعاً دائماً.
لكن على أي حال، سبب الاستجواب بأكمله يعود إلى سماع باتمان من أحد أصدقائه في العصبة أن مجموعة من اللصوص سرقوا شيئاً من متحف خارج المدينة. لم يكن الأمر بالأهمية المعتادة، لكن يبدو أن الغرض الذي فر به اللصوص كان قطعة أثرية سحرية من مكان ما قادرة على فتح بوابات بين الأبعاد أو ما شابه.
لم تحتاج لكونك عبقرياً لتدرك أن ترك مجموعة لصوص يحتفظون بذلك يعد فكرة سيئة في أفضل الأحوال، وكارثية في أسوئها. حرفياً.
لم أرد أن يستدعي شخص عشوائي داركيد إلى الأرض قبل أن أزداد قوة بمراحل.
-o-
وكما تبين، احتمى اللصوص في منزل آمن لأحد زعماء الجريمة المحليين، مع أن وصفه بـ"المنزل الآمن"
كان مبالغة بعض الشيء. المكان كان قصراً!
وقد توقعوا المتاعب بالتأكيد لأنني استطعت استشعار تحركات الحراس في كل مكان.
بالطبع لن يستطيع أي منهم إيقافي، لا سيما أنني أستطيع الطيران ببساطة نحو السقف أو النافذة. ولم يعق ذلك باتمان كثيراً أيضاً، إذ قادنا نحن الاثنين عبر إجراءاتهم الأمنية وكأنها لم تكن موجودة تقريباً.
كان الأمر رائعاً حقاً للمشاهدة لأنني ظننت أن الأمر يتعلق بالتصاق بالظلال الحالكة وما شابه، لكنه أخفانا في أماكن تفسد فيها الأضواء الرؤية الليلية للحراس بحيث حتى لو نظروا إلينا مباشرة، فلن يستطيعوا رؤيتنا.
بين التسلل المعتاد وتجاوز الحراس، لم يستغرق الثلاثة منا سوى خمس دقائق لنجد باباً وننزل دونه أن يشعر بنا أحد. وشمل ذلك الثواني الثلاثين التي استغرقها فرخ البط لفتح القفل.
ما إن صرنا بالداخل حتى قل الحذر وحل محله تفتيش القصر بالسرعة الكافية لئلا يطلق أحد الإنذار ويهرب. أخبرنا مصدر باتمان بوجود ثلاثة أماكن محتملة للمسروق. المكتب الرئيسي لوجود خزانة مخفية تخص المالك. المرآب لإمكانية نقل الأغراض بسهولة عند الحاجة. أو مع اللصوص أنفسهم لعدم ثقتهم بمن آووهم ألا يسرقوا القطعة منهم.
راهنت على الأخيرة لكننا اضطررنا لتفتيش كل شيء على أي حال.
أعني، باتمان وروبين فعلا ذلك.
لم أكن أملك أدنى فكرة عن كيفية البحث عن كنوز مخفية دون تفجير المكان والأمل في إيجادها، وكان تفجير أشياء سحرية عشوائياً لا أعرف عنها شيئاً فكرة سيئة على الأرجح. لذا بقيت بعيدة عن طريقهما بينما عملا، مع مراقبة الحراس القادمين لتفقد المناطق التي كنا فيها.
وبالفعل، وبينما وجدنا مجموعة أغراض متأكدة من أن باتمان سيستمتع بتسليمها لأصدقائه من الشرطة لاحقاً، لم نجد ما أتينا لأجله لا في المرآب ولا في المكتب. يعني ذلك أن الأمر عاد إليّ لأكتشف أي مجموعة من أهل القصر هم من نبحث عنهم. وتبين ماذا؟ لم يكن الأمر صعباً.
كل ما علّمته هو الإشارة إلى كل مجموعة طاقة لا تبدو في دورية دورية، والتحقق مما إذا كانوا من نبحث عنهم.
تجاوزنا ثلاث مجموعات قبل أن أدرك وجود مجموعة تختبئ في منطقة لا يبدو أن لها باباً. ثم كانت مسألة وقت قبل أن يجد باتمان مدخلاً سرياً سمح لنا بمباغتتهم بلا عناء يذكر.
—أيها الرفاق، متأكدون أنه من المفترض أن يتوهج حين تلمسونه؟—
—إنه مجرد خرداوات إغريقية قديمة. من يدري ما ينبغي أن يفعله.—
—أجل، على حد علمنا هو مذكرات وندر وومان. المهم أنه يساوي ملايين. بمجرد أن نصل إلى المشتري؟ سنضمن حياتنا.—
بينما استعد ثنائي مكافحة الجريمة لدخول الغرفة، سمعت اللصوص يتحدثون. ألم يكونوا يعلمون حقاً ما سرقوه؟ بدا ذلك غبياً. هكذا ينتهي الأمر بالمرء ملعوناً أو مطلقاً لشياطين محبوسة.
