أدرك كيفاموس أنه لم يعد قادراً على المراوغة بعد الآن. على الأقل، كان هناك ما يواسيه في كون غورسازو قد قصده للحديث في هذا الأمر على انفراد، بدلاً من جمع القرويين لحرقه على وتد أو ما شابه ذلك.
تنهد وتأكد من إغلاق الأبواب، ثم أخذ نفساً عميقاً وتابع: "كنت أعلم أنك الوحيد القادر على تخمين ذلك. لكنني لا أود الكذب مجدداً، وليس معك. أنا فعلاً كيفاموس، الشخص نفسه الذي عرفته طوال حياتك".
ورأى غورسازو يهم بمقاطعته، فرفع يده ليمنعه من الكلام. رفع سترته وأشار إلى ندبة على عضده الأيسر.
"أذكر حين ضمّدت ذراعي بعد أن دفعني إخوتي إلى شجيرة شوكية في القصر. لا تزال تلك الندبة معي كما ترى. وأذكر أيضاً حين حبسني إخوتي أنا وأختي في مخزن صغير داخل القصر، وكنت أنت من عثر علينا بينما كنا نبكي معاً. ما زلت أذكر كل تلك المرات التي سخر مني فيها إخوتي أو عذبوني. أنا كيفاموس نفسه الذي عرفته دائماً!"
قطب غورسازو جبينه وتأمل وجهه مطولاً، كأنه يبحث عن شيء في عينيه.
"صحيح أنك وحدك من يعرف تلك الأمور، إذ لم يكن هناك أحد س سواك حين وقعت. لكن ماذا عن تلك الأمور غير المألوفة التي ذكرتها، كآلة بذر البذور والقياسات المترية وغيرها من الأشياء العجيبة؟ ما زلت متأكداً تماماً من أن تلك الكتب غير موجودة في المكتبة".
أطلق تنهيدة عميقة وهو يرمق النار بنظراته.
"لكنك ذكرتني أيضاً بتلك الحوادث التي كادت تنسى - أمور لم يكن بمقدور شخص آخر معرفتها. ومع ذلك..."
التفت ونظر إليه مجدداً.
"لم أعد أدري بما أصدق... لكنك ما زلت لا تبدو كالشخص الذي عرفته منذ ما يقارب العقدين".
أطلق كيفاموس تنهيدة بصبر مشوب بالأسى.
"أنت لست مخطئاً يا غورسازو، لكنني أقول الحقيقة رغم ذلك. لا أعرف كيف أشرح الأمر".
رمقه غورسازو بنظرة لفترة وجيزة، ثم قال: "أسمعك!"
أجاب كيفاموس: "قلت إنك تعرفني أفضل من أي شخص آخر هنا، وهذا صحيح. لكن هذا يعني أيضاً أنني أعرفك جيداً. أنت الشخص الوحيد الذي يمكنني الوثوق به بصدق في هذا المكان، لا سيما حين حاول أحدهم قتلي مرتين. عرفتك لفترة طويلة تكفي لأتيقن تماماً أنه لا علاقة لك بمحاولات الاغتيال. ناهيك عن أنك حاولت حمايتي بجسدك حين هاجمنا أولئك المرتزقة في نزل هيلغا".
وأردف بصوت منخفض: "لكنني أخشى ألا تصدقني حتى لو حاولت الشرح... لا أود الإسهاب فأخسرك".
هخر غورسازو.
"لقد ربيتك منذ أن كنت طفلاً صغيراً. بعد وفاة والدتك، يمكن القول إنني أنا من تولى تربيتك. ورغم أن لا قرطة دم تجمع بيننا، تعرف أنني عاملتك دائماً كابني. لم برأيك جئت معك إلى هذه القرية القادمة من أولريغا، بينما أُمِر وحدك بالمغادرة؟ إذن أخبرني، هل يعقل أن يتخلى أب عن طفله؟"
وقبل أن يسع كيفاموس الرد، أضاف غورسازو: "أدرك تماماً أن والدك، الدوق، هو من نفاك إلى هنا، لكننا نعلم سوياً أنه لم يعد يدير الدوقية منذ سنوات عديدة. يعلم الجميع أن صحته في تراجع طوال الأعوام الماضية. في ضوء ذلك، وسواء أكان سارزولوس أو تاريلوس هو صاحب الفكرة النيرة في إبعاد شقيقهما الأصغر بعيداً عن أولريغا، فلن نعرف أبداً. بصرف النظر عن أختك، لم يعاملك أحد منهم كفرد من العائلة على أي حال. لكنني ربيتك كابني!"
