أعادتني السيدة بارك إلى الباب الزجاجي المزدوج الذي خرجت منه. سُمح لها بالدخول بلا تعليق، لكنني توقفت قبل أن تلامس قدمي الأولى أرضية المطبخ. أطلق إيغور، طاهينا المتأهب أبداً، المجتهد والمتجهم، أمره من حيث كان يقف أمام منضدة المطبخ.
"انزعي حذاءك".
توقفت ونظرت إلى قدمي الحافيتين. سيبدو هذا مشكلة.
سألت: "أكنتِ تكلمين السيدة بارك؟".
التفتت السيدة بارك نحوي باحتيار. وحين رأت أصابع قدمي الملطخة بالطين، مالت برأسها جانباً في ضحكة صامتة. لم يرفع إيغور رأسه قط ولم يتوقف عن التقطيع.
قال: "السيدة بارك كانت في الخارج لأقل من دقيقة ولدي يقين أنها بقيت على العشب. أما أنتِ فقد كنتِ هناك لساعات، تفعلين ما يعلم وحده. انزعي حذاءك".
"إيغور، أقدر رأيك وأحترمه، وما ودي سوى أن أفعل ما تطلبه. لكنني لا أستطيع للأسف".
تحركت عينه الكبرى نحوي بينما ظلت الصغرى مسمّرة على عمله. تبدو العيون الزائغة غريبة كلما وصفتها، وصعب أن أشرح لمَ لم تزعجني قط، لكن حين ترى بقية إيغور، تبدو عيناه المستقلتان أمراً حتمياً. بدا إيغور كأنه رُكّب من بقايا سوق خردة. كانت ساقه اليسرى أقصر من اليمنى، مما جعله يعرج حين يمشي، وإحداهما على الأقل كانت تشير دائماً إلى اتجاه لا تتوقعه. وعلت كتفه اليمنى حدبة كبيرة.
واضطرت ملابسه لأن تتسع لها، فكانت كلها أكبر من مقاسه. كانت تتدلى من جسده فلا تتبين شكل صدره أو ذراعيه. وكانت يداه مختلفتين شكلاً، وعيناه مختلفتين حجماً، وشعره المقصوص باقتضاب يأتي بقعاً ذات ألوان وملمس مختلفين. ولم تكن أجزاء جسده المتنوعة سوى معارف عابرين. فلِمَ كان عليها أن تعمل معاً؟ تأملتني عينه اليسرى — العين الكبرى — برهة، ثم عادت لمراقبة التقطيع. وبما أنه رأى كم كان طلبه متعسفاً، فسيتعين عليه تغييره.
"انزعي قدميك".
ابتسمت.
"حسنأ، يمكنك مناولتي سكين الطهي الذي تستخدمه، أو رمي قطة قماش مبللة نحوي وأنت تنعتني بالمسخ. ستقل دماء التنظيف هكذا".
سخر، ووضع سكينه، وتذمر في طريقه إلى الحوض، والتقط خرقة من السلة أسفله. ولا زالت التمتمات على لسانه، بللها (بماء بارد بالطبع — فمن سيئ الحظ تدليل المسوخ)، وعصر الماء الزائد، ثم قذفها في وجهي. التقطتها وبدأت أمحس قدمي.
قال إيغور للسيدة بارك: "إن كنتِ ستتولين التنظيف، فخير لك إبعاد تلك عن المنزل".
قالت السيدة بارك: "قليل من الطين على القدمين مفيد للروح، إنغفار".
كانت السيدة بارك تنادي إيغور بـ«إنغفار»، رغم تصحيح الجميع لها في المنزل.
إما أنها ظننت صادقة أن «إيغور»
اختصار لـ«إنغفار»
أو أنها فعلت ذلك لتغضبه. في معظم الأيام كنت لأقول إن السيدة بارك أطيب وأبرأ من أن تفعل شيئاً كهذا عمداً. وفي أيام أخر، كنت أتساءل.
قال إيغور: "المسخ لا يُرجى صلاحه. أما الأرضيات فلعلها تنجو بعد".
"نجل، وسأعتني بالأرضيات أيضاً إن احتاجت، لكني أحب أن يساهم أحد معي في غرف التخزين".
توقف إيغور. هذا، وحده، جدير بالذكر. لم يتعجل إيغور قط، لكنه لم يتوقف قط كذلك.
