كنت في سرداب. لا. الأمر... مختلف. لم تكن الجدران ألواحاً حجرية ضخمة مفردة. هنا، استُخدمت تشكيلة من الصخور كطوب مشوه، ولم تُعدل إلا بالقدر الذي يمنحها الثبات، وامتدت الجدران إلى ما بعد الضوء الذي أحمله، لتخلق نفقاً أسود بدا كأنه يمتد إلى لا شيء. لم يكن سرداباً. كان مَمَرّاً. لكنه بدا مألوفاً— غباء. كان المكان مألوفاً. كنت أعرفه جيداً ولم تكن العتمة تزعجني. مررت بأبواب ثقيلة مثبتة في إطارات خشبية سميخة.
كان عددها وصوت خطواتي هما الطريقتان الوحيدتان لقياس تقدمي. كانت الرائحة منتنة. المزيد من الزيوت. المزيد من البخور. كان عليّ أن أفعل شيئاً حيال ذلك. كان العمل شاقاً بما يكفي من دون الاختناق بهواء آسن. بلغت باباً عادياً لا يختلف عن سواه ممن عددهم لا يحصى وعديتهم، والتفتُّ إليه وأنا أُخرج مفتاحي. لم يكن هناك سوى مفتاح واحد، وكان عادياً تماماً. لم تكن هناك حاجة لأكثر من ذلك، وكان إهدار الوقت والطاقة خطيئة بحق العبقرية.
كان لديّ عمل أنجزه. فتحت الباب وانحنيت كي أتفادى اصطدام رأسي بالعتبة. كانت الحركة آلية. عبرت إلى الغرفة، ووضعت المفتاح والمصباح الذي أحمله على الرف بجوار الباب، والتقطت أعواد الثقاب. هكذا يبدأ العمل—تحية روتينية لضعف محتوم. كنت بحاجة إلى النور. كنت سأتوجه إلى كل مصباح تباعاً. أرفع الغطاء الزجاجي. أرفع الفتيل. أضيئه. أعيد الغطاء، وأضبط الفتيل. وأنتقل إلى التالي. كان هناك اثنا عشر مصباحاً موزعة في أرجاء الغرفة.
بدأت حيث أنا، بالمصباح الموضوع على الرف بجوار الغرفة. كشف الضوء الإضافي عن المزيد من التفاصيل. كان هناك المفتاح، كومة صغيرة من المستندات، قلم تخليت عنه في اليوم السابق، والمكان الذي تستقر فيه أعواد الثقاب. أضاء إشعال كل مصباح المزيد من الغرفة. كانت هناك طاولات تغطيها الكتب. وهناك لوح أسود تغطيه رسومات تعويذات بالطباشير. وكان هناك المزيد من الطباشير على الجدران. شعرت بوخزة من الضيق حين مرّت عيناي على تلك العلامات.
كنت بحاجة إلى المزيد من الألواح السوداء. لا يمكنك أبداً الحصول على دائرة مضبوطة تماماً على حجر خشن. درت حول جدران الغرفة. خلفي، في وسط الغرفة، كانت هناك طاولة لم أكن أراها إلا طرفة عين. كانت أرجلها وسطحها الخشبي مصنوعين من الخشب الثقيل نفسه الخاص بإطار الباب. وكانت السلاسل المتدلية برخاوة من الجانبين مصنوعة من الحديد السميك نفسه الخاص بمزلاج الباب. كانت يومياتي هناك.
سأصل إلى ذلك لاحقاً. وكذلك كان الجسم الصغير الساكن. استبد بي شوق جعل شهقي التالي يبدو ضئيلاً وقاصراً. أجبرت نفسي على الهدوء. سأصل إلى ذلك أيضاً. حين أضأت المصباح السادس، رأيت الجمجمة—هدية من المعلم الوحيد الذي فهميني. لم يكن لها فك. وكان بعض العظم الأكثر رقة حول تجويف الأنف قد تفتت. وكانت السنتان الأماميتان مفقودتين. والسن الأولى على اليمين كانت متصدعة ومشرشرة. استخدم المعلم الجمجمة بنفسه للتأمل.
لم يكن يعرف لمن تعود الجمجمة. وقال إن الأمر أفضل هكذا. قد تكون لأي شخص. قد تكون للجميع. تذكر الموت. ابتسمت حين رأيتها، كما أفعل دائماً. تذكر الموت، حقاً. سنرى. ثم، توقفت— لا، توقف هو. توقفنا. حطام رأسي تحت الأحجار التي تكون الجدران لم يكن ليفجّر ألماً أشد. كم كنت؟ التقطت الجمجمة بيدي اليمنى وقلبتها. وفي أسفلها ثقب بيضاوي. الثقب الكبير. وبداخله قطعة ورق تمددت بالقدر الكافي لتلتصق بجوانب الثقب.
رفعت يدي اليسرى وعضضت على الغليون الذي أحضرته إلى فمي. نقرت أسني على الساق السوداء المنحنية.
قالت: "هاه".
قلت. قلنا.