لو كانت الساحرات نصف بارعات كما يظنبن لأنفسهن، لاستطاعت إحداهن اكتشاف طريقة لعلب عصر ما بعد ظهيرة أيار البديع كي لا أضطر لانتظار الطبيعة لتوزعه قطرات. ربما لم تكلف أنفسهن عناء ذلك لأنهن علمن أنه لن ينافس الأصل أبداً. كنت أجلس على العشب الغض، وأستشعر برودة الأرض عبر سروال الجينز ودفء الشمس على ذراعي العاريتين. حمل النسيم اللطيف رائحة الجبال العطرة عبر جدار الحجر الرمادي القصير الذي يفصل الجزء المتحضر من فناء نوكتس عن البراري الممتدة خلفه.
كنت أسمع حفيف الأوراق الخضراء على الأشجار. كانت أشجار الصنوبر صامتة، لكن تمايل أغصانها أوحى كأنها تلوح لبعضها. انقضت بضع طيور عبر السماء الزرقاء بينما راحت سحب بيضاء منتفخة تتكسل في العبور عالياً فوقها. ثم، وسط هذا المشهد الهادئ، اقتحمت جريمة قتل وحشية المكان. كانت اليعسوبة تحوم على ارتفاع نحو ستة أقدام فوق الفناء. وشعرت بأن حياتها في خطر، فارتفعت بوصة واحدة. وأطبق قفص أنياب كابا ليمسك بالفراغ وحده.
صاحت: "يا للهول! كابا، لا! لا—لا تأكلها!"
لكن السفاح قزم الستايل كان منكباً بشدة على فريسته لدرجة أنه لم يستمع إلي. قفز من الأرض نحو الجدار الحجري القصير، ثم استعمله منصة لقفزة طائرة أخرى باتجاه اليعسوبة.
"كابا!"
حط وحش المستنقعات الصغير أمامي. وكشف ابتسامته الشريرة عن مؤخرة اليعسوبة الزرقاء الطويلة الساطعة والجناحين اللذين نجيا من الوجبة الكبرى. فتح أسنانه وأغلقها بضع مرات إضافية، إلى أن لم يتبق سوى شظايا طائرة. رفعت يدي فوق عيني.
قلت لكفي: "هذا مقرف".
سأل كونراد: "أبأيّ شكل هو أكثر مقززية ممّا يأكله عادة؟"
كان رجل الذئب منحنياً فوق حديقة الخضار المزروعة حديثاً، ليفعل أياً ما يفعله البستانيون لاستخراج الطعام من التراب.
قلت: "لأنني لست مضطرة للمشاهدة عادة".
قال كونراد: "عليك مدحه. من المفترض أن يأكل الحشرات".
"أحضرته إلى هنا لتأكل القواقع واليساريع—آفات الحدائق".
توقف كونراد ليمد قبضته الكثة نحو كابا. قفز وحش المستنقعات وضرب قبضته الضئيلة بقبضة كونراد.
قال كونراد: "شريك الحديقة رقم واحد".
ابتسم كابا وراح يحفر التربة الداكنة بيديه ذات الغشاء.
تهكمت: "ما الذي فعلته تلك اليعسوبة لتستحق نهاية كهذه؟ المسكينة هامت على وجهها غالباً بعيداً عن بركة أسنا الكوي وضاعت!"
قال كونراد وهو يعود إلى عمله: "أوتسمين تلك الكائنة صغيرة؟"
تردد. بدت اليعسوبة صغيرة مقارنة بهاوية فم كابا المتسعة، لكن هذا لم يكن قولاً كثيراً.
أضاف كونراد: "كانت بحجم طائر تقريباً".
كان ذلك مبالغة، لكنني لم أكن لأصححه إن استطعت استغلال الأمر جزءاً من حملتي ضد القتل العبثي أمامي—ح.ق.ع.ق.أ.
قلت: "بالضبط! ما التالي على القائمة؟ العصافير؟ أبو الحناء؟"
أمال كابا رأسه. وانكمشت المنطقة الملساء بين عينيه السوداوين الواسعتين حيرة. توقف كونراد عمّا فعله ونظر إلي.
"ميرا، إنه يأكل الطيور بالفعل".
مرّ ثانية كاملة قبل أن أتحدث.
"تعني..."
أومأ كونراد برأسه. أشرت إلى الأشجار.
"أعني، تلك الصغيرة..."
ارتفعت حافة شفتيه السوداوين بابتسامة. رجّرت رأسي للخلف مقرفاً.
"يا لهول—يا للهول! هذا... تبّاً! تقيؤ!"
