قال كيفاموس: "تسمى هذه الأداة كرومة".
أمال جورسازو رأسه قليلاً وهو يتفرس فيه عابساً، لكنه لم ينطق بكلمة.
أضاف كيفاموس: "من الأفضل أن نستعمل قطع حديد مدببة بدلاً من هذه الحجارة المستديرة، لتكون أكثر دقة. في حالتنا هنا، حيث لا تحتاج إلى إقامة سوى مبنى واحد في كل مرة، يمكنك أن تجعل هذه الحبال التي تتدلى منها الحجارة أطول قليلاً، بحيث تكاد تمس الأرض. بهذه الطريقة، يمكنك وضع علامة في المواضع التي تمس فيها الحجارة الأربعة الأرض، وبعد ذلك يمكنك بسهولة أن توجّه العمال لمسك حبل مشدود، ومحاذاة الحبل مع هذه العلامات. سيمنحك ذلك بسهولة الزاوية فضلاً عن موقع الجدارين لمبنى جديد".
وأشار إلى قطعة الخشب الصغيرة التي تربط التقاطع بالعارضة العمودية: "وإن شئت، يمكنك صنع هذه القطعة بطريقة تدور فيها حول قمة العارضة، لكي تتمكن من نقل التقاطع إلى جانب آخر من العارضة إن احتجت إلى ذلك. يمكنك أيضاً صنع محور دوران آخر في الجانب الآخر من قطعة الخشب هذه، بحيث يمكن تدوير التقاطع نفسه لمواءمة الخطوط مع الاتجاهات المرغوبة".
قال تانيوك وهو يومئ: "هذا ما يمكنني فهمه، يا سيّدي. لكن لمَ لم تضع التقاطع فوق العارضة مباشرة؟ لكان ذلك ناجحاً أيضاً وأسهل في الصنع".
أجاب كيفاموس: "أنت محق، لكن هذا التصميم له فوائده حقاً. لنقل إنك بحاجة إلى وضع نقطة الإسناد -وهي مركز الخطين- فوق غرض متين، كصخرة لا يمكنك غرس العارضة فيها بسهولة. في تلك الحالة، يكون وضع مركز التقاطع بعيداً عن العارضة مفيداً، لأنه يمكنك ببساطة غرس العارضة في الأرض بعيداً قليلاً عن تلك الصخرة، وستظل قادراً على وضع نقطة الإسناد، أعني زاوية الجدران، فوق تلك الصخرة".
أومأ تانيوك: "هذا منطقي".
أضاف كيفاموس: "علاوة على ذلك، في حين أن وضع علامات على الأرض مباشرة تحت الحجارة سيفي بالغرض لمجموعة واحدة من الخطوط المتعامدة، إلا أنك إن احتجت إلى التخطيط لمناطق مجاورة في الوقت عينه، فإن إزاحة التقاطع عن العارضة تتيح لك النظر في خط مستقيم عبر الحبلين، تماماً كما فعلت للتو. بهذه الطريقة يمكنك إخبار شخص آخر بتحديد نقطة بعيدة على الأرض تقع على امتداد الخط نفسه. يتيح لك ذلك ضمان وقوع حتى نقطة بعيدة على الخط ذاته. وبهذا تضمن أن جداراً طويلاً، كجدران القرية الجديدة مثلاً، يقع في خط مستقيم. ومثال آخر، إذا كنا نصنع سلسلة من المنازل بجوار بعضها، فإننا باستخدام الكرومة نضمن وقوعها على الخط ذاته".
قال ييدن: "سيكون ذلك مفيداً بالتأكيد لجدران القرية".
تابع كيفاموس: "كما يمكنك الحدس، يمكن استخدام الكرومة أيضاً لصنع شبكة. يمكنك تحديد الخطوط المتعامدة عند تقاطع واحد، ثم يمكنك نقل الكرومة إلى كل تقاطع تالٍ، ويمكنك رسم الخطوط المتعامدة مجدداً باستخدام هذا. سيكون ذلك مفيداً عندما تمهد الأرض لصنع الطرق أيضاً".
