فتح كونراد أحد مصراعي الباب الزجاجي. وضع قدماً داخل المطبخ. ثم توقف. التفتّ أنا وإيغور لنراقب إطلالته. فحصيت الثواني التي أمضاها واقفاً هنااك وهو يقيم الوضع. كانت ثانية واحدة. كادت عيناه الصفراوان الباهتان لا تتحركان. وربما ارتعش منخرا أنفه الأسود مرة واحدة. هذا كل شيء. لا شك في أنه شمّ أثر الدم الملطخ الهابط من السلالم الخلفية. وعبر زاوية الطعام. والمنتهي عند أخمص قدمي.
كنت جالسة على كرسي طعام بين الطاولة وجزيرة المطبخ. أقبض على حواف مقعدي بكلتا يديّ. وأتلوى بوجه يكفي لإخافة غول. وُضع حوض ماء صغير عند قدمي. ورفعت كاحلي فوق ركبتي المقابلة لأعرض باطن قدمي الملطخة بالدماء. كان إيغور يركع على الأرض أمامي. يمسك ملقطاً في يد وهاتفه ليستخدمه ككشاف في اليد الأخرى. ترنحت السيدة بارك على كرسي طعام عند الطاولة. بدت شاحبة وهي تضع يدها على عينيها.
وبجانبها. مفتوحة على الطاولة. حقيبة إسعافات أولية ضخمة. وبما أن الضوء الوحيد في الغرفة كان ضوء شمس المساء المتسلل من النوافذ على الجدار الغربي. فقد كدنا نبدو كإحدى لوحات الباروك الهولندية الدرامية. لولا قميصي الوردي الفاقع الذي أفسد نظام الألوان. بعد انقضاء ثانية واحدة، أتم كونراد دخوله إلى الغرفة وأغلق الباب وراءه.
قال بنبرة رتيبة مستسلمة: "أجل. هذا تقريباً ما توقعته".
كدت أضحك. كيف يتسنى له الدخول هكذا والحكم على موقف في أقل من ثانية مستعيناً بأدلة ظرفية بحتة! يا له من غبي! أعدت ابتسامتي قسراً إلى عبوس. لا جدوى من اتهام شخص ما إن لم تستطع فعل ذلك بوجه صلب.
قلت: "أعلم ما تدور به خلدك. تعتقد أنني فعلت شيئاً غبياً ونجحت في إيذاء نفسي. وأن المسكين إيغور هنا مضطر لإصلاحي".
سحب كونراد أقرب كرسي ليجلس وينزع حذاءه.
"شيء من هذا القبيل".
"لأعلمك يا فتى الذئاب، نحن نتدرب صدفة على المشهد الأخير لسندريلا".
"وأنت سندريلا؟"
"نعم".
أبعد حذاءه جانباً.
"مما يجعل إيغور...؟"
"الأمير الساحر"، أصررت.
أصدر سموه همهمة وعاد ينقر في أسفل قدمي بالملقط باحثاً عن الشظية التالية من المرآة. أطلقت صرخة وعصرت حواف مقعدي بقوة أكبر. كانت يدا إيغور سريعتين وماهرتين.
لكن الرجل خلا تماماً من أي تعاطف ولا فكرة لديه عن "اللطف".
قال الأمير غير الساحر حقاً: "هذا ما جنته يداك".
احتاج خطاب الخطوبة إلى بعض العمل قبل أن نعرض مسرحيتنا على العلن. لكنني صددت أسناني بقوة أكبر من أن أقول له ذلك. تبادر إلى ذهني أيضاً أن الحذاء الزجاجي كان فكرة فظيعة. نهض كونراد. وطاف حول الطاولة. ووضع يداً على كتف السيدة بارك.
"هل أنت بخير؟"
رفعت السيدة بارك رأسها ومنحته ابتسامة مضطربة.
"بخير. شكراً لك يا كونراد. لست مصابة بشيء أو ما شابه. ستبدو سخيفاً، لكنني لا أطيق رؤية الدماء".
أعلمته قائلة: "السيدة بارك هي عرابتي الجنية. لقد ساعدتني على العرج نزولاً إلى هنا من الطابق الثالث".
التفت إليّ كونراد مجدداً.
"إذن ما الذي حدث حقاً؟"
رجال الذئاب بلا فائدة حين يكون هناك دم.
كل ما يرونه هو "الحقيقة"
و"الإجابات".
تخيل ذلك.
اعترفت: "أسقطت مرآة".
قال إيغور: "أنا مندهش لأنك لم تسمع صوت التحطم".
قال كونراد: "أوه، لقد سمعته، لكنني لم أسمع أي صرخات، لذا افترضت أنه ليس أمراً جللاً".
"لم يكن ليكون أمراً جللاً لو أن من ترونها أمامكم"
— وضعت يداً على صدري — "كانت ذكية بما يكفي لتبقى حيث هي. واهسفاه!"
