من لندن إلى اللورد الفصل 89 — اسئلة صعبة

اقرأ من لندن إلى اللورد الفصل 89 — اسئلة صعبة باللغة العربية على مانجا تايم.

كيلوماس. قصر البارون، تيرانات. جلس كيلوماس في قاعة القصر في اليوم التالي وبسط ذراعيه على مسندي المقعد. أدرك أن القافلة يجب أن تكون في سينران اليوم. لعلهم يستطيعون شراء كل ما يرغبون فيه دون عراقيل في الطريق. كان اليوم أول يوم ينضم فيه إلى هودان وحراس آخرين في الجري حول أسوار القصر. أدى تمارينات بدنية أخرى أيضاً تشمل بعض القرفصاء وتمارين الضغط وعدواً قصيراً وهو يشعر بآثار ذلك كله الآن.

لم يكن معتاداً على شيء كهذا وخاصة في جسد نبيل خامل تماماً كهذا، فشعر بإرهاق تام الآن. قد لا يملك متسعاً من الوقت ليصبح بلياقة الحراس ولكنه ما زال يريد فعل شيء للتخلص من كرشه. لعله يستطيع بلوغ مستوى اللياقة الذي يريده قريباً. لم يكن في قاعة القصر سواه ولوسيم وڪلاريسا اللذين كانا يلعبان بعض ألعاب الكلمات على طاولة الطعام الطويلة بينما جلس هو وحده قرب المدفأة. لم يستطع منع نفسه من الابتسام حين نظر إليهما.

كاد لوسيم لا يجد ما يكفيه من الطعام في نزل السيدة هيْلغا بسبب المصاعب المادية التي واجهتها في إدارته والتي رجعت غالباً إلى قلة المسافرين بسبب خطر قطع الطرق، لكنه يحصل هنا على ثلاث وجبات كاملة يومياً على الأقل شأنه شأن جميع المراهقين في عمره. الأمر عينه ينطبق على كلاريسا أيضاً. بدا أنها تجاوزت تجربة التسمم المرعبة بحلول الآن وباتت تبدو مبتهجة للغاية هذه الأيام وخصوصاً بعد أن وجدت رفيق لعب في لوسيم الذي يكبرها بسنة واحدة ربما.

أمضت معظم وقتها هنا مع لوسيم وسيرين منذ محاولة التسمم تلك عوضاً عن العمل في قاعة الخدم. لكن السيدة نيريدا المولعة بالقواعد دائماً لم تحب إمضاءها كل هذا الوقت في اللعب عوضاً عن العمل مبينة أن كلاريسا تظل خادمة في القصر في النهاية. حتى إنها اشتكت له من ذلك قبل بضعة أيام لتأمر كلاريسا بالعمل مع الخادمات الأخريات في مطبخ قاعة الخدم. لكنه رفض طلبها فوراً. لم تتعرض كلاريسا للتسمم إلا بسبب وصوله وتجربة كهذه تكفل ترك ندوب في نفس المرء طوال حياته وخصوصاً لمن كانت في عمرها.

عدّ نفسه مسؤولاً عما حدث لها فشعر بواجب التحقق من أنها ما زالت بخير. حين احتجت السيدة نيريدا مجدداً على المعاملة غير العادلة إذ اضطرت الخادمات الأخريات للعمل أكثر لعدم عمل كلاريسا هنا، لان لين في النهاية وقال إن السيدة هيْلغا ما زالت بحاجة لبعض المساعدة أيضاً نظراً لاضطرارها لإعداد الطعام لنصف دزينة من الأشخاص هنا في مطبخ القصر نفسه. لذا طلب من السيدة هيْلغا السماح لكلاريسا بالعمل في مطبخ القصر فوافقت فوراً بعد أن أخذت إعجاباً بالفتاة الصغيرة أيضاً.

أرضى ذلك السيدة نيريدا بدورها ومنذ ذلك الحين تساعد كلاريسا السيدة هيْلغا في مطبخ القصر هنا بالرغم من أنها ما زالت تعيش مع الخادمات الأخريات في قاعة الخدم. سأل دوفاس لاحقاً عن سبب توظيف كلاريسا خادمة في المقام الأول وخاصة لصغر سنها البادي. أخبره دوفاس أن كلاريسا هي ابنة عامل فحم سابق عاش في القرية هنا. لكن والدها توفي بسبب حمى في شتاء قاس بشكل خاص قبل بضعة أعوام لتصبح كلاريسا يتيمة بلا معين.