أخرجت لساني محاولةً طرد حفنة ريش وهمية. ابتسم كابا لي بلا خجل وربت على الأرض. وانغمس كونراد في ضحكة هادئة قبل أن ينحني مجدداً على عمله.
رفع صوتي كي يتأكد من سماعي: "لم تبدي انزعاجاً من فكرة أكل الطيور البارحة".
قلت: "كان ذلك دجاجاً!"
راح كابا يهتف: "دجا-دجا-دجا-دجاج"، وهو يقفز في دائرة.
قال كونراد: "حسب آخر تفقداتي، الدجاج طيور".
تمتم كابا: "دجا-دجاج".
كرهت حتى مجرد التفكير في الأمر، لكن كونراد كان محقاً. رغم عويلي وتقيئي، كان الفارق الوحيد بيني وبين كابا هو أنه يملك النزاهة الكافية لاصطياد طعامه بنفسه. وكنت أكل حشرات أقل.
تابع كونراد: "غير مسموح لك بإزعاج كابا بشأن ما يأكل. أي شيء يمكنه اصطياده مباح، وهو يعرف القواعد".
قلت: "وهناك قواعد؟"
"كابا، ماذا قال لك إيغور بشأن ما تصطاده؟"
لم يتوقف كابا عن القفز ليجيب: "اصطاده في الخارج، كله في الخارج!"
ارتسمت على شفتي ابتسامة مرغمة.
"حسناً. أجل. هذه قاعدة جيدة".
قال كونراد: "إنه مفترس. حتى وإن نال ما يكفيك من طعام إيغور، فهو أثعد حين يستطيع الصيد".
فككت تشابك ساقي، ورفعت ركبتي إلى صدري، ولففت ذراعي حولهما. أسندت ذقني على ركبتي وأنا أملي ناظري على رجل الذئب الذي كان يستعمل مخالبه لفرز حديقته. كان خطمه يشير نحو الأرض، وتدير أذناه تتبعان أصوات العالم حوله.
قلت: "ما تلك الكلمة التي تعني أن تضع شيئين جنباً إلى جنب لأنهما لا يجب أن يتوافقا معاً لكنهما يتوافقان نوعاً ما؟"
نفخ كونراد. كانت تلك النسخة الذئبية من ضحكة قصيرة منفوخة.
"ماذا؟"
"يستخدمها داريوس. شيء عن العناصر المتباينة".
"ليست لدي فكرة. لماذا؟"
قلت بابتسامة: "بلا سبب. وماذا عنك، أيها الفتى الذئبي؟ تحب شرائح اللحم، أليس كذلك؟ هل اصطدت أي أبقار برية مؤخراً؟"
تذمر كونراد: "لا يمكنني نيل التصريح. لكنني أعرف كيف أصطاد إن احتجت".
أملت رأسي.
"كيف... يعمل هذا؟"
"هاه؟"
"أتركض خلفهما على ساقين، ثم تنقض على الودج؟"
تخيلت أيلًا مسكيناً يعض بعض الخضر، ويلتفت عرضياً برقبته ليرى ذئباً مرتدياً كامل ثيابه وقائماً على ساقين يهرول نحوه. بدا الأمر مضحكاً نوعاً ما، لكنه كان مخيفاً تماماً بطريقة أكثر قسوة ووحشة.
قال كونراد: "أستعمل بندقية ثلاتين-أوث-ست عادة".
"ثلاثين-أوث... آه! بندقية! صحيح، صحيح. بندقية. هذا منطقي أكثر".
اتسعت ابتسامة كونراد حتى استطعت رؤية الانحناءة الطويلة لأنيابه، وسأل: "وماذا عنك، أيتها الفتاة الزومبي؟ هل خرجت للصيد قط؟"
لم يسأل السؤال إلا لمشااكستي.
كأنما دعاني "فتاة المدينة"
بدلاً من "فتاة الزومبي"—لكان الأمر دقيقاً بالدرجة ذاتها.
أزعجني ذلك. لكنه كان محقاً. لم أخرج للصيد قط. ولم أضطر يقط لنتف دجاجة أو أكل حشرات. عانيت من الجوع من قبل—أكثر من مرة—لكن هذا ليس شبيهاً بسلخ جلد أيل. لم أعُدّ قط ذلك ضعفاً من قبل. اردت قول شيء يمحو تلك السخرية عن وجهه، لكن كان علي تجنب الكذب. مال كونراد إلى فضح أمري كلما فعلت ذلك.
حشدت ثقة غير مبررة: "أظنني استطيع—كما تعلم، لو اضطرت".
نظرت إلى الأشجار خلف الجدار الحجري: "الجوع محفّز حقاً".
