قال تانيوك: "توجد علامة أمام معظم معابد الملكة، أو على الأقل تلك المعابد المصنوعة من الحجارة التي تدوم جدرانها طويلاً، تخبرنا بطول الياردة. غير أن معبدنا هنا مبنى خشبيّ، لذا لم تكن هناك حاجة لوضع علامة مماثلة عليه حين شيدناه في الماضي. إذن، كي أحصل على طول دقيق لياردة أستعمله في المستقبل، اشتريت عوداً خشبياً مستقيماً في سينران، وبعد أن قارنته بعلامة ياردة المعبد هناك، وضعت علامتين عليه بعرض ياردة وقطعت العود عندهما، كي أحصل على عود يطابق طول الياردة. ولدى سيدورون عود شبيه أيضاً".
سأل كيفاموس: "حسناً. قل لي، كم يبلغ طول ذلك العود؟ أتملكه هنا؟"
فتح تانيوك كفيه وقال: "لا، يا سيّدي. يستعمله صبيّي في ورشتي الآن. لكنّي أظن أن طوله يبلغ نحو هذا".
نظر كيفاموس إلى الفراغ بين كفيه، وتقدّم إلى ذهنه أنه يشابه أكثر أو أقل طول الياردة التي عرفها على الأرض، أو ربما أصغر قليلاً.
وسأل: "هل تنقسم هذه الياردة إلى قياسات أصغر؟ حين تحتاج إلى قياس شيء دقيق، كعرض لوح خشبيّ مثلاً؟"
رمقه جورسازو بنظرة حادة لكنه لم ينطق بكلمة.
أجاب النجار: "بلى بالطبع، يا سيّدي. تنقسم الياردة الواحدة إلى قدمين وسبع بوصات".
رفع كيفاموس حاجبيه. سيجعل هذا حساب أي شيء أمراً شديد الصعوبة.
"صحيح... كم بوصة في القدم إذن؟"
أجاب تانيوك بدهشة: "إحدى عشرة بالطبع!"
يا للهول... تلك أرقام غريبة، هكذا فكر كيفاموس. لم يستطع تخيل كيف يتمكن السكان المحليون من تشييد أي شيء باستخدام تقسيمات الطول العجيبة هذه.
أضاف تانيوك بقطبة حيرة: "الأمر هكذا دائماً، يا سيّدي. لا بد أنك كنت على علم وتلك التقسيمات بالفعل. لا أدرِي لِمَ تسألني عنها".
أدرك كيفاموس فوراً أن أي شخص عادي في هذا العالم، وخصوصاً نبيلًا مثقفاً كما زعم كونه، لابد أنه يعلم ذلك. وذاك لابد أنه سبب نظرة المفاجأة التي بدت على جورسازو آنفا. سارع باختلاق تفسير.
"حسناً... كما يمكنك التخمين، لم أحتج يوماً للقيام بأي أعمال نجارة في حياتي، لذا لم أفكر كثيراً في تلك التقسيمات. ومع ذلك، تختلف تلك التقسيمات بين منطقة وأخرى، لذا وجب عليّ التأكد قبل أن أغير أي شيء".
أومأ تانيوك ببطء.
"هذا معقول، يا سيّدي. أعتذر عن استجوابك".
لوح كيفاموس بيده.
"لا تقلق بشأن ذلك. الفضول أمر جيد دائماً، لذا لا تتردد أبداً في طرح أي أسئلة عليّ".
حين فكر في تقسيمات الياردة، وجدها معقدة للغا لدرجة ستصعب معها على شخص مثله حساب أي شيء، لا سيما دون امتلاك شيء أساسيّ كآلة حاسبة. سيجعل استبدال المتر بالياردة حساب الأمور أسهل بكثير لتانيوك وغيره، خصوصاً إن نووا بناء أي شيء مستقبلاً يتجاوز في تعقيده بيتاً طويلاً ولو قليلاً. التفت إلى حراسه.
"امضوا واحضروا لي بضع عيدان خشبية مستقيمات، بطول متر ونصف المتر تقريباً. تفقدوا الأرجاء هنا، فلا بد أن تجدوا شيئاً كهذا".
وبينما انطلق الحراس هرولة، رمق النجار بنظرة.
"كيف كنت ستَقيس أبعاد البيت الطويل بالمتر، كما كنت أمرتك، حين لا تملك سيلة لقياس الياردة، ولا تدري حتى ما يفترض أن يكون عليه طول المتر؟"
أطرق تانيوك برأسه نحو الأرض وتمتم: "كنت أنوي سؤالك قريباً..."