تذمر إيغور: "ظننت أن هذه سندريلا، لا شكسبير".
أحط الملقط والهاتف جانباً وضغط على أسفل قدمي بكلتا إبهاميه. كان ذلك نوعاً من تحديد الموقع بالصدى البدائي. إن صرخت، عرف أن هناك شيئاً عالقاً هناك بعد.
سأل كونراد: "أكان هناك سبب لإسقاط المرآة؟"
لم أستطع الإجابة. كنت أجزّ على أسناني مجدداً. حتى وإن لم تكن هناك قطع غارزة أخرى في قدمي، فقد كان الألم مستمراً.
قالت السيدة بارك: "لقد فزعت حين انقطع التيار الكهربائي".
توقف إيغور عن الضغط على قدمي. ارتخيت مجدداً في الكرسي، لكن عبوسي بقي في مكانه. كان هناك شيء مخيف في مدى تأكد السيدة بارك. لم أظن أنها تكذب أو ما شابه — ولم أكن متأكدة حتى من أنها مخطئة! جعلني محاولة تجميع تلك الكسور المجنونة من الثانية أصاب بالدوار. لكنني لم أستطع طرد فكرة أن الضوء انطفأ بعد أن أسقطت المرآة. ثم كان هناك ما رأيته في المرآة — أو ما ظننت أنني رأيته. لم أكن أملك أدنى فكرة عما يجب فعله حيال ذلك.
احتجت إلى التحدث مع إيسيت. ربما عاجلاً لا آجلاً. كان كونراد يراقبني بنظرة متأملة في عينيه. ربما استنشق قلقي. للحظة ذعر، تساءلت عما إذا كان سيفضح أمري، لكن كل ما فعله هو أن همهم بهدوء. مسح إيغور يديه بمنشفة يد قديمة ونهض.
"أظن أن هذه هي الأخيرة. يا كونراد، بما أنك هنا، يمكنك مساعدة حافية القدمين هذه على إنهاء تضميد نفسها. عليّ العودة إلى العمل".
قلت: "شكراً لمساعدتك يا أميري!"
أطلق إيغور أعلى همهمة له حتى الآن، ثم التقط إبريق الماء شبه المملوء الذي استقر بجوار حقيبة الإسعافات الأولية. استعمله ليشير إلى كونراد.
"ستحتاج إلى غسل يديك بهذا. التيار لا يزال منقطعاً".
أنزلت قدمي المصابة في حوض الماء الصغير الذي أعده لي إيغور. ومع قدمي النازفة وكل ذلك، لم أتكلف عناء التفكير في الأمر من قبل، لكنه ملأ الحوض بماء من الإبريق ذاته.
سألت: "ألا نمتلك ماءً حين ينقطع التيار؟"
مشي كونراد لينضم إلى إيغور قرب مغسلة غسل اليدين.
قالت السيدة بارك: "تحصل هذه الدار على مياهها من بئر ونبع، لكن المضخة المستخدمة لسحبها من الخزان كهربائية. إن انقطع التيار، انقطع الماء".
قال إيغور: "مما يعني أن إعداد العشاء سيصبح أصعب بكثير".
قضيت حياتي الأولى بأكملها في أمدية تأتي فيها المياه من أنابيب تتكفل بها المدينة. لم أتساؤل قط عن كيف يحصل البشر خارج المدمرة على مياههم، وفكرة أننا قد نكون عالقين بلا ماء لأن التيار انقطع جعلت قلبي يتسارع.
سألت بصوت بدا حاداً بعض الشيء: "ماذا يحدث لو انقطع التيار لفترة طويلاً؟"
نهضت السيدة بارك ومشت نحو كومة مناشف اليد التي اعتبرها إيغور بالية كفاية ليتلطخ بالدم، وناولتني واحدة.
قالت: "لا بأس يا عزيزتي. لا ينقطع التيار عادة لفترة طويلة، لكن هناك غالونات من مياه الاحتياط، تحسباً لأي طارئ".
تباطأ خفقان قلبي، لكن الثقل الصغير البارد في معدتي بقي في مكانه. أنهى إيغور تجفيف يديه بواحدة من مناشف المطبخ النظيفة وناولها لكونراد.
"الوقت يتاخر. هل ستكونين معنا على العشاء يا سيدة بارك؟"
قالت: "شكراً لك، لكن لا. لديّ الكثير لأنجزه في البيت. سأمسح الأرضيات، ثم أغادر".
احمرّت وجنتاي.
"يمكنني فعل ذلك يا سيدة بارك. إنه خطئي..."
ربتت على كتفي.
"هراء! لقد كان حادثاً، وبضع قطرات من الدم لن تزعجني".
قال كونراد وهو يمشي نحوي: "وعليك أن تعتني بنفسك أولاً. وإلا فسيتعين عليها تتبعك، لمسح الأثر الجديد".
