قال دوفاس: "الأمور تسير على ما يرام معه، وهو يمدّنا بالأدوات كل يوم. لكن ليس كل أحد صالحاً لعمل الحدادة. وجد سيدورون رجلين يستطيعان أداء العمل بإتقان حتى الآن، فاتخذهما متدربين رسميين. غير أني اضطررت إلى إرسال بضعة عمال جدد إليه قبل أيام، لأن بعض العمال السابقين كانوا خرقين وتعرضوا للإصابات مراراً".
قال كيفاموس: "حقيقة الأمر أن الحدادة عمل خطير، ولا يمكنك السماح لشخص أخرق بالاقتراب من الكير".
وتذكر قافلة المؤونة، فأضاف: "نرجو ألا تواجه القافلة مشكلات على الطريق، وأن تبلغ سينران الليلة".
أومأ دوفاس برأسه.
وقال: "أخبرنا بيداسو قبل قليل أنهما يرهقان الخيل بشدة لقطع هذه الرحلة في يومين، مع أنها تستغرق عادة ثلاثة أيام للعربات. أتمنى ألا تصاب أي خيل بأذى على الطريق، وإلا فقد تعلَق هذه القافلة نفسها في منتصف الطريق، إن بدأ الثلوج بالتساقط هناك. وحتى وإن بدا احتمال إرسال القافلة في رحلة ثالثة ضعيفاً، فنحن ما زلنا بحاجة إلى كل حبات القمح التي ستجلبها في هذه الرحلة".
ثم تابع: "كما أني ما زلت أقدم الوجبات المجانية لقرويي القرية حتى الآن — للأطفال وكبار السن — مرتين فقط في اليوم، بدلاً من ثلاث مرات وعدناهم بها سابقاً".
قطب كيفاموس حاجبيه. فالناس يحتاجون في الطقس الشتوي إلى سعرات حرارية أكثر من المعتاد، لا أقل. لكن تقديم ثلاث وجبات لهم حتى منتصف الشتاء ثم العجز عن تقديم وجبة واحدة لنفاد القمح لم يكن فكرة سديدة أيضاً.
قال: "لا أستحسن هذا، لكنه يبدو ضرورياً. ربما استطعنا توفير ثلاث وجبات لهم إن أمكن للقافلة الخروج في رحلة ثالثة، فلنقتصر على وجبتين في اليوم الآن".
أومأ دوفاس برأسه.
وقال: "كما أخبرتنا السيدة هيلغا، إن نجحت في زراعة تلك الفطريات، فستكون مفيدة لإثراء وجبات القرويين مع نهاية الشتاء. ومع ذلك كله، ما زلنا بحاجة إلى كمية كافية من القمح بذرار لبدء الزراعة في الربيع، ولن نحصل على وفرة من الحبوب هذا الشتاء بالتأكيد، حتى لو استطاعت القافلة القيام بررحلة ثالثة. لا بد من بعض التقنين في الوجبات مع نهاية الشتاء على أي حال".
تمتم كيفاموس: "مم... تقنين الوجبات أفضل قطعا من جوع الناس في أواخر الشتاء، لكن كان حرياً بنا أن نتدبر الأمر بصورة أفضل. ألا توجد طريقة أخرى لإطعامهم؟"
فكر دوفاس برهة، ثم قال: "حسنٌ، يوجد في الجدول الشمالي عدد قليل من الأسماك التي تُباع بانتظام في ساحة السوق بالقرية. وهذا الجدول لا يتجمد غالباً في الشتاء، لذا فهو يمثل مورداً ثابتاً وصغيراً للطعام. عدا ذلك، يعتمد الكثير على مدى نجاح مجموعات الصيد التي سنشكلها بعد عودة القافلة".
قال هودان: "سأبذل قصارى جهدي لضمان سير الأمور على خير وجه، رغم أني لا أستطيع ضمان شيء قطعاً. يوفيم ونوروبو راميان ممتازان، ومن المفترض أن يتيح لنا مرافقة سيافوف كما تحدثنا سابقاً جلب بعض اللحم بانتظام. لكن تبقى هناك دائماً احتمال ألا يعثرا على الكثير وسط الثلوج، مما سيتركنا عוوزين للطعام".
فكر كيفاموس في المشكلة قليلاً، وتذكر أنهم لم يشتروا شيئاً من القرية المجاورة الوحيدة الأخرى.