وحين أدرت نظري إلى الأسفل مجدداً، كان كونراد يراقبني. ظل مبتسماً، لكن كل السخرية قد زالت. اللعنة. أخذني بجدية مجدداً. لابد من طريقة لجعله يكف عن ذلك. شعرت أن تغيير الموضوع صار واجباً.
قلت: "على أي حال، أفضل أكل أي شيء تزرعه أنت".
أومأت نحو الحديقة: "سأفرم كل الخضروات بنفسي. بلا رحمة".
تأمل كونراد صفوف النباتات المنتظمة بمسحة من الوله.
"أجل. أتمنى أن يصمد بعضها".
"ظننتك قلت إنها تبدو بحال جيدة".
ملّ كابا القفز وهام ليجلس في حضني.
قال كونراد: "هي كذلك الآن، لكن هذه حديقتي الخضراوية الأولى، ولديها الكثير ممّا يقف ضدها. لست متأكداً إن كانت كيمياء التربة سليمة. لدينا كل أنواع الحيوانات هنا—أرانب، أيال، فئران. ثم هناك موجة البرد".
سألته: "أي موجة برد؟"
"هذه سنتي الخامسة هنا. في كل أيار، ليوم أو يومين، وببلا سبب يمكنني تبينه، تهبط الحرارة دون الصفر ليلاً".
"ماذا! لا! بالكاد بدأ الجو يدفأ!"
هز كونراد كتفيه: "ليلة أو ليلتان فحسب".
"من السهل عليك قول ذلك! أنت ترتدي معطف فرو! سيتعين علي إخراج تلك اللحاف الذي خزنته".
قال كونراد: "أخرج اثنين. لقد أطفأ داريوس التدفئة المركزية لهذا الموسم بالفعل".
تذمرت وأرخيت رأسي يسقط. لا تدع مصاص دماء يضبط منظم الحرارة أبداً. لا يشعرون بالبرد هم أيضاً. سمعت خلفي أحد الأبواب الفرنسية المؤدية إلى المطبخ يصطدم بإطاره. يفعلون ذلك إن لم تحذر أثناء إغلاقهم.
وأعقب الصوت "أوب!"
هادئ. التفت فوق كتفي. وقف كابا على ساقي ليتمكن من النظر فوق كتفي بدوره.
ناديت: "أهلاً، السيدة بارك".
كانت السيدة بارك تدبر منزل جاكي الكبير، لكنها لم تبدو كمدبرة منزل. ارتدت كعجوز مهووسة موضة بوهيمية في طريقها إلى أمسية شعرية: شعر أبيض مرفوع إلى عمامة مزخرفة بألوان الأحجار الكريمة، وأقراط ضخمة مصنوعة يدوياً، وملابس فضفاضة. كانت ترتدي طرازها المعتاد ذلك اليوم، لكنها كانت تعمل منذ باكورة الصباح، فبدت كأنها نجت هاربة بصعوبة من اجتماع عمل استمر ثماني ساعات دخلته ظانةً أنه أمسية شعرية.
قالت وهي تتقدم نحونا: "إيميرا، عزيزتي. لدي طلب أرجوه منك".
ركض كابا ليلاقيها، لكن كل ما فعله كان الرقص حول ساقيها، ثم المشي-القفز بجانبها. لم أدر إن كان كابا قد دُرب ألا يقفز على أشخاص معينين، أو إن كانت لديه حاسة داخلية بشأن من يُسمح له بالاندفاع نحوه ومَن لا يُسمح.
على أي حال، علقت أنا في قائمة "الضحايا المسموحين".
سألت: "ألم تنتهي من العمل بعد؟"
"ليس بعد. أو، بالأحرى، لا أود التوقف بعد. ما إن أنخرط في تنظيف الربيع، حتى أميل لإيجاد نسق".
توقفت السيدة بارك على بعد أقدام ونظرت إلي بتعبير من الحكمة العميقة: "وتعرفين، لا يجب عليك قطع نسق جيد أبداً".
قلت: "صدقيني، أنا أفهم".
"ظننتك تفعلين. تساءلت إن كنت ترغبين بمساعدتي في بعض العمل. لن أطلب ذلك عادة، لكن الأمر يغدو أسرع بكثير حين يتواجد معي أحدهم للمساعدة في الرفع".
انتفضت قليلاً بينما أفلتت: "أجل! كلا، تماماً! يسعدني جداً المساعدة".
حزت سمعة سيئة حول القصر فيما يتعلق بالتنظيف. في زمن مضى، حاولت شرح لكونراد أن التقاط الأشياء والتنظيف مهارتان لا علاقة لهما ببعضهما قط. كنت بارعة في التنظيف. التقاط الأشياء؟ لست كذلك بالقدر نفسه.
