حرك كيفاموس اصبعه الى المستوى التالي.
قال: "في الطابق الارضي، ستكون هناك شقتان، تضم كل منهما غرفتين. وفي الطابق الثاني، اربع شقق من غرفة واحدة. هكذا تضم كل بناية سبع شقق وعشر غرف في المجموع — سعة دنيا تبلغ عشرة اشخاص وسعة قصوى تقارب العشرين شخصا. لكن في الغالب، سيعيش نحو خمسة عشر شخصا في مسكن واحد، يخدم كل منهم ذلك المطبخ الواقع في الطابق الارضي. وستؤوي اربع بنايات كهذه في مجمع قياسي واحد نحو ستين شخصا".
اومأ النجار، ثم نظر الى دوفاس.
"هذا اقل بكثير من مجمع البيوت الطويلة. فالمجمعات الجديدة ذات الطوابق المزدوجة تضم مساحة لنحو مئتين وخمسين شخصا فيها".
قال دوفاس: "هذا صحيح. لكن المجمع السكنى ليس مخصصا للناس انفسهم".
اومأ كيفاموس.
"يمنحنا مجمع البيوت الطويلة الحد الادنى المطلق لايواء الناس — سقف فوق رؤوسهم، وسرير خشبي باسماؤهم، ومأوى من تقلبات الجو. لكن هذا المسكن يمنح الناس الخصوصية. غرفة قابلة للقفل. سرير خاص بهم. صندوق تخزين. رفوف. علاقات على الجدران. طاولة صغيرة او لوح عمل قابل للطي ان توفر المكان. نوافذ ذات مصاريع. رفوف طعام. بسطة درج مغطاة. انه ليس ترفا، لكنه افضل بكثير من سرير في صالة ممتلئة بمئات الاشخاص".
تحرك الحارس في الزاوية قليلا. لاحظ كيفاموس انه بات ينصت باهتمام اكبر الان. ولم يلمه. فغرفة خاصة قابلة للقفل ستكون مغرية للكثيرين في الاقطاعية وفي البيوت الطويلة.
تابع كيفاموس حديثه: "سيظل الناس يستخدمون المراحيض الخارجية في الوقت الحالي. سنبني لاحقا حماما ايضا، قبل الشتاء ان امكن ذلك. يمكن حفظ جرار المياه او البراميل الصغيرة في المطبخ كي لا يضطر السكان الى الذهاب الى البئر ليلا لمجرد جلب الشرب او مياه الطهي".
قال دوفاس: "سيساعد ذلك في الثلج".
"نعم. وخصوصا لشقة الطابق الارضي، حيث قد يعيش كبار السن. اما الصغار فستكون مهمتهم اعادة ملء البراميل كل يوم".
كان النجار ما زال ينظر الى الرسم.
"السقف يميل الى الخارج؟"
قال كيفاموس: "انه يفعل ذلك. سيكون الجانب الداخلي القريب من الممرات متصالبة الشكل اعلى قليلا، وستكون هناك دلفة صغيرة لتقليل كمية الثلج المتساقط في المنتصف. لن نغطيه بالكامل لنوفر ضوء الشمس للغرف الواقعة على الجانب الداخلي. لكن ينبغي ان ينزلق معظم الثلج في الغالب نحو جانب الطريق الخارجي، حيث يمكن ازالته بسهولة اكبر".
اومأ النجار بثقة اكبر عند ذلك.
"يجب أن ينجح هذا. يمكن للدلفة تغطية بسطة الدرج ايضا، جزئيا على الاقل".
"تلك هي الفكرة".
درس فين تخطيط الدعامات.
"ستحتاج هذه الدعامات المركزية المحيطة بالمدخنة الى ان تكون قوية".
قال كيفاموس: "ستكون كذلك. سنستخدم دعامات ثقيلة من خشب فيداروس. المجففة فقط. لا خشب طري لهذا البناء، ولا لاي بناء خشبي اخر في القرية".
قال النجار فوراً: "بالطبع. ليس بعد ما حدث مع مجمعات البيوت الطويلة الاولى".
القى كيفاموس نظرة على دوفاس، ثم عاد بنظره الى النجار.