أخبره دوفاس أن كلاريسا كانت في الثامنة من عمرها تقريباً في ذلك الوقت. لكن دوفاس طلب من السيدة نيريدا استضافتها والسماح لها بالعيش مع الخادمات الأخريات في القصر حين علم بالأمر. احتجت السيدة نيريدا فوراً على عدم قدرتهم على تحمل تكاليف إطعام شخص آخر وخصوصاً من لن يعمل مقابل وجباته. وصلا بعد بعض النقاش إلى اتفاق يقضي بتوظيف كلاريسا خادمة جديدة بالرغم من صغر سنها البالغ في ذلك الوقت.

سمح البارون السابق بذلك بسهولة فهو يحصل على خادم آخر مجاناً في النهاية إذ اضطر عادة لشراء عبيد جدد من سينران لهذا الغرض. سخر كيلوماس. ذلك اللعين البخيل. لو أنه وفر ما يكفي من الفحم للقرويين في الماضي لما أصبحت كلاريسا يتيمة في المقام الأول! هز رأسه ببطء ناظراً إلى لوسيم وكلاريسا اللذين استمرا في لعب لعبة الكلمات تلك غير آبهين بما يدور في العالم سواه. ابتسم بحزن. لا يستطيع إعادة والديها بالتأكيد، لكن أقل ما يمكنه فعله هو التأكد من رعايتها.

وبدأت كلاريسا الآن بإنجاز بعض الأعمال البسيطة في مطبخ القصر مما خفف العبء عن السيدة هيْلغا وسيرين كذلك. حدق في النار المشتعلة لوهلة بينما راودته أفكار غريبة. ليس هذا عالماً سهلاً للنجاة فيه وتعد تفتيت كلاريسا يتيمة في سن مبكرة كهذه مثالاً واحداً على ذلك فحسب. لا يستطيع مساعدة كل فرد في هذا العالم بالتأكيد ولا حتى في المملكة. لكنه سيحرص بالتأكيد على أن يمتلك كل فرد في هذه القرية قريته ما يكفي من الطعام لتناوله وسقفاً يظلهم ومعهم ما يكفي من الفحم لتدفئة منازلهم.

* * *

دخل غورسازو قاعة القصر بعد فترة مرتسماً على وجهه تعبير متردد.

قال غورسازو بصوت خفيض حرصاً على ألا يسمعه الأطفال: "يا سيّدي، نحتاج إلى التحدث. الأمر مهم".

سأل كيلوماس: "بالتأكيد. ما الأمر؟"

تردد غورسازو لوهلة ونظر إلى الأطفال الجالسين بالقرب.

"من الأفضل أن نتحدث على انفراد".

شعر كيلوماس ببعض الارتباك الآن. اعتاد ذانك الطفلان الجلوس هناك معظم الوقت للعب هذه اللعبة أو تلك بينما تراقبهما سيرين. مع ذلك لم يطلب غورسازو إرسالهما إلى الخارج أبداً من قبل. ما الأمر شديد الحساسية الذي يمنع الآخرين من سماعه؟

هز رأسه موافقاً ونادى الأطفال: "هيا، يا لوسيم! ويا كلاريسا! لما لا تذهبان لمساعدة السيدة هيْلغا في طعام الغداء؟ من يدري، لعلها تسمحان لكما بتذوق الغداء مقدماً!"

جاع لوسيم دائماً هذه الأيام لذا ستفلح حيلة إبعاده هكذا دون إثارة فضوله ليقف مستمعاً إلى حديثهما من خلف الباب. لن تكون المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك بالتأكيد. فليكن إن ظن غورسازو أن الحديث الآتي شديد الحساسية بما يكفي لعدم رغبته في وجود مستمعين آخرين بالقرب. بدا لوسيم متفاجئاً لوهلة للطلب غير المعتاد لكنه ابتشر عند ذكر الطعام.

"كما تشاء، يا سيّدي. كنت أجوع على أي حال!"

نهضا من مقعديهما وركضا عبر باب داخلي باتجاه المطبخ.