وتابع بابتسامة: "ثق بي، وحتى لو كبرت الآن، فأنا هنا من أجلك ولن أذهب إلى أي مكان. أعلم أن شخصاً واحداً على الأقل يسعى لقتلك، لكني سأبذل حياتي لحمايتك قبل أن أسمح لأي أذىً أن يلحق بك. لكن عليك أن تخبرني بشيء، اللعنة! كل ما فعلته في الأسابيع القليلة الماضية لا يبعث على أي معنى! أوشك على الجنون وأنا أحاول إيجاد تفسير!"
تمتم كيفاموس: "حسناً إذن، ليكن".
وأردف: "وأنا أثق بك ألا تدع مخلوقاً آخر يعلم بما سأقوله".
ورأى غورسازو يومئ برأسه موافقاً، فأضاف: "كما قلت مراراً، أنا كيفاموس - الشخص نفسه الذي عرفته طوال هذه المدة، وهذا صحيح تماماً. بيد أنني أحتفظ أيضاً بذكريات العيش حياة شخص آخر في عالم مختلف، يدعى ستيفن".
بدا غورسازو مشوشاً.
"لا أفهم. ما الذي تعنيه بذلك أصلاً؟ كيف يمكن لأحد أن يكون شخصين؟"
حاول الشرح قائلاً: "أتذكر حياتين، حياة كيفاموس، وحياة ستيفن. ليست لدي أي فكرة عن كيفية حدوث أمر كهذا تماماً مثلك، ومع ذلك، هكذا هو الأمر. أتذكر شربي بإفراط تلك الليلة على الطريق الذي سلكناه قادمين إلى هنا، متمنياً ألا أستيقظ قط لأن أبي أرسلني إلى قرية نكرة، بينما كان إخواي على وشك أن يصبحا الدوق وقائد حصن أراغوسا. ومع ذلك، أتذكر أيضاً الاحتفال مع أصدقائي على كوكب يدعى الأرض بعد حصولي على ترقية في عملي. ثم استيقظت في اليوم التالي هنا في تلك العربة، كيفاموس، محملاً بذكريات الاثنين معاً. مهما بدا الأمر مستبعداً، فتلك هي الحقيقة البسيطة والكاملة".
هز كتفيه مبالغاً في الأمر.
"ربما الأمر كما يقول القرويون، إن الملكة أرسلتني إلى هنا لمساعدتهم، أو ربما فعل الكائنات الفضائية أموراً غريبة، لا أعرف حقاً..."
سأل غورسازو بعبوس: "كائنات فضائية؟ ما هذه؟"
أجاب كيفاموس: "إنها كلمة على الأرض، وتعني كائنات حيّة من عالم آخر".
"المغزى هو أنني لا أملك تفسيراً أفضل لكيفية حمل ذكريات شخصين في رأسي، تماماً كما لا تملك أنت. لا أدري أأنا كيفاموس، أم أنني ستيفن. أو ربما، أنا كلاهما. ليس لدي أدنى فكرة..."
لزم غورسازو الصمت لفترة. وبدو كمن ضاع في أفكاره بعد تلك الكشوفات غير المتوقعة.
وفي النهاية سأل: "حدثني عن ذلك المكان، الذي ذكرته للتو - الأرض".
استهل كيفاموس كلامه بالقول: "كان مكاناً رائعاً".
وهخر ساخراً: "الحق يقال، لم أظن ذلك قط بينما كنت أعيش هناك، لكنني الآن وحين صرت هنا في عالم وسيط، أدرك كم كان ذلك المكان رائعاً مقارنة بريسلينور".