قال القلق: —لا أعلم، لماذا كان علينا اختيار غوثام لتكون نقطة التسليم على أي حال؟ ماذا سيحدث إن ظهر باتمان؟ وأمتأكد أن هذا لن يصيبنا بالسرطان الخارق أو شيئاً كهذا؟—
قال أحد اللصوص بثقة: —لن يظهر. الوطواط بارع، لكننا فعلنا ذلك خارج المدينة وأبقينا رؤوسنا منخفضة طوال الوقت. لن يعرف أحد مكاننا أو ما نحتفظ به حتى نكون قد رحلنا منذ زمن بعيد. وحقاً؟ سرطان خارق؟ هذا غير موجود.—
ابتسمت للتوقيت، لأن تعبيرات وجوههم حين دار باتمان حول الزاوية ومعه أنا وفرخ البط خلفه مباشرة كانت لا تُقدر بثمن.
—لديك شيء لا يخصك.—
ما كان أطرف حتى من وجوه «نحن في ورطة كبرى»
التي بدت عليهم جميعاً، هو التخبط اليائس لاثنين من اللصوص لسحب نوع من المسدسات، ليقوم باتمان وفرخ البط بإسقاطه فوراً من أيديهما بإحدى أدواتهما التي تشبه البومرانغ.
كان الرجل الثالث، ذاك الذي يمسك بما ظننته القطعة الأثرية، أذكى قليلاً إذ لم يتحرك حين أشرت بإبعبعي نحوه، بينما استقرت كرة طاقة صفراء صغيرة وتهديدية على الطرف.
—...لن يعرف أحد، هاه؟— تمتم أحدهم وهو يدلك يده المتألمة.
—أصمت، بيري.—
سخر فرخ البط: —عذراً رفاق، حظاً أوفر في المرة التي لا تأتي أبداً. والآن، أتستسلمون بلطف وسهولة أم نضطر لضربكم أولاً.—
نظر الذكي بيننا، وبين رفيقيه، والقطعة الأثرية. —...كلا، لقد أمسكتم بنا. لا رغبة لي بتكسير أسنان الآن.— ثم رمى القطعة الأثرية إليّ.
كان هو الذكي حقاً من بين المجموعة.
التقطت الشيء وتأملته. بفضل كل الوقت الذي قضيته في ثيميسكيرا، كانت لدي فكرة جيدة عما تبدو عليه أغراضهم، وكانت هذه لستقيم تماماً هناك.
للوهلة الأولى كانت قرص برونز مسطحاً بنقوش ليلية متقنة للغاية. فتاتان تقفان تحت شجرة وتنظران إلى السماء الليلية. كان استخدام الياقوت نجوماً لمسة أنيقة للغاية، خصوصاً أنها بدت متوهجة من تلقاء نفسها.
أظن أن هذا ما كان الرجل يتحدث عنه.
حين قلبتها رأيت أنها مرآة في الواقع. بالطبع، بدلاً من الزجاج بدا الأمر وكأن أحدهم أخذ كومة فضة وطرقها حتى صارت مسطحة للغاية. أه، مهلاً، كان هذا الجانب يتوه—
-وجهة نظر روبين-
سقط فك روبين مفتوحاً وهو يراقب فتاة سايان المزعجة التي ظلت تتبعهم طوال الليل وهي تبتلعها حزمة فضية ساطعة تنبعث من وجه ما بدا أنه ليزر هلاك إغريقي متنكر في صورة مرآة.
فقط حين تلاشت الحزمة وسقطت المرآة على الأرض بصوت ثقيل أفاق من ذهوله وهرع إلى حيث كانت كاليفا تقف.
لم يبقَ أي أثر البتة يدل على أن الفتاة كانت هناك.
لا رماد، ولا دماء، ولا حتى قطع لحم صغار.
لم تفد المرآة بشيء أيضاً.
التوهج الصغير الذي لاحظه حين رميت قد اختفى تماماً، والشيء الوحيد الذي انعكس عليها كان السقف.
كانت كاليفا قد…اختفت.
مدّ روبن يده بتردّد ليلسم المرآة، لكن قبضة معلّمه الحديديّة جذبته إلى الوراء.
كاد يجادل، غير أنّ نظرة واحدة إلى وجه باتمان المشحون بحدة طاغية جعلت الفتى المعجزة يلتزم الصمت.
أومأ له باتمان إيماءة تكاد تفتقر إلى الحركة، ثم التفت نحو اللصوص الثلاثة الذين حاصروهم. ثلاثة لصوص بدا فجأة أنهم يتمنون لو كانوا في أي مكان آخر.
زأر الفارس الدجى: "أريد أجوبة. تكلموا..."