نادى خلفهما: "هيا! أغلقا الباب خلفكما قبل الرحيل!"

لكنهما كانا قد ركضا بالفعل. اكتفى غورسازو بالتنهد واتجه نحو ذلك الباب ليجره مغلقاً إياه بعناية وقفل من الداخل ثم تأكد من إغلاق الباب الخارجي أيضاً. كانت النوافذ مغلقة كذلك في هذا الوقت من اليوم لإبقاء القاعة دافئة. عاد ببطء أخيراً باتجاه المدفأة وجلس على مقعد مجاور. بينما ظل كيلوماس ينتظره ليتحدث، بدا غورسازو غارقاً في أفكاره وحدق في النار لوهلة.

سأل كيلوماس حين لم ينطق معلمه ومرشده القديم بكلمة لبضع دقائق: "ما الأمر، يا غورسازو؟ يمكنك محادثتي، أنت تعلم. مهما كانت المشكلة فبوسعنا إيجاد حل".

تنهد غورسازو وبدأ الحديث بعد فترة ناظراً إلى النار لا يزال: "يؤرقني أمر ما منذ فترة، يا سيّدي. لم أكن متأكداً في البداية وظننته مجرد أوهام في رأسي، لكنني لا أملك أدنى شك في الأمر الآن، ليس بعد الآن".

سأل كيلوماس بارتباك: "عمه تتحدث بحق الجحيم؟"

نظر غورسازو إليه مباشرة أخيراً.

"تصرفاتك مختلفة كلياً منذ ذلك اليوم الذي كففت فيه عن الشرب بشرة خلال رحلتنا من أولريغا إلى تيرانات. مراراً وتكراراً، واصلت فعل أو قول أمور لا تتطابق مع سلوك الفتى الذي عرفته منذ أن كان طفلاً صغيراً. واصلت تفسير الأمر لنفسي مراراً بأن شيئاً كهذا غير ممكن حتى، لكنك واصلت تكرار أفعال تختلف كلياً عما توقعته منك في الماضي. لم يقتصر الأمر على ذكر أشرف لم تكن معروفة من قبل. تصرفاتك بأسرها اختلفت عما توقعته".

هز رأسه ببطء.

"لا تبدو تصرفاتك شبيهة بتصرفات نبيل في جوانب كثيرة، وهي بالتأكيد لا تشبه تصرفات كيلوماس الذي عرفته منذ طفولته".

أدرك كيلوماس ما يعنيه معلم طفولته في هذه اللحظة. لكنه استمر في الاستماع عوضاً عن الرد بشيء. لم تكن لديه أي فكرة عما يقوله حيال ذلك في المقام الأول.

تابع غورسازو كلامه: "يمكن تفسير معظم الأشياء غير المألوفة التي أخبرت الجميع بها بوصفها معرفة غامضة لنبيل متعلم تعليماً عالياً. ولو كان الأمر مع شخص سواي لما تساءل عن ذلك أصلاً غالباً. لكنني عرفتك تقريباً طوال فترة حياتك. لذا لا يمكنك خداعي، ليس بعد الآن".

رسم كيلوماس ابتسامة متوترة.

"ماذا تقصد حتى، يا غورسازو؟ لا أحاول خداعك ولا خداع أي شخص آخر للأمانة..."

أمال غورسازو رأسه.

"بدأت تراودني شكوك جدية بشأنك حين ذكرت ذلك النظام المتصري للمرة الأولى بينما كنت تخبرنا عن تلك البيوت الطويلة. أدرك تماماً وجود قسم محظور في مكتبة قصر أولريغا لا يُسمح إلا لعائلة الدوق بدخولها، لكنني عشت هناك لفترة طويلة كافية لتكون لدي فكرة عن نوع الكتب المحفوظة هناك. جميعها تقريباً تدور حول أسلاد الدوق الحالي. تضم بعض تلك الكتب قائمة بسجلات ولادة من ولدوا في نسله بينما تحكي أخرى عن بطولات أسلاده وخصوصاً المعارك التي انتصروا فيها وفي بعض الحالات عن المناوشات التي خسروها ضد بينباز للسيطرة على تلال تولاسي اللعينة تلك!"

