⟦1꒱ قال كيفاموس: "أنت محقّ، تلك المنجنيقات اليدوية أثقل بكثير، وبطئية الإعادة عند مقارنتها بالقوس، وهذا ما يجعلها غير مرغوبة لمعظم الناس، ويعني هذا أيضاً أن تكلفة إنتاجها بكمّيات كبيرة لتجهيز جيش كامل ستكون باهظة للغاية".
وأتابع: "لكن ما أفكر فيه أخف وزناً بكثير من تلك المنجنيقات، حتى إن النساء يستطيعبن استخدامه. ومع أن إعماره سيستغرق وقتاً أطول من القوس، فإن النشاب سيكون بالغ الفائدة في الدفاع عن القرية، وخصوصاً عند إطلاق السهام من أعلى برج الحراسة".
وأضاف: "كذلك، ورغم اعتقادي بأن الرامي المدرّب ربما يطلق سهامه بضعف سرعة مطلق النشاب تقريباً، يمكن تقليل هذا القصور بوجود أشخاص آخرين بجانبه للمساعدة في إعمار النشاب".
وأدلى دوفاس برأيه أيضاً.
وقال: "أعتقد أن معظم النبلاء ما زالوا يفضلون أن يطلق كل رامي قوسه بنفسه، بدل السماح لشخص واحد بإطلاق النشاب بينما يكتفي الآخرون بمساعدته. وطبعاً، لا بد من الإقرار بأن صنع تلك المنجنيقات بالغ الصعوبة ويستغرق وقتاً طويلاً، مما يجعل تكلفتها أعلى بكثير مقارنة بالقوس الذي يُصنع بسهولة وبتكلفة زهيدة. ولعل هذا سبب عدم سماعي باستخدامها قط".
أومأ كيفاموس برأسه.
وقال: "هذا صحيح أيضاً، ولكن إن استطعنا إنتاجها بأنفسنا بدل شرائها من مدينة أخرى، فستبقى الأسعار في متناولنا. يبدو سيدورون حدّاداً كفؤاً ومدرّباً، وسيتطلب الأمر منه بالتأكيد بعض المحاولات لضبط جميع القطع الحديدية بالشكل الصحيح، لكنه سيكون قادراً على إنتاج نشاب صالح للاستخدام بمساعدة تانيوك. وبعد أن نتجاوز أية مشكلات فيه، سيصبح إنتاج المزيد منه أسهل بكثير".
وأضاف: "أخبرنا بيداسو أن سعر سبائك الحديد منخفض في الوقت الحالي، وهذا سيساعد أيضاً في إبقاء التكاليف منخفضة. ولكن، ورغم ارتفاع تكلفتها، فإننا بحاجة إلى ميزة تلك النشابات للدفاع عن القرية بالشكل اللائق، وخصوصاً في ظل العدد المحدود من الحراس الذين لدينا، حيث لم يمسك نصفهم بسيف في حياتهم قبل أن نجنّبهم. ومع تلك النشابات، يمكننا الاستعانة بالنساء للدفاع عن القرية، مع إتاحة المجال للرجال لمواصلة أعمالهم الضرورية الأخرى في القرية، وهذا أمر لم يكن ليتحقق باستخدام القوس".
أومأ هودان برأسه.
وقال: "حسب ما فهمته الآن، سيظل القوس السلاح الأفضل لجيش مهاجم، لقدرته على الإطلاق بشكل أسرع وإمكانية تجهيز الجيش بالقوس بتكلفة زهيدة جداً. أما بالنسبة للدفاع عن مكان محصّن، مثلما ستكون تيرانات بعد أن نكمل الأسوار وأبراج الحراسة، فسيعمل النشاب بالكفاءة نفسها. وربما تبدو أكثر فائدة من القوس عند التصدي لهجوم ضخم إذا استنفرنا مدنيين آخرين لمساعدة رماة النشاب المدرّبين في إعمار النشاب، بينما يبقون أسفل الأسوار الجانبية على منصة برج الحراسة. وهذا ما لا يستطيع الجيش المهاجم فعله في الميدان، وإلا أصبح أولئك المدنيون أهدافاً سهلة لسهامنا".
أثنى كيفاموس عليه، وقال: "يبدو أنك استوعبت استخداماتها جيداً".
فسأل دوفاس: "لكن الوقت سيحتاجه تانيوك حتى يحظى بوقت فراغ كافٍ لصنع تلك النشابات، فهل تريد مني تأجيل إخبار القرويين بأننا ننوِي توظيف النساء حارسات؟ وإلا فإننا سندفع أجوراً لحارسات بلا داعٍ، إذ لن يستطيعبن فعل أي شيء من دون تلك النشابات".