"لقد تفقدت الاحمال بافضل ما استطعت. مع المسافات المعروضة هنا، ينبغي ان تتحمل الدعامات الرئيسية والكمرات الطوابق الثلاثة. لكني اريد منك ان تفحص كل شيء بخبرتك الخاصة قبل أن تبدأ. ان بدا لك شيء خاطئ، فقل ذلك".
بدا على النجار التباطؤ للحظة. ثم اومأ.
"سأفعل".
قال كيفاموس: "أنا اعني ذلك. لا تتبع الرسم اعمى ان بدا أي شيء غير آمن. احضره لي اولا".
"حاضر، يا سيادي".
اشار دوفاس الى المخطط الهندسي.
"كم من الوقت تعتقد أن تستغرقه البناية الاولى؟"
اخذ فين وقتا قبل ان يجيب. نظر الى الجدران، والدرج، والسقف، ومساحة المدخنة المركزية مرة اخرى.
قال: "بالنسبة للهيكل الخسبي للاولى، نحو ثلاثة أسابيع، تزيد قليلًا أو تنقص. ربما اكثر قليلا ان سبب شيء ما مشكلة. ثلاثة طوابق تعني رفعا اكبر، وتدعيمات افضل، وعناية اكثر. هذا ان تركت اعمال المدخنة للمعلم تانيوك، وركزت على الاعمال الخشبية وحدها".
سأل كيفاموس: "والتاليات؟"
قال النجار: "يجب ان تكون الثانية اسرع. ما ان نعرف الطريقة، فربما خمسة عشر يوما لكل واحدة من البنايات الثلاث التالية. سيكون العمال قد عرفوا المقاسات بحلول ذلك الوقت، ويمكننا تحضير الاجزاء المتكررة بسهولة اكبر".
اومأ كيفاموس. كان ذلك قريبا مما توقع.
قال دوفاس: "يجب أن يعود تانيوك من المعسكر في غضون أسبوعين أو ثلاثة. وربما لفترة أطول إن تأخر العمل هناك".
قال النجار: "بحلول ذلك الوقت، سيكون الهيكل الخشبي الاول قد انجز او قارب على الانتهاء. عندما يعود المعلم تانيوك، يمكنه تولي زمام القيادة بخصوص مدخنة المجمع الاول بينما اعمل انا على المجمع الثاني".
قال كيفاموس: "سيففي ذلك. بعد ذلك، تتابع العمل مع المجمعات السكنية الثاني، والثالث، والرابع، كلها ضمن الحجم القياسي نفسه لمجمع القرية. يستطيع تانيوك التعامل مع اعمال المدخنة والموقد في كل منها كلما لحق بالركب، بينما تعمل أنت على الجزء الخشبي من الهيكل. وفقا لهذه التقديرات، اعتقد ان بمقدورنا إنجاز جميع المساكن الاربعة في نحو شهرين. وستبدأ الامطار على الأرجح قبل ذلك، لكن ينبغي ان نكون قد انتهينا من الجزء الاكبر من العمل بحلول وقت حدوث ذلك".
قال دوفاس: "أوافقك الرأي. سيكون من الأفضل بناء السقوف اولاً قبل إنجاز الاعمال الداخلية، تحسبا لقدوم الامطار مبكرا. فهذا سيشل جميع اعمال البناء في القرية. والشهران هما ايضا تقديرنا للوقت الذي قد يمتلئ فيه مجمع البيوت الطويلة الرابع بلاجئين جدد. سنحتاج الى شهر اخر لبناء المجمع الخامس بعد ذلك، لكن نظرا لان لدينا نحو ستين شخصا سينتقلون إلى هذه المساكن، سيترك ذلك اسرة فارغة كافية في المجمعات الحالية ليكتمل المجمع الطويل الخامس. اعتقد ان الامور ستسير على ما يرام افتراض عدم وجود مشكلة كبرى".
اومأ كيفاموس: "لنأمل ذلك".
نظر فين الى المخطط مجدداً، هذه المرة بتردد اقل واهتمام اكبر.
"سيكون غريباً رؤية اربعة من هذه واقفة معا، لكني اعتقد انها ستكون ترقية كبيرة مقارنة بالبيوت الطويلة".
قال كيفاموس: "انها مجرد خطوة اولى نحو سكن افضل. ليست جيدة تماما مثل شقق الآجر التي ارغب بها لاحقا، لكنها افضل بكثير مما لدينا الان".