وتابع: "ذلك العالم الذي عاش فيه ستيفن حياته كان مختلفاً تماماً عن هذا المكان. كانت لدينا آلات ضخمة هناك - تُدعى قطارات - نستخدمها لنقل البشر وأشياء أخرى بسرعة مئات الكيلومترات في الساعة، أو مئات الأميال في الساعة بالقياسات المحلية".
ورأى حاجبي غورسازو يرتفعان دهشة، فأضاف ضاحكاً: "كانت لدينا أيضاً آلات متطورة للغاية تُدعى طائرات - تحلق في الجو، وتنقل الناس آلاف الكيلومترات في يوم واحد. وكانت لدينا صواريخ حملت البشر إلى الفضاء - أي خارج الكوكب الغلاف الجوي، على بعد عشرات آلاف الكيلومترات فوق الأرض. بل تمكنا من نقل البشر على متن أحد تلك الصواريخ إلى القمر ذاته - الذي يقع على بعد مئات آلاف الكيلومترات فوق الأرض".
وهخر ساخراً: "أو هكذا زعموا".
وهز رأسه متابعاً: "كانت لدينا آلات متطورة للغاية هناك - تُدعى حواسيب، تخزن معلومات تفوق ما تضمه كل المكتبات مجتمعة في هذا العالم بأسره في شيء لا يتجاوز حجمه بضعة أقدام. وكانت لدينا أشياء تُدعى الهواتف وشبكة الإنترنت، تتيح للناس التحدث إلى شخص على الجانب الآخر من الكوكب في الوقت الفعلي. كانت هناك أمور كثيرة، كثيرة جداً وتكنولوجيا متطورة هناك..."
قال بحسرة، وقد بللت الدموع عينيه حنيناً عارماً لأصدقاء عمره، ووالديه، وألفة حياته الماضية. لقد أشغل نفسه عمداً بمحاولة إدارة كل شيء في الأسابيع القليلة الماضية كي لا يضطر للتفكير في لندن. ولم يكن لديه أي شخص آخر في هذا العالم ليتحدث معه عن الأمر على أي حال. لكن إتاحة الفرصة له أخيراً للحديث عن حياته على الأرض مع شخص ما فتحت أبواب الذكريات على مصراعيها.
وأضاف بعد برهة، وهو يرمش باستمرار: "معظم تلك الأشياء غير مجدية هنا، ليس الآن على الأقل، لكنني كنت شخصاً تعليمه عالٍ على ذلك الكوكب. لذا أتذكر مبدأ عمل الكثير من تلك الأمور. والآن بعد أن صرت هنا، أعد القرويين شعبي، وأريد فعل كل شيء لمساعدتهم عبر توظيف الأفكار والتكنولوجيا من ذلك العالم. هكذا أعرف تلك المفاهيم - القياسات المترية، وآلات بذر البذور وما شابه".
وتابع: "إذن، نعم، أنا ستيفن! لكنني كيفاموس أيضاً! في هذا العالم، أفتقد أختي أستيلا، بالقدر الذي أكرت فيه كلا أخي، ومع ذلك أفتقد أيضاً والديّ وأصدقائي من الأرض..."
وفي هذه اللحظة أخذ يبكي جهاراً.
"أر حقاً العودة إلى الأرض... أريد ذلك بشدة، بشدة... حتى وإن لم تكن لدي أي فكرة عما إذا كان أمر كهذا ممكناً أصلاً. ومع ذلك، لا أريد ترك القرويين في تيرانات يتضورون جوعاً وفق نزوات النبلاء - ليس حين يكون بوسعي فعل الكثير لمساعدتهم!"
رمقه غورسازو بنظرة متأنية دون أن ينطق ببنت شفة لفترة.
وفي النهاية ابتسم ابتسامة خفيفة وقال: "تعال إلى هنا"، وانحنى نحوه ليحضنه، بينما كان يربت على ظهره ببطء.
"ليست لدي أي فكرة عن كيفية إمكانية حدوث أي من تلك الأمور التي ذكرتها. يبدو مذهلاً أن تتمكن من التحدث إلى شخص على الجانب الآخر من العالم! أو أن البشر يستطيعون الطيران! ومع ذلك، أؤمن أن كل ما أخبرتني به هو الحقيقة من وجهة نظرك. لقد عرفتك منذ مدة طويلة بما يكفي لأكتشف فوراً إن كنت تحاول اختلاق الأمور، رغم أن ذلك بدا تماماً ما تفعله لوهلة".