تنهّف كيفاموس.
"هذا لا يصح أبداً، يا تانيوك! مثلما أخبرتك قبل قليل، لن أضربك أو حتى أنوبّخك لطرحك أي أسئلة عليّ. لكن عليك أن تكون صريحاً معي، وأن تسأل حين لا تفهم شيئاً! وإلا فلن نفلح في بناء أي شيء هنا!"
أومأ تانيوك ببطء.
"أعتذر، يا سيّدي. سأسعى للقيام بعمل أفضل مستقبلاً".
"عليك ذلك حقاً، يا تانيوك. لا تتردد أبداً في سؤالي كلما احتجت إلى مزيد من الشرح عن أمر ما".
وحين رأى النجار يومئ مجدداً، أطلق كيفاموس تنهيدة عميقة وأمعن التفكير في المشكلة. سيخدمهم كثيراً في المستقبل إنجاز تقسيم طول المتر إلى عشرة أقسام أصغر، مما سيسهل الحسابات كثيراً أيضاً. فضلاً عن ذلك، استند كل ما تذكره عن الأرض إلى معادلات وثوابت مرتبطة بطول المتر الذي ألفه. وبينما تطلّب الأمر منهم التفكير في الهموم الملحة للبقاء حالياً، أراد مستقبلاً صناعة بعض الآلات لتساعدهم في التعامل مع كل مشاكل هذا المكان، فضلاً عن ضمان ازدهارهم الآتي.
ولهذا الغرض، تعذر عليه تماماً استخدام قياس الياردة ذي التقسيمات غير المعقولة. لذا، وحتى لو تعيّن عليهم تخمين طول المتر مؤقتاً، فكلما اقتربوا من طول المتر المألوف لديه -بدلًا من الياردة الأصغر حجماً- سهُل عليهم تكييف الأمور مستقبلاً حين يتمكنون من إيجاد طول المتر بدقة استناداً إلى ثابت كونيّ ما. بيد أن المشكلة بقيت قائمة حول كيفية معرفة الطول المفترض للمتر طالما انعدمت لديه أي وسيلة لمقارنته بقياس معياريّ على الأرض حالياً.
إن... إن صنع رقاص ثوانٍ، وهو مجرد رقاص بسيط مدته ثانية واحدة، أفلم يتسنّ له معرفة طول المتر بسهولة كافية؟ كلا، سيعتمد ذلك على تطابق جاذبية هذا المكان تماماً مع الأرض، وهو أمر مستبعد. هذا ناهيك عن انعدام أي طريقة لديه لقياس مدة ثانية بدقة هنا الآن... لن يجدي ذلك نفعاً... هز رأسه مجدداً باحباط. كان الأمر بالغ البساطة، ومع ذلك تعذر عليهم تماماً حساب طول المتر أو مدة الثانية من الصفر دون الاستعانة بأي أدوات حديثة.
تنهّد. سيتعين عليه الاكتفاء بتقدير جيد في الوقت الراهن ريثما يتمكنون من الحصول على قياس دقيق. عاد الحراس، فأخذ أحد العيدان منهم. وضع يده اليسرى على أحد طرفي العود، وطلب من النجار إعادة بيان طول الياردة. وبعد أن أراه تانيوك على ذلك العود، أومأ كيفاموس. حرّك يده اليمنى ببطء أبعد على العود، حتّى بلغ مسافة بين كفيه تبدو مطابقة لطول المتر على الأرض. أدرك أن هذا جسد كيفاموس لا ستيفن، لذا ربما ظل تقديره خاطئاً، بيد أنه بقي أفضل ما استطاع التفكير فيه في هذه اللحظة.
حرّك يده اليمنى قليلاً نحو الجانبين ليفحص مجدداً، وحاول ضمان تقارب الفراغ بين كفيه مع المتر قدر ما استطاع تخمينه. وما إن اطمأن، حتى أمر هودان بأخذ عود آخر وكسره عند نفس الطول الفاصل بين كفيه. أومأ هودان، وبعد إجراء مقارنة، كسر العود بسهولة ليطابق الطول نفسه. تناول كيفاموس ذلك العود الأصغر بين يديه، وملأه النظر إليه مطولاً شاعراً بأن هذا الطول ينبغي أن يطابق المتر تقريباً.
وأمر الحراس بكسر باقي العيدان للطول نفسه أيضاً بعد قياسها.
وحين أتمّوا ذلك، تأكد من تماثل أطوال العيدان جميعاً، وقال: "حسناً، بما أنني لا أملك وسيلة لقياسه بدقة الآن، فقد بذلت قصارى جهدي في تقدير أن هذا هو طول المتر".