بدا غورسازو غاضباً للغاية الآن وتابع حديثه ناظراً إليه بعناية بالغة: "مرة أخرى، من المحتمل وجود بضع كتب أخرى هناك تشرح بعض الأمور التي ذكرتها في الآونة الأخيرة، لم أزر ذلك القسم أصلاً، لكنني أعلم أن ذلك القسم من المكتبة صغير جداً وبالكاد يضم دزينة من الكتب. لذا يستحيل ببساطة وجود كتب كافية هناك لتحتوي على هذا العدد من مجالات الدراسة غير المألوفة كلياً فيها!"

وتابع باستهجان: "قد تكون أمضيت وقتاً أطول مني في المكتبة، لكن يستحيل أن تكون قد تعلمت أشياء كثيرة لم أسمع حتى بوجودها من قبل! وخاصة إذا لم تكن هناك كتب كافية في ذلك القسم من المكتبة في المقام الأول!"

اشتعلت عينا غورسازو غضباً وتحدث قابضاً على قبضتيه: "وأنا شخص متعلم تعليماً عالياً جداً أيضاً، اللعنة! ولم يكن الأمر كأنك ذكرت موضوعاً غير مألوف واحد فحسب، بل تبدو جعبة عقلك مليئة بحشد كامل من هذه الأشياء بطريقة ما! ذلك القياس المسمى مترياً، وآثارة البذور التي ذكرتها قبل قليل، ومفهوم البيوت الطويلة والعديد من الأشياء المماثلة كانت استثنائية لدرجة أنني كنت لأعرف بوجودها على الأقل حتى لو لم أكن أعرف تفاصيلها!"

حدق به بغضب.

"ومع ذلك، لم أسمع بها قط! لذا فالاحتمال الوحيد المتبقي هو أن تلك الكتب التي ذكرتها في ذلك القسم المحظور من المكتبة والتي يُزعم أنها تحتوي على كل تلك المعرفة الغامضة غير موجودة أصلاً! وهذا يعني أنك كنت تكذب بشأنها وبشان من يدري ماذا غيرها منذ ذلك اليوم الذي كففت فيه عن محاولة شرب الخمر حتى الموت!"

لم يدر كيلوماس ما يمكنه قوله في هذه اللحظة لتبرير كل شيء. شعرت عقله بفراغ تام بالرغم من استمراره في محاولة التفكير في عذر آخر. لقد نسج شبكة من الاكاذيب منذ وصوله إلى هذا العالم... وواصل تقديم أعذار مختلقة حول كيفية امتلاكه لمعرفة هذه الأمور الاستثنائية أشياء لم يسمع بها أحد قط في هذا المكان، لكنه لم يعلم أن كل ذلك سينهار قريباً لهذه الدرجة... لقد فكّ معلم طفولته كل خيط من تلك الخيوط خيطاً تلو الآخر في محادثة واحدة إلى أن أيقن أنه ما عاد يملك أي سبيلاً لادعاء كونه كيلوماس الأصلي.

لم تكن لدية أي فكرة عن كيفية انتهاء هذه المحادثة وما إذا كان سيظل بارون تيرانات بحلول صباح غد. لم يدر ما يفعله هؤلاء الناس في هذا العالم بمن يتهمون بممارسة السحر الأسود أو الشعوذة لأن ذلك قد يكون التفسير الوحيد لمعرفته الذي سيبدو منطقياً للناس هنا. لقد أمل حقاً ألا تكون العقوبة على ذلك شبيهة بالعقاب في أرض العصور الوسطى حيث يحرقون هؤلاء الأشخاص أحياء، بالرغم من أن ذلك قد يكون أمراً مبالغاً في الأمل به في هذه المرحلة بعدما ثبت أن جميع أكاذيبه لم تكن سوى ذلك أكاذيب.

اكتفى بالاستماع بينما وجه غورسازو ضربة تلو الأخرى محاولاً باستمرار وفاشلاً الحفاظ على هدوء عقله. أشار غورسازو نحوه مباشرة أخيراً.

"يعني ذلك أنك لست البتة الكيلوماس الذي عرفته طوال العقدين الماضيين. لذا فالسؤال الوحيد المتبقي هو أنه إن لم تكن كيلوماس رالوكار، فمن تكون إذن؟"