من لندن إلى اللورد الفصل 81 — البارون زوريخوس

اقرأ من لندن إلى اللورد الفصل 81 — البارون زوريخوس باللغة العربية على مانجا تايم.

كان سهولة مناداة زوريكوس له بليفالو، وطريقة تلفظه بالاسم كأنه حقيقة واقعة، تثيران فيه غضباً عارماً. إن ناداه عمال الاسطبل الآخرون بذلك، غضّ ليفالاس الطرف، فهم لم يضمروا له سوى المزاح الخفيف بين الحين والآخر، خاصة وقد أمضوا معاً يقارب عقدين في العمل بتلك الاسطبلات. أما حين يلفظه نبيل كزوريكوس، فشعر أنه لا يقصد سوى تذكيره بمقامه. بأنه ما عاد نبيلاً، ولن يكونه في هذه الحياة أبداً.

غلى ليفالاس من الداخل، لكنه نجح في كبح أي غضب في صوته.

قال: "أدعو نفسي بليفالو بين العامة فحسب. اسمي ليفالاس، وأنت تعلم ذلك".

سخر زوريكوس.

وقال: "اخرس. أنت لست نبيلاً، ليس بعد الآن. هذا بات في الماضي، وكان حرياً بك أن تعرف قدرك بحلول هذه الساعة".

أخذ لقمة أخرى من ذلك اللحم، وأردف وفمه ملآن: "حين يلفظ الكونت إبيرتاس أنفاسه أخيراً، سيصير ابنه الكونت التالي، لا أنت. لم يعد يحق لك تزيين نفسك باسم نبيل كليفالاس".

طبق ليفالاس قبضتيه.

وقال: "لم أمنح نفسي هذا الاسم! لقد منحني إياه أبي!"

أطلق البارون ضحكة مدوية بينما لعق بعض المرقة عن أصابعه.

وقال: "كأني ألقي بالاً لهذا. أنت عامل اسطبل للكونت الآن، لا أكثر. اعرف قدرك، وكن ممتناً لأنه لم يُعدمك منذ كنت طفلاً رضيعاً".

رمقه زوريكوس بنظرة حارقة.

وقال: "لكن هذا القدر من الثرثرة يكفي. أخبرني الآن، أأنجزت مهمتك؟ كان المفترض أن تعود قبل أسبوع".

أخذ ليفالاس نفساً عميقاً ليهدئ روعه. إن تمادى في الحظ العاثر فلن تكون عاقبته خيراً، لكنه يفضل الموت على أن يدعو هذا الوضيع سييداً قط. ليس في هذه الحياة. شرع أخيراً في استحضار أحداث الأسبوع المنصرم.

قال: "ليس اغتيال بارون بالأمر الهين، وأنت تعلم ذلك جيداً. توجب علي السفر طوال الطريق إلى تلك القرية لأحظى بفرصة مناسبة لقتله. لاحقاً، وقعت في أسر حراس البارون و بالكاد نجوت بالفرار من تلك القرية لأحفظ روحي، ولهذا كنت أقطع الغابات سيراً على الأقدام لأكثر من أسبوع كي أصل إلى هنا. واجهت شتى أنواع الوحوش في طريقي أيضاً".

ولما رأى وجه زوريكوس يحمر غضباً لاستغرابه الوقت الطويل في الوصول إلى لب الموضوع، أضاف بمسحة من الرضا: "ولا، لم أنجح".

ضرب زوريكوس الطاولة بيده فطارت بعض أدوات المائدة بعيداً عنها.

وقال: "اللعنة عليك، أيها الأبله العقيم! كيف تفشل بعد كل العناء الذي تجشمته للتخلص من بارون تلك القرية اللعين...!"

رمق ليفالاس بنظرة ثاقبة.

وقال: "كان كل نبلاء بلاط الكونت إبيرتاس يتنافسون على مناجم الفحم تلك! ألديك أدنى فكرة عن مدى صعوبة منع الكونت من تخصيص الأراضي الجنوبية لبارون جديد طوال كل هذا الوقت؟"

تمتم بصوت خفيض: "من يدري أي سبب لعين ساقه الملاك ليُرسل الدوق ابنه إلى هناك بصفته باروناً، متجاوزاً سلطة الكونت! لقد كانت هذه فرصتي الوحيدة لأملك مناجم الفحم تلك، اللعنة!"