ثم استدار ونظر إلى السيدة بارك بعينيه معاً: "داليا..."
تفرست في الغرفة، محاولة إيجاد الغريب الذي لا بد أنه تسلل بينما كنت أمحس قدمي. وضعت السيدة بارك يدها على خاصرتها.
"لا تنادني بـ«داليا»، يا إنغفار".
أ… السيدة بارك هي داليا؟ أعني، بالطبع، لم لا؟
كان ذلك أرجح من فكرة أن اسمها الأول هو «السيدة».
تابعت السيدة داليا بارك: "ذلك الغبار كثيف بما يكفي لأستخدمه حشوة في لحاف. أنا مستعدة لاحترام نزوات السيد نوكتس ما دامت معقولة، لكننا تجاوزنا تلك النقطة قبل ربيعين! أنا مدبرة منزل. ويجب أن أُبقي هذا البيت نظيفاً".
قال إيغور: "سيعود السيد نوكتس في غضون أيام قليلة".
"وسيمكث لكم من الوقت؟ يوماً؟ أم دقيقة؟".
راقبتهما يتجادلان ذهاباً وإياباً بينما كنت أحاول إدراك ما يتجادلان حوله بالضبط. لم تتوفر معلومات كافية لأعرف ما يجرى، لكن الأمر بدا كأنه مستمر منذ فترة. تضايقت عيناه المتباينة.
بقي صوت السيدة بارك حلواً: "إنغفار..."
"إيغور".
"—من الواضح أنك تستنكار أفعالي… الجذرية".
وبدا صوت السيدة بارك الساخر أحلى حتى من صوتها العادي. وخرجت الكلمات كقطرات عسل.
وقفت برهة: "أفلا نكلم إيسيت في الأمر؟".
لو وجد جمع في تلك الغرفة، لسمعنا بلا شك شهقات ولعل أحدهم همس: "آه، يا للفضيحة!".
كنت لأقولها بنفسي، لكنني كنت مشغولة للغاية في التفكير عما إذا كان قبو النبيذ أسفل غرفة المؤن سيصلح ملجأ. لم توجد تسلسلات هرمية رسمية في قصر نوكتس، لذا تبرعم تسلسل هرمي غير رسمي عوضاً عنها. أدار إيغور المطبخ. وكان السيد بلا منازع والطاغية في نطاقه، وحتى جاكي الكبير — الذي يملك المنزل كله وعادة ما يكون جاهلاً تماماً بالدقائق — كان يحترم بالفطرة مكانة إيغور.
كان جاك نوكتس، الملقب بـ«جاكي الكبير»، هو المسؤول زعماً، لكنه كان الموت أيضاً.
وكان مشغولاً، ولا يتواجد في البيت كثيراً، ولعلكم لا ترغبون في استدعاء الموت بنفسه لفض نزاع طفيف أو الإجابة عن سؤال. في تلك الحالات، كنا نلجأ عادة إلى الكونت داريوس فاسيْل.
وكان استدعاؤه يُعد غالباً «إشهاراً للأسلحة الثقيلة».
لم يمتلك مصاص الدماء أي سلطة فعلية، لكن الجميع احترموه، لذا حظيت آراؤه وحلوله بثقل. ربما أرادت السيدة بارك الاحتكام إلى الكونت فاسيْل هنا، لكنه، شأن جاكي الكبير وأوليفيا، لم يكن في البيت. كان يعمل على قضية لمكتب التحقيقات الفيدرالي أو لتور (أو لكليهما على الأرجح). وبقي ذلك ليترك إيسيت. الخيار النووي. ملكة قصرنا غير الواعية. امرأة هادئة بصوت عذب وطباع لطيفة تكسب بها أي شخص.
كانت حكيمة وطيبة — وأعلم أن هذا لا يجعلها تبدو كخيار نووي، لكنها كانت كذلك! عاشت إيسيت مع جاكي الكبير أطول من أي شخص آخر. ثلاثة آلاف عام وتعد. وجدها في مصر حين مات الكاهن الذي أعاد روحها إلى جسدها المحنط. عرض عليها جاكي مكاناً للمكوث، وبالمقابل، غدت ضمير جاكي وقلب بيته. كنت تقصد إيسيت حين تحتاج إلى جاكي الكبير لكنه (حتماً تقريباً) لم يكن في البيت و(حتماً جداً) لم يرد على هاتفه.