سأل كيفاموس: "أخبرتني أن الطريق إلى كيرنوس يظل سالكاً حتى في الشتاء، أفلا يمكننا شراء شيء من هناك؟ حتى كمية صغيرة من القمح الإضافي ستفدنا".
أجاب دوفاس: "الأمر ليس ممكناً حقاً يا سيّدي. مثلما أخبرتك سابقاً، أرسلت حارساً إلى هناك قبل قدومك، لكن الأسعار التي ذكرها للقمح كانت فلكية. وحتى مع ذلك، كيرنوس قرية صغيرة — أكبر بقليل من تيرانات — لذا فلن تمتلك ما يكفي من فائض القمح لإطعام قريتنا أيضاً. والمزارع القليلة القريبة من الساحل قرب كيرنوس تكفي لإمداد كيرنوس وحدها بالقمح. ولا يحصلون على فائض من الحبوب يتيح لنا بيعه حتى في سنوات الحصاد الوفير. فمن المؤكد إذن ألا يمتلكوا الكثير في هذه الأيام التي شهدت حصاداً سيئاً في كل مكان".
سأل كيفاموس: "أتذكر ذلك، أليست كيرنوس واقعة على الساحل؟".
ورأى دوفاس يومئ موافقاً، فقال: "إذن ألا يمكننا شراء السمك منهم؟ لابد أن لديهم صيادين هناك، أليس كذلك؟"
أجاب دوفاس: "بالتأكيد، لكنهم لا يصطادون إلا ما يكفي لإطعام قريتهم وحدها. لم تقم أي تجارة للأسماك قط بين تيرانات وكيرنوس، فنقل كمية كبيرة من الأسماك شاق للغاية بين القريتين. وعلى أي تاجر أن يحفظ تلك الأسماك في دلاء مملوءة بالماء على عربته، وهو ما يحد من كمية السمك التي يستطيع جلبها، كما تستغرق رحلة العربة بين القريتين نحو يوم ونصف اليوم. علاوة على ذلك، لا يخدمنا أبداً كون بارون كيرنوس رجلاً طماعاً".
أطلق كيفاموس ضحكة.
"ألا ينطبق هذا على جميع النبلاء؟"
ابتسم دوفاس، وقال: "لم أقل شيئاً كهذا يا سيّدي!"
ثم أضاف: "لكن لا بد أن في الأمر شيئاً من الصحة مادلت تقول هذا بنفسك".
ضحك كيفاموس بصوت عالٍ رداً عليه. وأطلق هودان ضحكة هو الآخر.
وقال: "دعك من هذا يا سيد دوفاس. يعلم اللورد كيفاموس أننا لا نقصد إهانة. وتلك هي الحقيقة قطعاً".
ثم تساءل: "ألم يحاول باروننا السابق قط شراء السمك من كيرنوس؟"
أجاب دوفاس: "لم يكن الأمر هكذا بالضبط. ضرائب بارون كيرنوس على أي تاجر يقصدنا للبيع مرتفعة تماماً كضرائب باروننا السابق على أي تاجر يأتي هنا للبيع. وفي النهاية تتراكم تلك الضرائب لتغدو الأسعار فاحشة. وكما يمكنك الحدس، لم يكن باروننا السابق يكترث لأمر القرية طالما كانت وجباته وافرة. أما عن بقية القرية، فهناك تاجر في كيرنوس يتردد علينا أحياناً بعربة لنقل الفحم عودة إلى كيرنوس. وغالباً ما يجلب معه كمية صغيرة من السمك على عربته، رغم أنه لم يزرنا ولا مرة واحدة منذ مصرع باروننا السابق في ذلك الكمين".
وتابع قائلاً: "مع ذلك، لا تكون الكمية كبيرة أبداً، فذلك التاجر لا يملك إلا عربة واحدة، وقرويو هنا لا يملكون ثمن شراء سمك باهظ الثمن كهذا على أي حال. وكحال الحبوب التي جلبها التجار من سينران، تكلف تلك الأسماك أكثر بكثير مما ينبغي بسبب الضرائب التي يفرضها بارون كيرنوس وبارون تيرانات السابق على كل تجارة. ولهذا السبب يعمد بعض القرويين عادة إلى ارتياد الجدول الشمالي لصيد بعض السمك، وبيعه في ساحة السوق. وما عاد ذلك يكفي قط، لكنه وفر تنوعاً طفيفاً في طعام القرويين".