فأجاب كيفاموس: "لا، عليك إخبارهم بذلك في أقرب وقت ممكن. ولن يكون سهلاً على القرويين تقبّل فكرة عمل النساء حارسات أيضاً، لذا سيستغرق الأمر وقتاً حتى يتقبلوا الفكرة. وإعلامهم بهذا مسبقاً سيساعدنا في الحصول على تدفق تدريجي للمتطوعات بانتظام، نظراً لأننا على الأرجح لن نحصل على العدد الذي نجنّبه فوراً. وكذا، فإن أولئك النساء لن يقاتلن مرة واحدة في حياتهن على الأرجح، وحتى لو سلمناهن نشابات جاهزة للإطلاق، فسيلزمهن وقت للدخول في الحالة الذهنية المناسبة للاستعداد لإسقاط قاطع طريق مهاجم، أو حتى فارس في المستقبل. لذا ورغم استغراق الأمر وقتاً قبل أن نتمكن من صنع أي نشاب، يستطيع هودان استغلال ذلك الوقت لمنحهن الأساسيات المطلوبة للتدريب. كأن يبدأ بمنحهن تدريباً بدنياً بجعلهن يركضن حول القصر بانتظام، ويمكنهن تلقي تدريب أساسي للغاية بسيف خشبي".
ولما رأى أن دوفاس يهمّ بمقاطعته، علا صوته ليتجاوز كلامه: "أعرف ما ستريده بالقول. وأنا لا أدّعي أن النساء ستتحولن إلى خبيرات في المبارزة قريباً، ولكن ما لم يتعلمن الحفاظ على هدوء أعصابهن حتى عندما يتقدم نحوهن شخص أقوى منهن شاهراً سيفه وبنيهة قتلهن، فلن يستطعبن إطلاق النشاب بالشكل الصحيح على أي حال. وأدرك أننا سنضع المرأة في خدمة برج الحراسة فحسب، لكنك لا تدرك أبداً ما قد يقع أثناء الهجوم، لذا فإن تعؤيسهن على الألفة مع الحراس الآخرين الذين سيقاتلون معهن، ووضعهن في الحالة الذهنية السليمة للاستعداد لإطلاق النار على قاطع طريق مهاجم، أمر بالغ الأهمية بالقدر نفسه، تحسّباً لاضطراب لاستخدام النشابات على الأرض".
ونظر إلى قائد الحراس.
وقال: "هودان، متى بدأنا بتلقي طلبات المتطوعات، فعليك الشروع في إعطائهن التدريب الأساسي كما ذكرت. بل يجب عليك فعل ذلك مع الحراس الآخرين أيضاً. وأي حراس في فترة الراحة ويتلقون تدريباً على السيف منك، وجب تدريبهم ليصبحوا في لياقة بدنية عالية للغاية. لقد تحدثنا مسبقاً عن إنشاء ساحة تدريب مخصصة في شرق القصر، لكن عليك البدء في ذلك من الآن فصاعداً".
أومأ هودان برأسه.
وقال: "أنا أجعلهم يركضون قليلاً لإحماء أجسادهم قبل الشروع في التدريب، ولكنه صحيح أن بمقدوري تقديم أداء أفضل. وسأبدأ بتنفيذ ذلك من الآن فصاعداً، وسأُدخل تمارين أخرى مشابهة كالعدو والقفز، إلى جانب زيادة الركض لبناء قدرتهم على التحمل. وعندما نبدأ باستقبال الحارسات، فسأضمهن إلى التدريب البدني أيضاً".
فقال كيفاموس: "جيد".
ونظر إلى بطنه البارز قليلاً، نتيجة عادات الكسل لدى كيفاموس الأصلي وكثرة شربه — كشأن جميع النبلاء في هذا العصر — وقال: "في الواقع، سأشارككم أنا أيضاً".
تردد هودان، وقال: "أوه... أمتأكد أنت يا سيّدي؟"
فأجاب: "نعم، نعم، أنا متأكد تماماً من هذا".
لقد احتاج إلى مزيد من اللياقة البدنية إن أراد احتمال الحياة في مكان قروسطي. وما زالت مؤخرته تتذكر ألم الجلوس على مقعد عربة متعرّج لنقارب أسبوعاً كاملاً أثناء الرحلة من أولريغا إلى تيرانات.
وقال: "أعلمني فقط حين تبدأ التدريب البدني للحراس في الصباح، وسأضم صوتي إليكم أيضاً".
