~ كالوبو ~ ~ مكان ما على الطريق بين تيرانات وكسنران ~
أمضيا أكثر من يوم بأسره ينتظران فوق ذلك الجرف ولم تلوح في الأفق أي قافلة قادمة أو راحلة على الطريق. استمر الطقس في ازدياد برودة لكنهما عجزا حتى عن إشعال نار هنا نظراً لإمكانية رؤيتها من مسافة بعيدة في الظلام. لعن نوكوزال لاختطافه إياه ولعن الطقس على برودته القارسة ولعن القصير والبدين لإبقائه في هذا المكان. لعن عجزه عن الفرار لما سيجرّه ذلك من عواقب على هيولا ومن في المقبرة.
شرع حتى في لعن نفسه لبدء اهتمته بها لكنه كبح نفسه في اللحظة الأخيرة. لم تكن حياته سهلة في تيرانات حتى قبل أن يقع في أسر قطاع الطرق وكان لقاؤها منارة أمل في حياته القاحلة. ومع ذلك عجز عن التوقف عن لوم نوكوزال على كل شيء. لتبتئس الأمور برمّتها! كان الوقت قد أضحى متأخراً من المساء وبدأ الظلام يتسلّل ببطء. انبطح الثلاثة جميعاً عند قمة الجرف بحيث لا تظهر سوى هامات رءوسهم للخارج مراقبين الطريق المقفر.
لم تكن طريقاً حقاً. ربما كان وصفها بدرب شقّ طريقه عبر الغاب أدقّ بكثير. لم يتبقَّ سوى أثر من عشب مسحوق. —أترى قافلة آتية حقاً؟ سأل القصير البدين وهو يحكّ ظهره. —ليعذبني الجحيم إن دريت. هزّ البدين كتفيه والتوى قليلاً ليأخذ وضعية أريح عند قمة الجرف. لا يمكنني تمني ظهور قافلة من العدم. —رغم هذا لم نلمح راكباً واحداً يجيء أو يروح من هنا. ردّ القصير. وبهذا المعدل سنضطر للعودة خائبين وأنا لا أرغب في حمل الأخبار السيئة إلى الزعيم.
التفت برأسه نحو كالوبو. هيه كنت هادئاً أكثر من اللازم. ما رأيك؟ أستقبلنا قافلة قريباً؟ —وكيف لي أن أعلم بحق الجحيم! ردّ كالوبو بحنق. تعلم أنني لم أبارح المحجر لأسابيع الآن. أشار إلى إحدى يديه التي ظلت مربوطة بحبل متصل بيد البدين. لست أملك رفاهية الذهاب إلى القرية لأجمع الأخبار. —لكنك لابد تعرف شيئاً! عاود القصير سؤاله وبدا بخاره متصاعداً أمامه من شدة البرد. هزّ كالوبو كتفيه.
مثلما أخبرت نوكوزال في المرة الأخيرة التي سألني فيها لا أظن أن لدى القرية أي عملة معدنية باقية على الإطلاق بعد تلك الغارة التي شنها... ممم.. جماعة تورهان. وأردف: إن بقيت لديهم أي عملة... فأجزم أنهم لن يستطيعوا إرسال سوى راكب واحد كحد أقصى لا قافلة كاملة. ضيق القصير عينيه نحوه لهيهة. لا تبدو كاذباملكنها قرية بأكملها. لابد أن شيئاً قد تبقى لديهم. هممم... ما زلت أعتقد...
فجأة أطلق البدين فحيحاً: اصمتا أنتما الاثنان! أرى شيئاً. —ماذا؟ أين؟ سأل القصير بصوت خفيض. أشار البدين جهة الشمال. هناك! همس. يحلّ الظلام الآن لكن ثمة ضوء كافٍ لرؤيته. —لا أرى شيئاً... ضيق القصير عينيه وهو يرمق الشمال بينما فعل كالوبو مثله. —الزم الصمت وواصل المراقبة فحسب. وبخه البدين. لا نريد أن تلوح لهم حتى بارقة أومضت بوجودنا هنا. وما إن أومأ القصير برأسه حتى التفت البدين إلى كالوبو.