كانت تنصت لما تقوله، ثم تقدم اقتراحاً هادئاً ومعقولاً يجعل كل شيء جلياً، وتخرج من الغرفة متعثراً ومتسائلاً لمَ لم تستطع استنباط ذلك بنفسك. كيف يبدو شكل إيغور حين يشعر بالارتباك؟ …على ذكر ذلك، كيف يبدو شكل السيدة بارك حين تشعر بالارتباك؟ يصعب تخيل شخصين أقل ارتباكاً منهما. إيغور، وقد أُلقي القفاز في وجهه — والذي بدا بشبه مريب كقفاز تنظيف مطاطي أصفر — رد بإلقائه مجدداً.
"على الرحب والسعة".
مد ذراعه على مصراعيها، مشيراً إلى الباب المؤدي إلى الرواق الرئيسي وفي الطرف الآخر من المنزل، المكتبة حيث وُجدت إيسيت دائماً تقريباً. خرجت السيدة بارك أولاً. وتبعها إيغور. وحرصاً على معرفة سر الضجة كلها، أنهيت مسح قدمي، وألقيت الخرقة على مقعد مطبخ مجاور، وهرعت خلفهما. بما أن الأمر يخصني تقريباً، فلم أشعر بالسوء لتبعهما إلى المكتبة. لكن وبما أنني لم أتمكن من الدخول إلا لاعتبار شكلي، فقد تخلفت قرب القوس لتتقلص فرصة رؤيتي ومطالبتي بالمغادرة.
جلست إيسيت متكئة، ومرفقاها على مسندي كرسي مكتبها، ويداه مستقرتان، إحداهما فوق الأخرى، في حجرها. وكانت تراقب السيدة بارك، التي بدت كمن يقوم بمعظم الكلام. كانت حجج السيدة بارك مطولة ومشحونة. كان الطين هجوماً بلا هوادة لعدم الانتظام، محولاً بيوتنا إلى مقابر. وكان التنظيف استخداماً لطاقتنا لمقاومة الكون، خالقين النظام والبهجة حيث يحل الفناء لولا ذلك. ولم تكن لي أدنى فكرة عما إذا كانت ستتحمس لتدبير المنزل هكذا لو لم تكن وسط جدال مع إيغور، لكن حين انتهت من كلامها، شعرت بذنب أكبر بكثير لكوني مهملة.
التفتت إيسيت برأسها نحو إيغور. وكان جزءه من النقاش أكثر إيجازاً.
"قال السيد نوكتس ألا نعبث بالأشياء الموجودة في التخزين بلا إذن صريح منه".
انتظرنا. وقف إيغور هناك، بادياً منتشياً. تأففت السيدة بارك.
"حسنأ، لقد أخبرني أنه مسموح لي بتنظيف الغبار في الغرف!".
قال إيغور: "نعم، لكنك لا تتحدثين عن تنظيف الغبار في الغرف، أليس كذلك؟ لقد رأيت تنظيف ربيعك. أنت تتحدثين عن إخراج الأشياء من الصناديق، ومسحها، ومسح الصناديق، ثم إعادتها..."
أكان… أكان الناس يفعلون ذلك حقاً؟ ظننت أن الغرض الكامل من الصناديق هو ألا تضطر لتنظيف الأشياء داخلها. كانت ثقوباً سوداء مصغرة تضع فيها الأشياء جانباً كي لا تضطر للقلق بشأنها مرة أخرى. اضطرب عقلي لهول الواقع.
قالت السيدة بارك: "بصراحة، تجعل الأمر تبدو كأني أدنس كتاباً مقدساً".
قالت إيسيت: "إيغور، متى كلمك السيد نوكتس بشأن غرف التخزين؟".
صادف أن كانت عين إيغور الأكبر هي الأقرب للسيدة بارك، فتلك هي العين التي انزلقت نحوها في نظرة مائلة. وبدو متردداً في الإجابة.
حثته إيسيت: "أكان ذلك قبل قدوم السيدة بارك للعمل لدينا؟".
قال إيغور ويبدو مرتاحاً: "نعم".
"أكان قريباً من وقت وصولك إلى القصر؟".
"نعم. بعد شهر أو شهرين فقط. كنت أقوم بالتنظيف العام".
"أأوضح لك جاكي الكبير لمَ أراد منك تجنب العبث بالأشياء الموجودة في التخزين؟".