استمتع ليفالاس بملامح وجه البارون البدين حين أدرك أن خطته للسيطرة على حقول الفحم الهائلة في تيرانات لن تكلل بالنجاح قريباً. شعر بقدر كبير من الرضا لإحباطه خطط البارون دون قصد، لكنه مع ذلك نجح بطريقة ما في إخفاء أي رد فعل خارجي. لو علم أن الأمر لا يعدو كونه مهمة مشبوهة عادية من زوريكوس بل شيئاً شخصياً أكثر -وسيلة لتضخيم رصيده المتنامي بلا توقف من الأراضي- لربما تظاهر بأنه بذل قصارى جهده لاغتيال بارون تيرانات الجديد، دون أن يفعل شيئاً حقاً لأجل هذا النذل الجشع!

أمسك زوريكوس رأسه بكلتا يديه.

وتمتم بصوت محبط: "أين أخطأت... لقد رتبت لكل شيء..."

أفاق زوريكوس من تأملاته مطولاً ورمقه بنظرة حارقة.

وقال: "كيف بلغت هذه الدرجة من البلادة؟ بلغني من مصادري أنه لم يكن يسفر سوى مع حاشية ضخمة تضم مستشاراً مسناً واحداً فحسب! كان ينبغي أن يكون غرس سكين في عنقه أمراً بالغ السهولة. كيف أخفقت حتى في فعل ذلك؟"

فكر ليفالاس في اليوم الذي التقى فيه بالبارون كيفاموس خارج سينران. بدا الشبان حينها شديد الحيرة والتعاسة، لدرجة تعذّر عليه إيجاد أي مبرر في تلك اللحظة لدوافع البارون زوريكوس في قتل بارون تيرانات الجديد. بالنظر إلى الوراء، بدا سلوك البارون كيفاموس بعيداً كل البعد عما توقعه من ابن الدوق. لذا لم يستطع حتى أن يحمل نفسه على محاولة قتله إلى أن بلغوا تلك القرية، خشية أن يكون مخطئاً في هوية الرجل.

ناهيك عن أن البارون كيفاموس كان نبيلاً، ولم يسبق له أن قتل أحداً من تلك الطبقة! في الواقع، لم يقتل أحداً قط إلا دفاعاً عن نفسه -كمثل المواقف التي يحاول فيها أحدهم قتله حين كان في إحدى مهمات زوريكوس، لكنه لم يستطع إطلاع البارون البدين على هذه الحقيقة الصغيرة. كما لم تكن لديه أي فكرة حينها بأن السيد كيفاموس هو ابن الدوق، وإلا لما وافق على قبول هذه العمل في المقام الأول!

لو اكتشف الدوق أمر هذا قط... ارتعش لمجرد التفكير في الأمر...

أجاب الآن ليستر أسباب إخفاقه بالقول: "مصادركم كانت خاطئة. كان برفقة البارون كيفاموس حارسان آخران إلى جانب ذلك المستشار، ولم يحن قط أي سنوح فرصة لأقترب منه بالقدر الكافي لقتله حتى وصلنا إلى تيرانات. لكن ما إن حللنا هناك، حتى وجدت عذراً لأقيم داخل قصر البارون في القرية، ونجحت في اغتنام فرصة لدس بعض أوراق جوسيناك المطحونة في حسائه".

بدا الاهتمام جلياً على وجه زوريكوس الآن، وهو يأخذ لقمة أخرى من ذلك اللحم الذي لا يزال يبدو شهياً.

قال: "آه! وكيف سنحت لك أصلاً الوصول إلى أوراق جوسيناك؟ إنها ليست رخيصة البتة".

رفع زوريكوس يده اليسرى التي لا تزال تقطر مرقة، وقال: "تعلم ماذا، دعك من هذا. لا أبه. أخبرني بما حدث بعد ذلك. نادرأً ما ينجو أحدهم إن تناول ولو بضع أوراق من جوسيناك".

أومأ ليفالاس.

وقال: "ظننت أنني سأنجح في قتله عبر ذلك، لكن ظهرت مشكلة. بعد أن وضعت السم في حسائه، كانت خادمة شابة تتولى نقله للبارون جائعة لدرجة أنها شربت بعض ذلك الحساء بنفسها، وبدأت تفقد صوابها وتُخرج الزبد من فمها فوراً، أمام البارون مباشرة. ولهذا اكتشف البارون كيفاموس أن أحداً كان يبتغي قتله قبل أن يتمكن حتى من ارتشاف ذلك الحساء، ولأنني كنت أحد النزلاء الجدد القلائل في قصر البارون، سرعان ما أدرك الحراس أنني من دبرت سمّه وألقوا القبض علي".

ضرب زوريكوس وجهه بالطاولة مجدداً.

وقال: "تباً لهؤلاء العبيد الجشعين! مهما أطعمتهم، يظلون جياعاً للمزيد. ما أبوق هؤلاء العبيد!"

أخذ نفساً عميقاً، لكنه استمر في الشتم بعدها.