وأنت! إياك وأن تفكر في الصراخ طلباً للنجדה وإلا فستعرف ما سيفعله الزعيم بنحاتي الحجارة وتلك الفتاة التي تعجبك! غلى كالوبو من الداخل لكنه نجح في حبس لسانه بطريقة ما. ضغط على أسنانه وأومأ برأس مرغم فانسحبا إلى الخلف أكثر ليراقبا الطريق دون أن يُرَيَا من الخارج. بعد قليل لمح كالوبو الأمر بدوره. بدا في البدء عربة مفردة تجرها حصانان. لكن ببطء ومع اقتراب العربة عاين عربة أخرى خلفها وأخرى خلف تلك وهكذاس تدريجياً واصلت العربات الاقتراب وأحصى ما مجموعه ثامن عربات في القافلة!
دهش لوجود عربة واحدة مقبلة إلى هنا فما بالك بقافلة كاملة؟ وقافلة بهذا الحجم علاوة على ذلك؟ ومع استمراره في الحدّ لاحظ أن كل العربات كانت مغطاة بأقمشة مشمعة مطلية بالزيت لذا جهل ما تحملته في جوفها لكن ومع معرفته بكل شيء لابد أن يكون قمحاً — والكثير منه! —اللعنة! تمتم القصير. هذه غنيمة ضخمة حقاً! رمق كالوبو بنظرة حارقة. إذن كنت تكذب طوال الوقت! —اصمت. ردّ كالوبو عليه. أخبرتك أنني بمعزل عن القرية لأسابيع الآن.
وكيف لي أن أحيط علماً بأمر كهذا؟ —أغلق فمك أيها اللعين! قال البدين بغضب. ولا حرف واحد حتى يبتعدوا! وبينما شرعت العربات في المرور أمامهما وتصرخ محاور عجلاتها على الطريق الصامت ساط سائقي العربات — وبلغ عددهم أربعة عشر سائقاً يقودون العربات الثماني. لا بل لم يكونوا مجرد سائقين! باستثناء رجل بدين كان الباقون جميعاً يحملون سيوفاً. وامتلك بعضهم رماحاً وقسماً من القوس! بدوا حراساً مدربين جيداً لا مجرد سائقي عربات مأجورين!
حسب آخر عهد له لم يتبقّ في القصر سوى بضع حراس حين غادر لشراء القمح من سينران. فمن أين أتى هذا العدد الغفير من الحراس إذن؟ —اللعنة... أماتلك القرية حقاً هذا العدد من الحراس المدربين برفقتها؟ همس القصير. —بالتأكيد فعلت. أجاب كالوبو بابتسامة مصطنعة. لم يكن لديه أدنى فكرة كيف خرج هذا العدد من الحراس من القرية لمرافقة قافلة إذ يستحيل أن يترك السيد دوفاس القرية بلا حماية.
ومع ذلك أبى أن يمنح هؤلاء الأوغندة سبباً لكمين القافلة. وعلى الرغم من ذلك وفي ضوء الشمس الآفل مؤخراً حدّق إليهم ملياً وببطء شرع يتعرف على بعضهم. هناك! نوروبو كان هناك أيضاً! شكر الملك لأنه ما زال بخير. وبالنظر إلى بطنه المنتفخ على الدوام بدا أن القصر لم يكن يرزح على حافة المجاعة تماماً. وهناك حراس آخرون للقصر تعرف عليهم بسهولة. غير أن كثيرين آخرين لم يكونوا حراسة قط!
هناك تيسيب أحد عمال المناجم الشباب في مناجم الفحم. وتعرف على آخرين ممن كانوا إما عمال مناجم أو بسطاء آخرين من القرية! قطب جبينه. لِمَ قد يتواجد هؤلاء القوم هنا متخفين في هيئة حراس؟ لم يكن لأحدهم أي تدريب ولن يصمدوا دقيقة في عراك مع قاطع طريق. بيد أن القصير إذ لعن حضور هذا العدد من السيافين في القافلة أدرك فوراً أن هذا هو السبب المحدد لتواجد هؤلاء القرويين هنا مرتدين زي الحراس!