أومأ ييدن: "بالتأكيد، يا سيّدي".
نظر كيفاموس إلى النجار: "يا تانيوك، يجب أن تصنع واحدة من هذه لكي نتأكد من إقامة جدران البيت الطويل في المحاذاة الصحيحة. يمكنك أن تطلب من سيدورون أن يمنحك قطع حديد صغيرة ومدببة، صنع في قمتها ثقباً، لكي تتمكن من ربط الحبال بها. تسمى قطعة الحديد تلك ثقالة البناء".
أومأ تانيوك بحماسة: "هذا أعرفه، يا سيّدي. أنا أستخدم ثقالة بناء مشابهة كلما أقمت جدران مبنى لأتأكد من استواء الجدران، وعدم ميلها إلى أحد الجانبين. وهذه الكرومة أسهل من أن تُصنع. يمكنني صنع واحدة منها في غضون ساعة مستعيناً ببضعة عيدان مثيلة محتفظ بها في ورشتي. لا أعلم لمَ لم يفكر فيها عقلي في الماضي! لكنها ستكون مفيدة حقاً هنا".
قال كيفاموس: "بالتأكيد. لن تعمل جيداً عندما تكون هناك رياح، لكنها فيما عدا ذلك ستكون فكرة جيدة لاستخدامها في كل موضع تحتاج فيه إلى صنع خطوط متعامدة على الأرض. لذا، بعد حديثنا هذا، يجب أن تذهب وتصنع كرومة أولاً، قبل أن يُحفر المزيد من الخنادق".
أومأ تانيوك: "سأفعل ذلك، يا سيّدي".
نظر كيفاموس إلى رئيس العمال: "كيف يعمل منقلو الجذوع؟"
أشار تانيوك بسعادة إلى الآلات القريبة باتجاه الشمال: "لقد كانت مفيدة جداً، يا سيّدي! عادة ما أحتفظ بكليهما هنا في الشمال، لكنني أرسل أحدهما كل بضعة أيام إلى منطقة التطهير الجنوبية ليستخدمه بينوتو هناك".
تأمل منقل الجذوع لبرهة، قبل أن يضيف: "هناك مشكلة صغيرة مع ذلك. تلك المحاور الخشبية ليست ملساء تماماً، لذا فبسبب الاحتكاك بين المحور والحبال المستخدمة لسحبه، تظل تلك الحبال تنقطع مراراً وتكراراً. وفي حين أن لدينا بعض الحبال الإضافية الآن لعمل عروة جديدة حول المحور مجدداً، فسؤدي ذلك إلى نقص في الحبال قريباً جداً إن استمر الأمر على هذا المنوال".
تمتم كيفاموس: "هذا مقلق...".
فكر في المشكلة دقيقة.
"أتعلم ماذا؟ بما أن لدينا بعض الحديد الفائض، نظراً لأننا اشترينا بعض سبائك الحديد الإضافية من سينران، فهناك حل سهل لهذا. يمكننا صنع صفيحة حديدية رقيقة، لكنها عريضة بما يكفي، ولفّها حول المحور لتقليل الاحتكاك".
وأكمل: "يمكننا تثبيت تلك الصفيحة على المحور ببعض المسامير، إلى جانب بعض الشحم المفروك على صفيحة الحديد أيضاً. بهذه الطريقة، ستدوم الحبال لفترة أطول بكثير -لأن صفيحة الحديد تلك المفروكة بالشحم ستكون ألسن بكثير من المحور الخشبي".
أومأ ييدن: "هذه... فكرة جيدة".
وعبس: "لكن هل أنت متأكد من أن بإمكاننا الاستغناء عن هذا القدر من الحديد لهذا الغرض؟ الحديد ليس رخيصاً البتة، أنا أعلم هذا القدر على الأقل".
استهل كيفاموس كلامه قائلاً: "هذا أمر مهم، وبما أننا لا نستطيع إنتاج حبال جديدة هنا، فإن شراء حبال جديدة يكلف مالاً أيضاً. لا نحتاج سوى لصنع صفيحتين من هذا النوع لمنقلي الجذوع، وستدومان بسهولة لسنوات".