حدق فيّ مطولاً قبل أن يقول: "إذن لست بارعة في التنظيف"—مثبتاً بذلك أنه لا يمكن تعليم حيل جديدة لرجل ذئب عنيد.
لكن السيدة بارك كانت مدبرة منزل محترفة. كانت تفهم. لم تشطبني بوصف ميؤوساً منها. لُوحظت مواهبي الخفية واعترف بها. ولِمَ قد تطلب مساعدتي إن لم يكن الأمر كذلك؟
قالت متنهدة: "آه، شكراً لك. ومع ذهاب أوليفيا وعمل كونراد في الحديقة، لم يكن لدي أي شخص آخر أطلبه حقاً!"
انكمشت غروري كبالون أُطلق بلا عقدة. وترددت صفارة الريح العابرة لكبريائي الهارب في أعماقي. سمعت كونراد يضحك. ربما شم خيبتي. أو سمع صفارة الريح. أحد الأمرين.
نادى كونراد: "كابا".
نظر إليه كابا.
"ستبقى معي".
انزلقت عينا كابا نحوي. وانعكس شعور بالفزع داخل حوض السمك الأسود الضخم لنظراته. لقد أحب كونراد بقدر ما أحبني، لكن كونراد كان يملك عادة سيئة في أداء العمل الشاق، وهو ما لا يبدو ممتعاً البداية.
قلت: "آسفة، يا صاح. إن كنا ننظف للربيع، فسيغدو المكان مغبراً غالباً".
لم يميز جاكي الكبير بين كابا وأي من المقيمين الآخرين في القصر؛ فقد سُمح لوحش المستنقعات بالذهاب إلى أي مكان يشاء ما لم يكن غرفة خاصة. وقبل وصولي بفترة طويلة، استكشف الطابق الثالث وتعرف على كل الغرف المغلقة طوال العام تقريباً. وحين وجدني في إحداها أبحث عن بعض الخيط، أطلق نعباً عالياً، وقفز للداخل، وحاول سحبي للخارج. سايرته بسبب ضيقه الواضح. وحين صرنا خارج الغرفة، بذلت قصارى جهدي لأحافظ على استقامة وجهي بينما أشكره على إنقاذي.
سألته: "لكن لماذا أنت منزعج هكذا؟"
"غبار!"
"غبار؟"
أخرج لسانه إلى أقصى حد ممكن. ذروة الاشمئزاز. كان الفتى ليأكل لوح شوكولاتة كاملاً قبل أن يفعل ذلك. كان الغبار سيئاً.
"لصق!"
ضحكت، وانحنيت، وحملته بين ذراعي: "لا أظن أن الغبار هو ما يلصق—"
لكن حين استقمت، ارتفع إلى حزمة الضوء الآتية من نافذة مؤخرة الغرفة. كانت رقع كبيرة من جلده الأملس، المليء عادة بلمعان الرطوبة، مغطاة بطبقة رقيقة وباهتة من الوحل الغباري الرطب. نظرت خلفي نحو الغرفة. لقد كان هناك لبضع ثوانٍ فحسب! حاولت مسح إحدى الرقع. تحرك الغبار على جلده متجمعاً في خط أوحل أكثر سماكة.
عبس كابا في وجهي: "لصق!"
"حسناً، يا صاح. فهمت. سأحذر. دعنا نذهب وننظفك".
بينما أخذ حماماً مغتاظاً في حوض الاستحمام الخاص بي (لم يحتاج الكابا حمامات، فقد كان الكابا نظيفين دائماً)، حاولت شرح أن الغبار ينزلق عني تماماً. كانت إحدى قواي الخارقة. وبدا متشككاً. ومبينينا، كنت آخذ حمامات أكثر منه بكثير. وبغض النظر عن مدى حبه لي، فإن تهديد الغبار سيكون كافياً غالباً لجعله يتخلى عن ادعائه بصحبتي.
قال كونراد: "ابقَ معي، ويمكنك أكل كل الحشرات والطيور التي تريد".
أظهرت ابتسامة كابا أنيابه التي لا تزال مرقطة بقطع اليعسوبة. دَبّ متسولاً وغرس مؤخرته على الأرض بجوار كونراد بينما كان يتأمل رجل الذئب بعشق. هذا كل ما في الأمر من ولاء. تمطيت بينما وقفت. وخدّرت مؤخرتي وساقاي من الجلوس على الأرض الصلبة طويلاً.
قلت: "حسناً، السيدة بارك. لنذهب لنقم ببعض تنظيف الربيع".
ربما استطعت فعل شيء حيال سمعتي تلك.