إنها خدعة لتضليل كل من تسول له نفسه نصب كمين للقافلة! لقد منحوا حتى الدروع الجلدية والسيوف لأولئك العمال بالرغم من احتمال أنهم لم يمسكوا سيفاً طيلة حياتهم! ضحك باطناً في توتر. لم تكن لديه فكرة عمن فكر في شيء متهور هكذا شيء يتسم بمثل هذه... الجرأة! اكتفى بالسرور لكون هؤلاء اللصوص يجهلون ما إذا كان هؤلاء حراسة حقيقيين أم مجرد مدعين. وكان عليه بذل قصارى جهده لتعظيم شأن دفاعات القرية — لكي يقلع أولئك اللصوص عن خطة سرقة القمح من القرويين شبه الجوعى.
لقد كان سيئاً بما يكفي عجزه عن العودة بأي قمح وفقدان القطع الذهبية لصالح اللصوص. لكنه وجب عليه المحاولة باستماتة كي لا يسطو اللصوص على ما تبقى من قمح شحيح لدى الأهالي. ومع هذا لم يعتقد أن السيد دوفاس كان ليخطر بباله مخطط كهذا. لم يكن شخصاً يقدم قط على أمر متهور كهذا. ومع وفاة البارون السابق لم يبرح أحد في القصر لإصدار الأوامر إليه على أي حال. فمن إذن اخترع هذه الخدعة المعقدة؟
ومن أين أتوا بالأموال لاستئجار هذا العدد من العربات وشراء كل هذا القمح؟ لابد أن شيئاً ما قد تبدل في القرية... عجز عن تخيل كنهه لكن القرية لن تبقى على حالها الآن — قط. سيما وأنهم يملكون شخصاً هناك يملك المال إلى جانب الجرأة لفعل شيء كهذا! علاوة على ذلك لا يمكن لكل هذا أن يحدث دون موافقة السيد دوفاس ولا يمكن سوى للبارون إطلاق هكذا توجيهات نحوه. أيعني هذا أن تيرانات حظيت ببارون جديد أخيراً...؟
لابد أن الأمر كذلك! فمن سواه يملك توجيه الأوامر للسيد دوفاس! بات يغمره الفضول بشدة. أهو شخص من بلاط الكونت سينران؟ إذ يرى البارون الجديد ينفق الكثير من أمواله لشراء الطعام للقرويين فلا يمكن أن يكون شخصاً سيئاً أليس كذلك؟ هذا ما جعله يشتاق للعودة للقرية أكثر! ابتسم سراً حريصاً على ألا يُظهر وجهه شيئاً للعيان. ليظن اللصوص أن القافلة تحظى ببضع عشرات من السيافين لمرافقتها وأن القرية تمتلك هذا العدد من الحراس المدربين لإرسالهم للخارج!
يستحيل أن يراود نوكوزال التفكير في نصب كمين لتلك القافلة الآن رغم أن كالوبو نفسه لا يعلم إن كانت القافلة ستعود في رحلة أخرى نحو سينران أم لا. ببطء تحركت العربات جميعاً للأمام وقبل أن يطول الأمر اختفت عن أنظارهم جهة الجنوب. اعتدل القصير في جلسته أخيرًا وحدّق إليه بنظرة حارقة. أكنت تعلم أن القرية تملك هذا العدد من الحراس أليس كذلك؟ ابتسم كالوبو بخبث. حقاً مثلما أخبرت نوكوزال مراراً وتكراراً!