وأمر: "قس المحيط حول المحور، لمعرفة الطول والعرض اللذين تحتاج إليهما تلك الصفيحة، بحيث يمكن التفافها بالكامل حول ذلك المحور، ثم أرسل شخصاً إلى سيدورون اليوم لتسليمه تلك المقاسات ليصدر طلبيّة جديدة لصفيحتين من هذا النوع. بمجرد أن ينتهي من صنع تلك المواقد اليوم، سيلقى متسَعاً من الوقت لطرق صفيحتين كهاتين".
أومأ ييدن: "سأرسل شخصاً قريباً. وأريد أن أشكك مجدداً، يا سيّدي، لصنعك مواقد جديدة لنا".
وأشار إلى مِوقد مُطفأ محتفظ به بالجوار: "على الرغم من أننا أطفأناه سريعة بعد طلوع الشمس لتوفير الفحم، فإن وجود ذلك الموقد الوحيد هنا أتاح لنا بسهولة تدفئة أيدينا قبل أن نبدأ العمل في الصباح اليوم. سيكون وجود عدد أكبر منها هنا وفي مواضع أخرى يعمل فيها القرويون مفيداً جداً لنا، وسيمنع العمال من المرض في الشتاء القادم".
قال كيفاموس: "حقاً. ويمكنك استخدام ما تشاء من الفحم لذلك. وفي حين قد يكون حسناً هذه الأيام إطفاؤه في النهار عندما تطلع الشمس، فأنت تعلم أن ضوء الشمس سيغدو شحيحاً في الشتاء، لذا يجب أن تستخدم المواقد طوال اليوم أينما كنت تعمل".
وابتسم: "اعتبر ذلك جزءاً من مزايا العمل".
وأضاف: "معظمكم لا يملك ملابس جيدة بما يكفي للشتاء على أي حال. سأحاول فعل حيال ذلك قريباً، لكنكم ما زلتم بحاجة إلى وسيلة لتدفئة أجسادكم عند العمل في الشتاء. لذا ففي كل يوم صباحاً عندما تأتون للعمل هنا، أرسل عاملاً إلى القصر لنقل بعض الفحم هنا في عربة ليُستخدم في تلك المواقد طوال اليوم. لدينا فائض من الفحم في الحظائر، لذا لا داعي للقلق بشأن توفيره. يمكنك إخبار المواضع الأخرى حيث يعمل القرويون بفعل الشيء نفسه مع المواقد".
أومأ ييدن مبتسماً: "سأفعل، يا سيّدي! شكراً لك!".
قال كيفاموس: "هناك أمر آخر كنت أفكر فيه".
"بما أن الأرض ستتجمّد في الشتاء، فسيكون الحفر أصعب بكثير. لذا بمجرد الانتهاء من خنادق كتلة البيت الطويل الأولى، يجب أن تحفروا خنادق الكتلتين الثانية والثالثة أيضاً. بطبيعة الحال، لن نبدأ تشييد هاتين الكتلتين حتى ينتهي تشييد كتلة البيت الطويل الأولى تماماً، لكن حفر جميع الخنادق مسبقاً سيساعد كثيراً على تشييد الكتل الأخرى حتى بعد بدء تساقط الثلوج".
وأضاف: "في الواقع، وبما أن تساقط الثلوج سيبدأ قريباً، يجب أن تحوّل معظم العمال لحفر كل ما هو مطلوب، بما في ذلك خنادق جدران القرية والمجاري المجاورة للطرق الجديدة هنا، إذ سيغدو الحفر أصعب بعد بدء تساقط الثلوج. بالطبع، حتى في تلك الحالة يجب أن تبقي بعض العمال لمواصلة قطع المزيد من الأشجار كيلا نعاني من أي نقص في الجذوع لبناء كتل البيت الطويل، لكن بما أن لدينا بالفعل العديد من الجذوع المكدسة هنا، فينبغي تحويل معظم العمال إلى الحفر في الوقت الحالي. والطريقة البسيطة لذلك هي تكليف العمال بقطع تلك الأشجار أولاً التي تقع في موقع خنادق جدران القرية. سيبقي ذلك تانيوك مُزوَّداً بعدد قليل من الجذوع الجديدة، ويمكنك بسهولة تطهير المواضع التي تحتاج إلى حفر الخنادق فيها. وما إن يكتمل الحفر، يستطيع كل العمال استئناف قطع المزيد من الأشجار".