ذهبت السيدة بارك لتلتقط بضع خرق ومظفراً شامل الاستخدامات. وضع كونراد حقيبة الإسعافات الأولية على الأرض بجانبي لأتمكن من الإشارة إلى ما أحتاجه: مطهر، وشاش، والكثير من الشريط الطبي. جلس على الأرض وناولني كل غرض حين طلبته.
قلت: "أين كابا؟"
نظر كونراد نحو البابين الزجاجيين والباحة وراءهما.
"لست متأكداً. لقد هائم على وجهه إلى مكان ما بينما كنا في الخارج. بعد نحو دقيقة من التحطم، نظرت حولنا، وكان في الباحة البرية".
أصبح الثقل في معدتي أثقل.
"أهو... أهو بخير؟"
التفت كونراد إليّ مجدداً. ارتفعت حافة من شفتيه السوداوين في ابتسامة.
"لا تقلقي. ربما رأى أو سمع شيئاً في الأرجاء يريد استكشافه".
صحيح. كنا في نطاقه، لذا لم يكن ليضيع. لكن... مع ذلك... تساءلت لِمَ بدت أذنا كونراد متوترتين.
سألت: "أيهيم على وجهه كثيراً؟"
قال إيغور من جهة المنضدة: "لا نتبعه أينما ذهب، كما تعلمين. إنه سيد نفسه".
"بالتأكيد، لكن..."
"سيعود في غضون ساعة".
"كيف عرفت ذلك؟"
ردد إيغور بنبرة عميقة: "العشاء".
كانت كلمة صالحة للترديد. بلا أي تفاصيل أو سياق، منحتني إجابة تامة لا تقبل الدحض.
أكد لي كونراد: "لا بأس يا ميرا. يحب كابا اللعب في الخارج عندما يكون الجو أدفأ".
أجل. سيتطلب ذلك بعض الوقت لأعتاد عليه. التقيت بكابا منتصف شهر أكتوبر، ثم قضيت الشتاء كله معه. لم أكن أعرف سوى كابا الطقس البارد — ذاك الذي ينام عشراً إلى اثنتي عشرة ساعة في الليلة، ويأخذ قيلولتين في اليوم، ودائماً ما كان يحوم حولي أو ينطوي إلى جانب أي شيء دافئ. أدركت أنني أعبس فهززت رأسي لأطرد التعبير. أعني، لم أكن على وشك ربط كابا بمعصمي أو ما شابه. كما قال إيغور، إنه سيد نفسه.
لقد نجا من دوني ستين عاماً، ونجوت أنا... حسنناً، لقد مت مرة واحدة فحسب طوال الفترة السابقة لمعرفته. على أي حال، لم يكن لزاماً أن نبقى معاً طوال اليوم، وكل يوم. لكنني كنت شديدة الالتصاق لدرجة أن أكدر بشأنه. نظرت إلى قدمي. تسللت عدة خيوط رفيعة من الدم بينما كنت شاردة. جرت على امتداد شبكة ممرات الماء، متبعة خطوط باطن قدمي. مزقت قطعة شاش أخرى وضغطتها على قدمي بقوة. بدت نقرات إيغور المتكررة وهو يحاول إشعال موقد الغاز عالية وسط السكون.
حدث توقف، ثم تلتها سلسلة أطول بكثير من النقرات. عادت السيدة بارك إلى الغرفة وتراجعت خطوة لتفسح الطريق لإيسيت لتتجاوزها. اللحظة التي رأينا فيها إيسيت داخل المطبخ، تغير شيء ما. مد إيغور يده ليتكئ على المنضدة. وقف كونراد وأذناه مرتفعتان وموجهتان للأمام. انقبضت يداي حول قصاصات الورق التي في يديّ. بدا الأمر كأننا جميعا كنا ننتظر شيئاً، وكانت إيسيت هي النذير.
قالت: "عذراً".
كان صوتها خافتاً كالعهد به، لكنه حمل ارتعاشة خفيفة.
"هل يعمل أي من هواتفكم صدفة؟"
مددنا أنا وكونراد وإيغور أيدينا نحو جيوبنا. أخرجت هاتفي.
استيقظ حين ضغطت على زر التشغيل، لكن حين فتحت شاشتي الرئيسية، في الأعلى، حيث أرى عادة خطوط التغطية وإشارة الواي فاي، كانت هناك كلمات “لا توجد خدمة”.
نظرت إلى كونراد وإيغور. كانا ينظران إليّ. لم ينطق أحد منا بشيء. أعاد إيغور هاتفه إلى جيبه ومشى نحو هاتف قرصي أسود ونحاسي عتيق المظهر دُسّ في ركن أسفل حافة الخزانة الأخيرة. ظننت أنه وُضع هناك للزينة. ولم أرى قط أحداً يستعمله بالتأكيد. التقط إيغور السماعة، ووضعها على أذنه، ونقر على المفتاح عدة مرات. خطت إيسيت خطوة مترددة نحوه. أعاد إيغور السماعة إلى قواعدها والتفت إليها.
"الخط مقطوع".