لكن ليس وكأن أحداً منكم أصخى السمع إليّ قط. فعبثاً تحاولون مهاجمتهم. حدّق إليه البدين بدوره وهو ينهض جافّاً كالوبو معه بواسطة الحبل. لا أصدقك. لا أظن أن قرية صغيرة تمتلك هذا القدر من الحراس. أتعرفت على أحد حتى؟ —بالتأكيد فعلت. ردّ كالوبو مبتسماً. هناك نوروبو الرامي وتيسيب السياف الخبير. وليبدو أمر القرية أشدّ قوة أردف: لقد تدربت مع أولئك الحراس لسنوات رغم أنني لم أستطع قط هزيمتهم فعلياً.
—بالطبع لم تستطع دحرهم فأنت لا تحسن القتال كالقرف! شخر القصير. هزّ كالوبو كتفيه وأشاح بوجهه. بالكاد استطاع التغلب على أي من اللصوص حين حاولوا ضربه جماعياً إثر محاولته الفرار بينما كانت يداه مقيدتين ودون سلاح بين كفيه. امنحه سيفاً جيّداً وسيتكفل بنوكوزال في مبارزة فردية بكل سهولة! غير أنه آثر إطباق فمه. لا طائل من محاولة ادعاء قدرته على القتال. ولن يجني من ذلك سوى تلقي جولة أخرى من الضرب المشابه.
هزّ البدين رأسه ببطء. لا أزال لا أصدقك. قال نوكوزال إن القرية تعجز عن حيازة كل هؤلاء الحراس. وأضاف القصير: لا يهم إن كانوا حراس القرية. لقد رأينا نحن الاثنان وجود أكثر من اثني عشر سيافاً يحرسون تلك القافلة. قد يكونون مرتزقة مستأجرين على الأرجح لكن القرية في كل الأحوال تملك رجالاً كُثراً للدفاع عن أنفسهم. وأقسم قائلاً: اللعنة! لا أرغب في أن أكون أنا حامل الأخبار السيئة إلى نوكوزال.
—لكننا ملزمون بإبلاغ الزعيم بشأن القافلة. قال البدين وأومأ نحو كالوبو. ليس وكأننا نستطيع إرساله على متن الحصان. —أأنا من عليه الامتطاء والعودة إذن؟ تمتم القصير. رمق البدين صعوداً ونزولاً. سيموت الحصان لو امتطيته لمسافة بعيدة كهذه على أي حال. شخر البدين. انطلق إذن. سأبقي عينيّ على كالوبو هنا. وقطب جبينه: لا أدري لِمَ أرسله نوكوزال معنا أصلاً. إنه عبء ثقيل في أفضل الأحوال.
عبس كالوبو لكنه أمسك لسانه. وتابع البدين ناظراً إلى القصير: حاولا الركض بسرعة. وكلما أسرعت في الإبلاغ تمكن الزعيم من تقرير ما ينبغي فعله مبكراً. لا نضمن إن كانت القافلة ستغادر لرحلة أخرى — لا سيما مع قرب هطول الثلج هنا على ما يبدو لكن إن امتلكت القرية ما يكفي من المال لشراء كل هذا القمح واستئجار هذا الكم من العربات فربما يملكون المال لرحلة أخرى أيضاً. مع ذلك ورغم أنني لا أظن أن الزعيم سيرغب في نصب كمين لتلك القافلة مجدداً فهذا ليس قرارنا.
وجب علينا إيصال الخبر إليه بأسرع ما يمكن وإلا فجلودنا ستكون على المحك. أومأ القصير برأس مرغم وتحرك لفك رباط الحصان الذي كان يقتات على بعض العشب القريب. عقب فترة راقب كالوبو امتطاءه ومغادرته مع عودته نحو قمة الجرف برفقة البدين. جهل ما يخبئه المستقبل له لكن على الأقل لن يواجه أهل القصر والقرويون الآخرون المجاعة الآن مع تدفق كل هذا القمح إلى تيرانات. تمنى لو عاد إلى قريته عوضاً عن مرافقة هؤلاء اللصوص الملعونين.
حدّق إلى البدين من زاوية عينيه. أيمكنه...؟