أومأ ييدن: "سأحرص على ذلك، يا سيّدي. كنت أفكر في فعل ذلك بالفعل".
"حسن. وأيضاً، أبلغ بينوتو بأنه يجب أن يكلف عماله ببدء حفر الخزان الصغير في الجنوب الذي تحدثنا عنه سابقاً. أبلغه أنه يجب أن يقع على مسافة نحو أربع مئة ياردة من القرية، ليكون قريباً من المزارع هناك، ويمكننا استخدام تلك المياه لري المزارع في المستقبل. ومثلما هو الحال هنا، يمكنه استئناف القطع بمجرد اكتمال ذلك".
وتابع كيفاموس: "ينبغي لك أيضاً أن تخبر عمالك بحفر خندق صغير لربط المجاري في الشمال هنا بذلك الخزان. سيكون هذا الخندق -الذي سيغدو مجرى أكبر- ماراً بالقرب من القرية من جهتها الغربية، لكي نتمكن من ربط المزيد من المجاري به لاحقاً، عندما نعيد بناء منازل القرية في المستقبل. بهذه الطريقة، عندما تذوب الثلوج بعد الشتاء، ستتدفق كل المياه الزائدة إلى تلك المجاري، لتجتمع بعد ذلك في الخزان بالجنوب، مما سيمنع أي فيضان في القرية نفسها. وبما أن لدينا الكثير من الأدوات الجديدة الواردة كل يوم، فيجب أن يكون حفر جميع الخنادق مجدياً قبل سقوط الثلوج إن كلفت معظم العمال بذلك".
قال ييدن مومئاً: "بالطبع، وسأبلغ بينوتو بذلك".
نظر كيفاموس إلى النجار: "يا تانيوك، ما إن تنتهي من صنع الكرومة، فاستخدمها لتحديد كل المواضع اليوم، لكي يستطيع ييدن إخبار العمال الآخرين ببدء الحفر هناك. ستكون مواقعها مطابقة لما تناقشناه سابقاً. كتلة البيت الطويل الأولى هنا تماماً بعد فجوة قدرها عشرة أمتار عن باقي المنازل لصنع طريق، على أن يكون طول الكتلة خمسة وعشرين متراً في كل ضلع. ثم فجوة بعشرة أمتار لطريق آخر، وبعد ذلك تقع الكتلة الثانية بطول خمسة وعشرين متراً. وبما أنه لا توجد مساحة لكتلة ثالثة قبل جدران القرية، فستُقام كتلتان جديدتان كهاتين إلى يسارنا، موازيتين للكتلتين الأوليين، أي في غرب الكتلتين الأوليين".
وأضاف: "من بين هاتين الكتلتين، سنترك المساحة فارغة لكتلة الخمسة وعشرين متراً التي ستكون أقرب إلى القرية، لكي نتمكن من صنع ساحة سوق جديدة هناك في المستقبل. أما كتلة البيت الطويل الثالثة فستُقام على كتلة الخمسة وعشرين متراً الأخرى -تلك الأقرب إلى الجدران".
أومأ تانيوك: "سيكون الأمر كما تأمر، يا سيّدي".
قال كيفاموس: "حسن إذن. يمنحكم ذلك ما يكفي من العمل في الوقت الحالي".
وأضاف بعد لحظة تفكير: "لكن كان هناك شيء يثير فضولي. كيف ستتقيسون طول المتر؟ في الواقع، كيف تقيسون طول الياردة أصلاً؟"
أجاب تانيوك: "أوه، لقد صنعت عصا قياس في الماضي بطول الياردة، يا سيّدي".
سأل كيفاموس: "نعم، لكن كيف تعلم حتى أن ذلك هو الطول المفترض للياردة بالضبط؟"