وأضاف: "ما زلت لا أعرف ما إذا كانت أي من تلك الأمور ممكنة حقاً أم لا، لكني متأكد من أنك تؤمن تماماً بكل تلك الأمور الخيالية التي حدثتني عنها".
واستقام كيفاموس في جلسته، ومسح عينيه بكمّيه، فتابع غورسازو: "لفترة ظننت أن هناك احتمالاً ضئيلاً بأنك فقدت صوابك تماماً، أو ربما وضع ساحر من الطائفة تعويذة عليك واستحوذ على عقلك! لكن ما طمأنني، ومنعني من إثارة هذا الموضوع معك مبكراً، هو ذلك الوقت قبل بضعة أسابيع حين قلت إنك ستستخدم مدخراتك الخاصة لشراء طعام للقرويين. مهما اختلفت عما عهدناه من إخوتك، ما كنت لتفعل ذلك أبداً من قبل".
ضحك.
"مع معرفتي بك، إما أنك كنت لتشرب الثمن، أو تدخر تلك القطع النقدية كبخيل - كما يفضل معظم النبلاء. أعلم تماماً أن الدوق بالكاد منحك أي مصروف على أي حال، سيما مقارنة بما حصل عليه إخوتك".
أطلق كيفاموس ضحكة رداً على ذلك، متذكراً عادات الشرب لدى كيفاموس الأصلي، فضلاً عن ميله لادخار ما بيده من مال قليل. حسناً، مال قليل بالنسبة لنبيذ - لكنه ظل ثروة لأي عامي.
وتابع غورسازو: "لكن بعد أن رأيت أنك مستعد لفعل ذلك القدر - أنك مستعد لاستخدام قطعك النقدية المدخرة بعناية لأجل القرويين - أناس من العامة، ليسوا حتى نبلاء - أناس لم تقابلهم قط من قبل، شعرت بالطمأنينة أن كل ما حدث لك، سواء أكان ساحر طائفة وضع تعويذة عليك أم شيئاً آخر، كان بلا شك تغييراً للأفضل. لهذا لم أقل شيئاً قبل اليوم".
وإذ لاحظ أن الدموع لا تزال تملأ عييني كيفاموس، ربت غورسازو على ظهره مجدداً وقال: "لا تبكِ الآن. حتى وإن حملت ذكريات شخص من عالم آخر، فما زلت كيفاموس الذي ربيته طوال حياتك تقريباً. سنجد سبيلاً لتجاوز هذا. وسأكون سندك، كالمعتاد! ورغم أنني لا فكرة لدي عن كيفية حصولك على تلك الذكريات، أعرف أننا لا نستطيع السماح لأحد آخر بمعرفة الأمر، فلا تقلق، لن أخبر أحداً غيرك عنه".
وما إن هدأ كيفاموس، حتى مسح عينيه مجدداً وسأل: "هل يوجد الساحر حقاً في هذا العالم؟ أيمكنهم ممارسة السحر، أو أشياء من قبيل إطلاق النيران وصنع الجليد من أيديهم؟"
رمقه غورسازو بلحظة من الدهشة ثم انفجر ضاحكاً.
"بالطبع لا! من أين أتيت بهذه الفكرة السخيفة أصلاً؟ أولئك المزعومون سحرة هم دجالون ومحتالون يفترسون السذّج. لا يوجد شيء اسمه سحر في هذا العالم!"
ثم واصل الضحك بصوت عالٍ لفترة. لم يدر كيفاموس ما تخبئه له الأيام القادمة وما إذا كان هناك المزيد ممن يحاولون اغتياله أو ما إذا كان سينجو لعام كامل في هذا العالم، لكنه في الوقت الحالي، كان عليه الاكتفاء بحقيقة أنه على الأقل لن يُحرق على الأوتاد قريباً. هز رأسه ببطء إثر المحادثة المنهكة عقلياً، وشارك في ذلك الضحك بطلاقة، شاعراً بالارتياح لأن الأمر سار بشكل أفضل بكثير مما كان يرجوه.