قال دوفاس، لنفسه اكثر من أي شخص اخر: "يمكننا فقط ان نأمل ان يكون الناس مستعدين لدفع الايجار مقابل هذا..."
القى كيفاموس نظرة باتجاه الحارس في الزاوية، الذي ادار وجهه بسرعة وكأنما لم يكن ينصت.
قال النجار: "نعم. سيفعلون. غرفة قابلة للقفل وحدها ستجعل الناس مهتمين. وخصوصا الازواج المتزوجين".
قال كيفاموس، مكررا تفكيره في اخت مسيب المقيمة في سينران: "وحرفيون من بلدات اخرى. ان اردنا ان ينتقل اناس مههرة الى هنا، فعلينا ان نقدم شيئا افضل من سرير في بيت طويل".
اومأ فين.
"إذن سأبدأ غدا، بعد تسليم المجمع الرابع بالكامل الى مشرف من بين الاشخاص الذين سيعيشون هناك. سأحتاج الى فريق البناء بأكمله، ما لم يغير السير دوفاس التكليفات".
هز دوفاس رأسه.
"ستبقيهم معك. نحن نركز على زيادة انتاجنا من الفحم هذه الأيام، لكني سأحاول اضافة عدد قليل اخر من العمال إلى فريقك بمجرد ان يشرع العمل في المسكن الاول".
قال النجار: "هذا جيد ان نسمعه. سأحتاج إليهم".
لف كيفاموس حافة المخطط قليلا، ثم توقف ونظر اليه.
"خذ هذه النسخة معك، لكن احفظها اممنة. سأحصل على واحدة اخرى هنا، تحسّباً لأي طارئ. ان طرح اي عامل اسئلة كثيرة حول المدخنة أو المطبخ، فاخبره انه سيتم شرح ذلك عندما تبدأ تلك المرحلة. أعرف أن العمال قد يتحمسون عند العمل على تصميم جديد، لكننا نريد الانتهاء من أكبر عدد ممكن من المساكن قبل أن تبدأ الأمطار. فهذا سيُبطئ البناء في كل مكان".
"أنا أفهم".
اضاف كيفاموس: "لكن تذكر، هذا اول بناء من ثلاثة طوابق في تيرانات. أضل ان يستغرق بضعة ايام اضافية على ان يُبنى بشكل سيء".
اومأ فين بحزم.
"سأبنيه وفقا لمعايير المعلم تانيوك، يا سيادي".
"جيد. أنا أعتمد عليك".
انحنى النجار، ثم لى بعناية نسخة المخطط ودسها تحت احدى ذراعيه. استقام الحارس قرب الباب حين استدار للمغادرة. راقب كيفاموس رحيلهما. ما ان اغلق الباب خلفهما، حتى نظر دوفاس مجددا إلى الطاولة واطلق نفسا بطيئا.
"سبع شقق في مسكن واحد. واربعة مساكن في مساحة مجمع بيت طويل واحد. لا يزال الامر يبدو غريبا بعض الشيء".
قال كيفاموس: "انه غريب. لكنه سينجح".
نظر دوفاس باتجاه الباب المغلق.
"ان فعل، فسيكون لدينا تجار وحرفيون يسألون عن الايجار قبل ان ينتهي بناء المسكن الثاني".
ابتسم كيفاموس ابتسامة خافتة.
"تلك هي الأمنية".
امال دوفاس رأسه نحو الباب الذي خرج منه النجار للتو.
"حتى فين، هو ليس نجارا معتبرا كالتانيوك، لكنه بصفتة مشرفا على موقع بناء، فإنه لا يزال يتقاضى عشرين قطعة نحاسية في اليوم. سيكون احد الاوائل الذين يستأجرون غرفة".
كان مدير المنازل لا يزال ينظر الى الباب المغلق حين صدرت مجموعة اخرى من الخطوات من المدخل الجانبي. دخلت سيرين قاعة الإقطاعية ومفكرة محشورة ضد صدرها. لقد كانت تكتب في تلك المفكرة كثيرا هذه الايام، تملؤها بملاحظات قصيرة حول كل ما يعلمها إياه كيفاموس. كانت الورقة خشنة بمعايير الارض، لكنها كانت ورقا مصنوعا في تيرانات، وقد خاطت الصفحات معا بنفسها. كانت تحرسها بحرص اكبر مما يحرس بعض الناس القطع النقدية.