عبس إيغور.
"لا، لم يفعل. ولم أكن… مرتاحاً… لسؤاله".
لو امتلكت شعيرات، لقفزت حاجبي إلى منبت شعري. وبما أنني كنت صلعاء، فلم يستطيعا سوى التحليق قرب منتصف جبهتي، مانحين عينيّ مساحة واسعة للبروز دهشة. أكان إيغور… خجولاً؟
— لا.
ربما ليس خجولاً. حتى في أكثر لحظاتي جموحاً، ما استطعت تخيل ذلك. لكنه كان جديداً على المنزل وحذراً حيال المالك. متجهم، مجتهد، فخور — والآن، متحفظ. ليصل إجمالي حالاته المزاجية إلى أربع. حقاً، كان رجلاً متعدد الجوانب. تنهدت إيسيت والتقطت هاتفها. قدرت أنها تتصل بجاكي الكبير. كان طقساً للفشل، لكن لا بد من إتمامه.
بينما رن الهاتف، قالت إيسيت: "أميل إلى موافقة السيدة بارك. الأشياء في التخزين تأخرت طويلاً على تنظيف جيد — إن لم يكن إخراجها — لكن يبدو غريباً حقاً أن يصدر جاكي تعليمات صريحة كهذه".
أجل. كان ذلك غريباً. امتلك جاك نوكتس عدة منازل حول العالم، وبدا غير مبال بها كلها. والطريقة الوحيدة لتحديث الأشياء في القصر كانت حين يثير المقيمون الآخرون الأمر طويلاً ليدرك جاكي أن أحداً يتذمر. حينها كان يسلم المشروع كله إلى إيسيت. عرفت هذا لأنه، في أوائل كانون الثاني، حين بدأ البرد القارس يحل، أطلقنا أنا وأوليفيا حملة لاستبدال نظام المشععات القديم في القصر، أو تحسينه، أو صيانته — أي شيء!
وفي أواخر نيسان خفتت جهودنا. كان الجو يدفأ، ومدة تركيزي مرتبطة مباشرة بمدى عدم راحتي. ولم نصل في مفاوضاتنا إلا للنقطة التي تذكر فيها جاكي بصعوبة أننا ذكرنا شيئاً عن الموضوع من قبل. لمحتني إيسيت أثناء انتظار انتقال مكالمة جاكي إلى بريده الصوتي.
قالت: "إيميرا؟ أكنتِ تحتاجين شيئاً؟".
"هاه؟ أووoh!".
أشرت إلى السيدة بارك.
"أنا هنا كمساعدة مهتمة لها".
انزاح هاتف إيسيت عن جانب رأسها.
"تساعدين؟".
بدا صوتها متفكراً. نقرتر أصابع يدها المضمدة على سطح مكتبها بضع مرات، ثم أبعدت الهاتف عن أذنها، منهية المكالمة بلا ترك رسالة.
سألت إيسيت السيدة بارك: "أتقولين إنك نظفت الغبار في غرف التخزين من قبل؟".
"نعم".
"ابدئي بذلك. سأبذل قصارى جهدي للتواصل مع جاكي في أسرع وقت. وإن لم تسمعي غير ذلك، فافترضي أن مسموح لك تحريك الصناديق لتنظيف الغبار حولها وتنظيف الأرضيات، ولكن، أرجوك، لا تفتحيها".
"ستحتاج تلك الصناديق للعناية يوماً ما، يا إيسيت".
"أنا آسفة، سيدة بارك. أعرف أنك تبذلين وسعك. وإن قال جاكي شيئاً عن حال المنزل، فسأذكره بأنه كان المشكلة. يمكنك البدء. وسأرسل إيميرا إليك بعد دقيقة".
أطلقت السيدة بارك أعلى تنهيدة سمعتها قط. لم أكن متأكدة حتى من إمكانية تصنيفها كتنهدة بهذا العلو. بل بدت كإحالة أسلحة الكلام للتقاعد.
تمتمت: "هذا الرجل".
رمق إيغور السيدة بارك بنظرة أخيرة منتشية قبل أن يعود إلى المطبخ. استطعت تفهم رغبته في استمتاع بالنصر. ففي المرات القليلة التي اضطر فيها لمواجهة السيدة بارك وجهاً لوجه، كان يخسر النقاش عادة. وربما كان ملك المطبخ، لكن السيدة بارك كانت نوعاً من الأقدار. حتى النصر الجزئي شيء يُذكر. تاهت السيدة بارك خلفه، تاركة إيسيت وأنا وحدنا في المكتبة. مشيت نحو مكتبها متلفتة عبر كتفي للتأكد من أننا وحدنا.