ناول عوداً خشبياً لكل واقف هناك، وقال: "تكمن روعة القياسات المترية في إمكانية تقسيم الطول إلى عشرة أجزاء للحصول على القياسات الأصغر. وينطبق ذلك أساساً على كل شيء في النظام المتري، بما في ذلك الأوزان، لكن هذا أمره لاحقاً".
نظر إلى النجار، وقال: "عوضاً عن تقسيم كل ياردة إلى قدمين وسبع بوصات، والقدم إلى إحدى عشرة بوصة، يمكنك ببساطة تقسيم المتر إلى عشرة أجزاء للحصول على ديسيتر، وهو عشر المتر. ويمكن تقسيم كل من تلك الديسيترات إلى عشرة سنتيمترات، وهي جزء من مائة من المتر، كما يمكن تقسيم كل سنتيمتر إلى عشرة مليمترات، وهو ما يبلغ طوله جزءاً من ألف من المتر".
وقبل أن يزداد تانيوك حيرة، استناداً إلى ملامحه، استطرد: "مؤقتاً، كل ما عليك تذكره هو إمكانية تقسيم المتر الواحد إلى مائة سنتيمتر، هذا كل ما في الأمر. والسنتيمتر الواحد يكافئ تقريباً عرض طرف خنصر يدك".
وأضاف: "أدرك أن التفكير بمصطلحات المتر سيستغرق بعض الوقت، لكن فوائده ستستحق العناء على المدى الطويل، سيّما مع وجود الكثير من أعمال البناء التي ستجري هنا مستقبلاً. وما إن تبدأوا في استخدام الأمتار والسنتيمترات بانتظام، حتى تلمسوا فوائدها بسهولة".
وأردف كيفاموس: "سيجعل ذلك حساب أي أطوال وتقسيماتها أسهل بكثير حقاً. أتدرك شيئاً عن الكسور العشرية؟"
أومأ تانيوك.
"جيد. لنأخذ مثالاً سريعاً، فلنفرض أن لديك لوحاً خشبيّاً بطول أربعة أمتار، وهو ما يعادل أربعة أمثال المائة، أي أربعة مائة سنتيمتر طولاً. وحينها إن أردت تقسيمه إلى عشرة أجزاء متساوية لصنع مقاعد كراسي منه، يمكنك ببساطة تحريك العلامة العشرية منزلة واحدة نحو اليسار. إذن، عبر فعل ذلك في الأربعمائة سنتيمتر، ستحصل على أربعين سنتيمتراً باعتبارها الطول المطلوب قطعه. في قياسات الياردة، كان تقسيم أي شيء إلى عشرة أجزاء متساوية ليغرق وقتاً أطول بكثير".
رمقه تانيوك بلحظة دهشة، وقال: "كان هذا سريعاً للغاية يا سيّدي!"
واستطرد: "سيصبح الأمر أسهل بكثير بلا شك إن لم يتوجب عليّ إجراء حسابات مطولة كل مرة لتقسيم طول ما إلى أقدم وبوصات. عادة ما أقضي بضع ساعات في حساب الأطوال قبل الشروع في بناء أي شيء. يبدو هذا النظام المتري بسيطاً حقاً".
وافق كيفاموس: "هو كذلك حقاً. من الآن فصاعداً، أود منكم جميعاً اتخاذ المتر مقياساً أساسيّاً للطول".
ونظر إلى رئيس العمال.
"سأطلب من سيدورون صنع بضع عيدان حديدية بهذا الطول كي لا تنكسر بسهولة. وسيتحتم عليه أيضاً تقسيمه إلى مائة جزء متساوی، لكني سأشرح له ذلك لاحقاً. ومتى تم ذلك، فعليكم جميعاً استخدام مقياس القياس الحديدي ذاك لقياس أي شيء. وعلاوة على سهولة حساب تقسيماته الأصغر، ستشهدون فوائد أخرى في أوانها".
أومأ تانيوك: "بالطبع يا سيّدي".
ووافق ييدن بدوره: "سأفعل ما تأمر به".
أومأ كيفاموس.
"حسناً إذن، لقد تلقيتم أوامركم. يمكنكم العودة إلى عملكم الآن".
وبعد انحناءة سريعة، شرع تانيوك وييدن في السير عائدين وهما يتجادلان حول القياسات المترية الجديدة. رمق جورسازو بنظرة للحظة، إذ كان يحدق في الأفق.
وهز رأسه حيال خطأه، وقال للآخرين: "حسناً، لنعد الآن".