وربما كان ذلك صوت العالمة في عقلها يتحدث.
سألت: "أنتيتما من الحديث مع النجار؟"
قال كيفاموس: "في الوقت الحالي. سيبدأ العمل في مجمع المساكن الاول بعد تسليم مجمع البيوت الطويلة الرابع".
تحركت عينا سيرين إلى المخطط الذي لا يزال مفروشا عبر الطاولة.
"وتصميم المدخنة ايضا؟"
"ليس كليا. سيتولى الهيكل الخشبي اولا. وسيساعد تانيوك في المدخنة حين يعود".
ارتخى دوفاس إلى الوراء في مقعده.
"ربما كان ذلك هو الأفضل. فين كفؤ، لكن اعمال الحجارة والمداخن ليست نقطة قوته".
اقتربت سيرين ونظرت إلى المدخنة المركزية المحددة في مخطط البناء.
"والبلاط؟"
قال كيفاموس: "هذا هو الأمر التالي".
سحب ورقة اصغر اخرى لتكون اقرب. كانت اشبه بمجموعة ملاحظات ورسومات تقريبية منها بمخطط هندسي سليم، حيث اظهرت بلاطات مستطيلة سميكة، ودعامات رصف داخلية داخل قمين، ومقطعا عرضيا بسيطا لمدخنة انبوبية.
وقال: "قمين حو الطين الجديد قرب السد جاهز تقريباً. لقد انهى العمال الذين صنعوا افران فحم الكوك والصلب العمل عليه بالأمس. انه يقع على الضفة الشرقية للتيار، بعيدا بما فيه الكفاية عن منشرة الخشب على الضفة الغربية كي لا يحرق أي خطأ شيء".
قال دوفاس: "لقد أُبلغ الخزافون بالفعل بالذهاب إلى هناك غدا صباحاً".
اومأ كيفاموس.
"هذه ليست حرفة جديدة تماما بالنسبة لهم. فهم يعرفون بالفعل كيفية التعامل مع الطين وخبز الجرار. نحن نطلب منهم ببساطة صنع قطع اسمك وأكثر استواء بدلا من ذلك".
بدت سيرين مهتمة على الفور.
"لت بطانة المدخنة، أليس كذلك؟"
قال كيفاموس: "لهذا، ولأرضية المถبخ حول الموقد. ستُستخدم البلاطات الاكثر نعومة واستواء لبطانة داخل انبوب المدخنة. يحتاج هذا الجزء إلى افضل القطع، لان البطانة يجب أن تمنع الدخان والغازات من التسرب إلى الغرف المحيطة بها. ويمكن استخدام البلاطات السميكة، او الملتوية، او الخشنة على ارضية المطبخ بالقرب من الموقد، حيث لا تحتاج سوى لحماية الخشب من الحرارة والشرر".
نقرة دوفاس باصبع واحد على الطاولة.
"أمتأكد أنت ان الدفعات الاولى ستكون قابلة للاستخدام؟ بدا الخزافون قلقين حين تحدثت إليهم. قالوا ان البلاطات المستوية قد تتشقق أو تلتوي بسهولة أكبر من الجرار، على الأقل إلى أن يكتسبوا خبرة أكبر في كيفية التعامل معها".
قال كيفاموس: "ربما هم على حق. الكثير من الدفعة الأولى سيخرج غير متساوٍ، أو ملتوي، أو متشققا. هذا جيد. نحن لا نتوقع الكمال من المحاولة الاولى".
رفعت سيرين نظرها عن الرسم.
"إذن ما الذي سنفعله بالقطع المكسورة؟"
قال كيفاموس، ملقيا نظرة خاطفة على الباب ليتأكد من انه مغلق: "نكسرها اكثر ونخلطها مجددا في الطين اللاحق. ستساعد تلك القطع المسحوقة من الطين المفحور على جعل الدفعات التالية اقوى من خلال عملها كرابط — اشبه بكثير بطريقة مساعدة الحصى وجزيئات الرمل في ربط ملاط الأسمنت حين نصنع الخرسانة. يمكن استخدام الجرار القديمة المكسورة بالطريقة نفسها ايضا. سيفهم الخزافون ذلك ما ان يروا النتيجة".
اومأ دوفاس براسه برهة.
"إذن حتى الدفعة الفاشلة لا تُهدر تماما".
"بالضبط".