"يا له من أمر! من كان يدرك إمكانية وجود كل هذه الدراما بسبب تنظيف الربيع؟".
بدت إيسيت مسرورة.
"ألم تتعاملي من قبل مع منزل مليء بالخدم؟".
"أين جاكي الكبير إذن؟".
"المغرب، في الوقت الحالي. كان يأمل العودة إلى البيت في غضون أيام، لكنني لست متأكدة من رغبتي في محاولة صد السيدة بارك طوال تلك المدة".
"إنها مجرد أيام قليلة".
"أظنها قاربت عقداً. تلك آخر مرة أتذكر فيها مساعدة جاكي في غرف التخزين".
أطلقت صفيحة طويلاً وخافتاً.
قالت إيسيت: "لكن وجودك هناك يجعلني أشعر بارتياح أكبر".
"كيف ذلك؟".
"إن كان جاكي حريصاً على التواجد حين تُفرغ الصناديق، فيبدو كأنه يحذر شيئاً ما. ليس ساحراً، لذا ليس ثمة ما يمكنه فعله إن حدث أي شيء، لكنه قد لا يغيب عن بملك تفويت رؤية شيء ما. تلك هي القوة الفريدة الوحيدة التي يمتلكها والتي تبدو ذات صلة هنا".
"أيرى أشياء؟".
وما إن غادر السؤال فمي، حتى أدركت كم كان غبياً. كان جاكي الكبير هو الموت. استطاع رؤية الأرواح. واستطاع رؤية الأشباح. وبدا ذلك طبيعياً لي لأنني استطعت رؤيتها أيضاً، لكن بقية العالم ظن أننا مجنونان معاً.
قالت إيسيت: "ربما كانت كلمة «يُدرك» أكثر دقة. وأنت، من جهة أخرى، يمكنك الرؤية. وسترين أكثر مما يستطيع".
تململت. لظننت، بحلول ذلك الوقت، أنني اعتدت وجود مقلتين سحريتين أسطوريتين مغروزتين في رأسي — وكنت كذلك في الغالب! لكن أزعجني إدراك أن الناس سيقارنون عينيّ بعينيّ جاكي الكبير، وحين يفعلون، سأخرج أنا الفائزة. وبدا الأمر كأنني خطوت بعيداً جداً، أو تماديت كثيراً. في منزل مليء بالبشر الفريدين، سُمح لي بأن أكون مميزة — لكن لم يُسمح لي بأن أكون مميزة إلى هذا الحد.
قاطعت إيسيت شرودي قائلة: "ابقي عيناك مفتوحتين وأنت تساعدين السيدة بارك".
"لا مشكلة".
أديت التحية.
"أي شيء محدد لأراقبه؟".
أرتني عيناي السحريتان شيئاً جديداً: مشاعر إيسيت. اعتدت رؤية المشاعر مرسومة عبر جمجمة جاكي الكبير، وكنت ألتقط لمحات من المشاعر مع أشخاص آخرين، لكنها كانت المرة الأولى التي أرى فيها شيئاً على وجه المومياء سوى عدة طبقات من الضمادات. كانت متوترة.
"إيسيت، أأنت بخير؟".
رفعت رأسها. واختفت المشاعر. وصعب التشبث بفكرة أنني رأيت شيئاً من الأساس.
"بخير. شكراً لك".
مدت يدها نحو القلم المستقر على دفتر الملاحظات على مكتبها.
"أخشى أنني لا أعرف ما ينبغي لك البحث عنه".
خفضت صوتها: "هذا ذنبي. حين وصلت، كنت مشغولة جداً بالانتقال، لدرجة أنني لم أفكر في طرح الأسئلة التي كان يجب أن أطرحها".
"ألم يضع جاكي شيئاً من التحف الثمينة في غير مكانه أو ما شابه؟".
لفت إيسيت القلم بين أصابعها المضمدة.
"أنا متأكدة أنه وضع عدة أشياء في غير مكانها على مر السنين، لكنك لن تجديها هناك. كل ما في غرف التخزين ينتمي إلى الرجل الذي بنى هذا القصر".