ومستحضراً ذكريات كيفاموس الأصلي، قال: "لم أركز في الماضي قط على المحافظة على اللياقة البدنية أو حتى تعلم أبساسيات استخدام السيف، إذ أمضيت وقتي كله في المكتبة. ومع ألا أعتقد أنني سأغدو مبارزاً خبيراً، ولا أظن أنني أملك الوقت الكافي لذلك، لكن مع ذلك، في المستقبل، ومتى اكتسبت لياقة بدنية أفضل بعض الشيء، فسأرافقكم للتدريب الأساسي على استخدام السيف أيضاً. وأعلم أنك وبقية الحراس سترافقونني للدفاع عني أينما ذهبت، غير أن الإلمام بمهارات قتال كافية تتيح لي الصمود على الأقل أمام شخص يريد قتلي حتى وصول الحراس ليست بفكرة سيئة. لقد حدث ذلك مرتين بالفعل، وأنا متأكد تماماً من أنها ليست المرة الأخيرة التي يحاول فيها أحدهم قتلي".
ابتسم هودان، وقال: "يبدو ذلك معقولاً في نظري. ولكن لا تظن لوهلة أنني سأتساهل معك يا سيّدي، لمجرد كونك باروناً! فإن كنت ستنضم إلى الحراس الآخرين في التدريب، فسيتعين عليك اجتياز التمارين جميعها مثلهم تماماً".
وضحك كيفاموس بدوره.
وقال: "لا بأس بذلك، فما كنت لأتوقع شيئاً آخر".
* * *
في المساء، قُطِع حديث كيفاموس حول أمور شتى مع دوفاس وهودان بوصول السيدة هيغا إلى قاعة القصر. وبدو غورسازو بعيداً عنه طوال الأيام القليلة الماضية، ولم يعد إلى قاعة القصر مجدداً. ولم تكن الأمور واضحة لديه بشأنه، لكنه أمل أن يأتي للحديث معه إن واجهته أية مشكلة.
أعلنت هيغا بابتسامة: "تم الأمر، يا سيّدي. اكتمل بناء السوّيكة المؤقتة في جنوب القصر، ونقلت الدفعة الأولى من الفطر إلى هناك أيضاً، بعد وضع بعض الجذوع القديمة ونشارة الخشب هناك. وستظل موقدة نار مشتعلة باستمرار لإبقاء الهواء دافئاً داخل السوّيكة طوال الوقت. وكذا، ورغم إرسالي خادماً لإبلاغ الحدّاد بصنع أجران مياه، فقد أخبرني أن الأمر سيستغرق وقتاً لتأخره أصلاً في صنع أدوات أخرى، بيد أنه ينبغي أن يكون قادراً على تزويدنا بأجران حديدية بحلول مساء الغد. وقد أبقيت في الوقت الحالي بضعة دلاء من مياه هناك بالقرب من النار، وستؤدي الغرض بشكل جيد حتى ذلك الحين".
أثنى كيفاموس، وقال: "يسرّني سماع ذلك! لقد كانت عصيدة ريزاكو البارحة لذيذة، ولا أطيق الانتظار لتناولها مرة أخرى. إن تناول عصيدة دافئة ولذيذة كهذه في الشتاء سيُمسي أمراً رائعاً لنا وللقرويين أيضاً. ومن المؤسف أن فيروي لم يتسنّ له تذوق تلك العصيدة، نظراً لقولك إنه يحبها حقاً. وبما أننا نستخدم الفطر المتبقي لإعادة الزراعة، فلن يتمكن من تناول تلك العصيدة قريباً إلا إذا نجحنا في زراعته".
أجابت هيغا بابتسامة: "هذا صحيح تماماً، لكنه لن يمانع حقاً إن وُجد احتمال كبير لتناول عصيدة ريزاكو بانتظام في الشهر القادم. وسنعلم خلال أيام قليلة إن كانت إعادة الزراعة قد نجحت أم لا. وإن نجحت، فسنبدأ في الحصول على المحصول الأول من فطر ريزاكو في غضون ستة إلى ثمانية أسابيع. وعندئذ، إن جهز الحظيرة المخصصة له، فيمكننا استخدام ذلك الفطر لإعادة زراعته داخل الحظيرة على نطاق أوسع، مما سيسمح لنا بحصاد كمية وفيرة من الفطر في الأشهر المقبلة. ويعني هذا، إن سارت الأمور على ما يرام، أننا سنستطيع توفير ذلك الفطر للقرويين بحلول نهاية الشتاء، وهي النقطة التي ستنخفض فيها مخازن الحبوب لدينا أيضاً".
أومأ كيفاموس برأسه.
وقال: "لنأمل الأفضل إذاً. وعمل رائع!"
أجابت هيغا بابتسامة: "شكراً لك يا سيّدي. وعليّ الذهاب لإعداد العشاء الآن".
أومأ كيفاموس مرة أخرى، ومضت السيدة هيغا متوغلة داخل القصر باتجاه المطبخ. ونظر إلى دوفاس.
وقال: "كيف تسير الأمور مع الحدّاد؟ أاستقدم المزيد من المتدربين؟ ظننت أنه سيكون قادراً على إنجاز أجران المياه بحلول اليوم".