"أن تفكر في الشرب من نفس الإناء مع نبيل! تبّاً لها!"

بينما شتم زوريكوس كل كائن حي في تلك القرية تقريباً، ظل ليفالاس يترقب بهدوء حتى خفت غضب البارون. سيكون الأمر خيراً له إن لم يُمضِ قدماً في جعله هدفاً لذلك الغضب.

وما إن رأى أن زوريكوس قد هدأ، حتى أضاف: "كان هناك سبب لذلك. علمت لاحقاً أن معظم الناس كانوا شبه جياع في تلك القرية. ولهذا لم تستطع تلك الخادمة مقاومة الشرب من ذلك الحساء".

وبالطبع، رغم أنه لم ينطق بها بصوت عالٍ، تمنى ليفالاس أن تكون الخادمة بخير. فلم تكن لديه نية لقتل طفلة بريئة. سخر زوريكوس.

وقال: "لا ألقي بالاً إن جاعت تلك القرية بأسرها".

رمق ليفالاس بنظرة حارقة مجدداً.

وقال: "كل ما كان عليك فعله هو إطعامه ذلك الحساء، ولكنك عجزت حتى عن فعل هذا القدر البسيط!"

هز ليفالاس كتفيه.

وقال: "لسنا بصدد ذنبي إن شرب أحدهم ذلك الحساء في الطريق. وما كان لي قط أن أناول الحساء للبارون بيديّ. ما من نبيل عاقل سيقبل طعاماً من عامي مجهول".

أومأ زوريكوس بامتعاض.

وقال: "لكن إن أخفقت في تسميمه، وألقى القبض عليك بعد ذلك بقليل، لكان قد أعدمك في الحال".

ضيق عينيه وهو يرمق ليفالاس.

وقال: "كيف ما زلت حياً إذن؟"

أجاب ليفالاس: "حالفني الحظ. فور مثولي أمام البارون بعدما أمسك بي الحراس، اختلقت قصة كي لا يعجل البارون بإعدامي. وحيث إنهم كانوا لا يزالون يحاولون إنقاذ تلك الخادمة الشابة، فقد قيدوني في حظيرة وسط تلك الجلبة مؤقتاً. لكني نجحت في إرخاء الحبال بما يكفي بعدما أخرجني حارس أبله لقضاء حاجته. وفي وقت متأخر من الليل، حررت نفسي ووجدت صدفة لوحاً متخلخلاً في تلك الحظيرة القديمة، فهربت من تلك القرية. لكن توجب علي السفر سيراً عبر الغابات لأكثر من أسبوع قبل أن أبلغ هنا".

لم يظن أن ذكر عدم رغبة البارون كيفاموس في قتله بالمقام الأول يعد فكرة سديدة الآن، وإلا لبدأ زوريكوس يشك في قصته برمتها. وما زال غامضاً عليه كيف لنبيل أن يكون شديد التسامح هكذا. تذمر زوريكوس.

وقال: "هذا منطقي. لكن لا بد أنه جعل حراسه يستجوبونك بغية الحصول على معلومات. أأخبرتهم بمن أرسلك؟ إن علم أنني كنت من حاول قتله، فسيجعل ذلك حياتي عسيرة في المستقبل. وهذا يعني أنه سيكون الحال ذاته بالنسبة لك".

سخر ليفالاس.

وقال: "لست أحمق. بالطبع لم أخبرهم بشيء آخر".

بيد أن ما لم ينطق به علانية هو أنه صاغ قصته المختلقة بحيث تقترب بما فيه الكفاية من الحقيقة، ولو كان البارون كيفاموس ذكياً، لالتقط التلميح. وأي شيء يجلب المزيد من المتاعب لزوريكوس مستقبلاً، دون توريط ليفالاس شخصياً فيها، كان يمنحه قدراً هائلاً من الرضا. أشار إليه زوريكوس بأصابعه الغليظة.

وقال: "لا توجد فائدة منك قط، إذ عجزت حتى عن إنجاز مهمة بهذه البساطة".

لم يعقب ليفالاس على ذلك. تردد لحظة فيما إذا كان سيفشيه بمزيد من الأنباء، لكنه آثر أن منح القليل من الأخبار السارة لذلك النذل البدين، كي لا يصب غضبه عليه.

وقال: "هناك أمر آخر ينبغي أن تعلمه، ومفترض أن يدخل السرور على قلبك. بينما كنا في طريقنا إلى تيرانات، وقع هجوم آخر على البارون كيفاموس".

مطّ زوريكوس صوته.

وقال: "مثير للاهتمام... من الواضح أنهما باءا بالفشل. أتعرفت على من أرسلهما؟"