أجاب كيفاموس: "هذا منطقي. لكن وضعنا الحالي ليس ممتازاً من حيث توفر الحبوب، لذا فنحن بحاجة ماسة إلى كل مصدر طعام آخر يمكننا الظفر به. ورغم أننا واثقون لحد ما من ألا يجوع القرويون طوال هذا الشتاء، فإن كمية الحبوب التي بحوزتنا لن تكفيهم إلا للبقاء على قيد الحياة بالكاد، ولن تشبعهم أبداً، لا سيما إن توجب عليهم مواصلة العمل الشاق طوال الشتاء — وهو ما نلزمهم به قطعاً".
وأضاف: "لذا ما أفكّر فيه هو، ألا يمكننا إقرار تجارة أسماك منتظمة بين القريتين؟ فبما أن الطريق إلى كيرنوس يظل مفتوحاً طوال الشتاء، فسيسعفنا كثيراً في إطعام قريتنا لو استطعنا شراء ولو كمية يسيرة من السمك بانتظام. كم تظن ستكلفنا؟ أعلم أننا بدأنا نعاني شح النقود، لكني أرغب في فعلها إن بدا الأمر ممكناً إلى حد ما".
فكر دوفاس لبرهة قبل أن يجيب.
"لا أستطيع حقاً إعطاءك تقديراً للتكلفة، فكحال أسعار الحبوب التي ارتفعت، ستسري الحال ذاتها على الأسماك. وحتى مع عدم فرضك لأي ضرائب عليها نظراً لاضطرارنا لإرسال عربة بأنفسنا، فإن ضرائب البارون كيرنوس ستزيد الطين بلة وترفع التكاليف الباهظة أصلاً. يضاف إلى ذلك أننا لا نستطيع نقل كمية من السمك على عربة واحدة تعادل عدد أكياس الحبوب التي بوسعنا حملها".
سأل هودان: "كيف ذلك؟"
أوضح دوفاس: "انظر للأمر هكذا. حين نحمل أكياس الحبوب، يكاد وزن الأكياس المستخدمة لا يذكر مقارنة بالحبوب نفسها، مما يعني أن مجمل حمولة الشحنة التي تجرها الخيل هي من الحبوب وحدها. أما في حالة الأسماك، فسيتعين علينا وضع الكثير من دلاء الماء على العربة كي تستطيع تلك الأسماك البقاء حية طوال الرحلة، وسيتراكم وزن الماء والدلاء ليبلغ مقادير هائلة، وهذا يعني أن كمية السمك الفعلية التي سنقدر على نقلها في عربة ستكون ضئيلة جداً — مقارنة بكمية الحبوب التي تستوعبها. ولهذا تكلف حتى الكمية الصغيرة من السمك أموالاً طائلة لنقلها من هناك، حتى قبل احتساب الضرائب".
أومأ هودان برأسه.
"هذا معقول. لو أمكننا رمي السمك مباشرة في العربات كالفحم، لقدرنا على حمل كميات أكبر بكثير، لكن حتى في هذا الطقس ستتعفن تلك الأسماك سريعاً إن نقلناها بلا ماء".
وأضاف دوفاس: "كما أننا لا نمتلك هنا مكاناً لتخزين السمك الحي حتى، لذا فحتى لو استلمناه فلن يكون لشراء كمية كبيرة منه أي جدوى ما لم نتناوله فوراً".
أومأ كيفاموس.
"ألا يمكننا شراء سمك مملح من كيرنوس إذن؟"
سأل دوفاس عاقداً حاجبيه: "سمك مملح...؟ أعلم أنه طبق شهي للنبلاء، لكن إعداده يتطلب كمية هائلة من الملح — وهو ليس رخيص الثمن البتة! ورغم جواز شراء كميات ضئيلة من السمك المملح إن أردته لنفسك وحدك، فلن نستطيع أبداً تحمل نفقات شراء ما يكفي لإطعام القرية بأكملها. سيكلف ذلك غالياً جداً... كما أن كيرنوس لا تحتاج لملح تلك الأسماك على أي حال، لوقوعها على الساحل وقدرتها على صيد سمك طازج جديد متى احتجت".
سأل كيفاموس: "حسناً، لكن ماذا لو..."، "ماذا لو اشطرينا حتى تلك الكمية الصغيرة من السمك الحي في عربة داخل الدلاء، ثم خزّناها في الماء هنا لحين حاجتنا لاستخدامها كطعام؟"