"ماذا سيباع أصلاً في هذا الوقت لكسب المزيد من الذهب؟"
هكذا نفخت هيولا بتهكم.
"كنا نحاول نزح المياه من المحجر طوال الشهر الماضي، ولم نستطع قطع أي حجار فعلياً. لذا فهو لا يملك حتى أي حجر جير لبيعه الآن، حتى لو وُجد أي طلب عليه في هذه الأيام".
وأضافت بتهكم: "وخمن ماذا؟ لا يكلفه شيئاً إبقاء نحاتي الحجارة هنا حتى لو لم نكن نعمل في التعدين، فليس الأمر كأنهم عليه إنفاق القطع النقدية لدفع أجورنا! أو حتى لإطعامنا!"
هز كالوبو رأسه: "كان يجدر بك حقاً اغتنام تلك الفرصة للهروب في الماضي. ربما عشت حياة طيبة اليوم لو غادرت".
كانت قد أخبرته سابقاً عن فرصة سانحة قبل بضعة أشهر للهروب من هذا المكان، حين كان عدد حراس المحجر بضعة قطاع طرق فقط في ذلك اليوم. حدقت هيولا بعيون ملؤها الكراهية نحو مجموعة قطاع طرق يجلسون حول نار أخرى قريبة، بينما وضعت يدها على خنجر صغير مخبأ عند خصرها.
"أنا أدرك ذلك حقاً! ليس عليّ حتى أي وشم رقيق، لذا لو غادرت هذا المكان الملعون في ذلك الوقت، لربما وجدت عملاً في كيرنوس أو سينران بحلول الآن، عوضاً عن اضطراري للتعامل مع نظرات أولئك الأذناب الشهوانية كل يوم لعين".
حولّت نظرها باتجاه بعض نحاتي الحجارة الأكبر سناً الجالسين حول نيرانهم، ونظرت إليهم بحنو.
"لكنهم كانوا يعتنون بي منذ أن باعني والداي كجارية وأنا طفلة صغيرة. هؤلاء القوم هم عائلتي الحقيقية الآن. في ذلك اليوم، لم يكن ممكناً لنا جميعاَ الهروب، ولم أستطيع الهرب من هذا المكان بمفردي فحسب، لأتركهم هنا لمصائرهم".
أخبرته هيولا سابقاً أن العديد من نحاتي الحجارة هنا كانوا يعملون في هذا المكان لعقود، ومعظمهم وُشِموا كعبيد في مرحلة أو أخرى، تماماً كالماشية. لذا حتى لو نجحوا في الهرب إلى بلدة أخرى، فسيكتشف بسهولة أنهم عبيد هاربون وتكون العواقب قاسية، بما في ذلك قطع أطراف بعضهم لتكون عبرة لغيرهم. بالنسبة للكثير من نحاتي الحجارة هنا، لقد مضى وقت طويل جداً منذ أن عاشوا في هذا المحجر، لدرجة أنه لم يعد لديهم مكان آخر يذهبون إليه على أي حال حتى لو نجحوا في الهروب.
وكل ما أمكنهم الأمل فيه هو أن تعود الأمور إلى طبيعتها ذات يوم، ويصبح المحجر قادراً على بيع الحجر الجيري بشكل طبيعي، ويجلب لهم نوكوزال الحبوب مرة أخرى. مع ذلك، لم يكن كالوبو يدري كم ستدوم الحالة الراهنة لارتفاع أسعار الحبوب، وهل سيتمكن المحجر من بيع أي حجر جير على الإطلاق في المستقبل القريب. لقد أصبح الطعام اللائق نادراً بالفعل لكل شخص هنا في الأشهر القليلة الماضية بالكاد كان ما نجحوا في جمعه وصيده من الغابات كافياً لإبقاء الجميع شبعى، إذ أخذ قطاع الطرق النصيب الأكبر من الطعام لأنفسهم.
ومع اقتراب الشتاء، لم يكن الوضع ليصبح أفضل حالاً. أثناء تفكيره في العائلة، شردت أفكاره نحو نوروبو، ابن عمه البدين الذي كان حارساً في تيرانات أيضاً. أثار ذكرى نوروبو، الروح اللطيفة بحبه للطعام ومساعدة الآخرين ممن تعرضوا للإصابة، موجة من الحزن في قلبه. وبينما كان يراقب النار، انشغل عقله بذكريات حياته الماضية. لقد افتقد أمان القرية، والوجوه المألوفة، وروتين واجباته في القصر.
كيف حال الصغيرة كلاريسا الآن؟ هل التقت الخادمة الرقيقة ليا بسيدورون مرة أخرى؟ هل نال الجميع في القصر طعاماً كافياً هذه الأيام، أم أنهم اقتربوا من الموت جوعاً مثل نحاتي الحجارة هنا؟ لم يكن يعلم، ولم تكن لديه أي سيلة لمعرفة ذلك أيضاً... إنه لا ينتمي إلى هذا المحجر، وهو يعلم ذلك. لكن الهروب بدا مستحيلاً من هذا المكان. كان نوكوزال قاسياً، سريعاً في إنزال العقاب إن اشتبه في محاولة أي شخص الهروب.
لقد رأى مسبقاً نوكوزال يكاد يضرب أحد نحاتي الحجارة الآخرين حتى الموت، حين ظن أن الرجل لم يكن يعمل بجد كافٍ لإزالة المياه من المحجر. أطلق تنهيدة، بينما حنّ إلى الأيام التي ارتدى فيها درع الجلد وسيف حارس القصر، حين كانت لحياته غاية واتجاه واضحان. ولم يملك إلا الأمل في أن يجد ذات يوم سيلة للهروب من هذا العالم المظلم والعودة إلى حياة الشرف والكرامة. كان الليل بارداً، نذيراً باقتراب الشتاء، ولم تساهم الرياح المستمرة في التجويف الكهفي للم المحجر بشيء.
كانت النجوم تتلألأ في الأعلى، تاركة توهجاً أثيرياً على الغابة. لكن رغم جمال الليل، لم يستطع التخلص من شعور بالرهبة استقر في قلبه. لقد كان سجيناً في هذا المكان، رغم أنه لم يكن مقيداً بسلاسل. وأدرك أن أيامه معدودة هنا إن لم يجد سيلة للهروب... وسواء مات جوعاً أو على أيدي قطاع الطرق إن حاول الهرب مرة أخرى، فلم يكن ذلك سوى تفصيل صغير.
"بم تفكر؟"
سألت هيولا.
"لا شيء حقاً..."
تمتم كالوبو.
"أفكار عشوائية فحسب حول الحياة في تيرانات".
كان أحد قطاع الطرق يقطع لحم الأيل المشوي الآن، ليعطيه لقطاع الطرق الآخرين الجالسين هناك. وما إن حاز جميع قطاع الطرق على أكثر من كفايتهم من اللحم في أطباقهم، حتى وضعوا جزءاً صغيراً من الأيل في طبق خشبي أكبر، وأعطوه لنحات حجارة شاب ليتقاسمه مع البقية... كلهم اثنان وعشرون فرداً، من ذلك الطبق الفردي. وحين اعترض نحات الحجارة الشاب الذي ذهب لأخذ الطبق من قطاع الطرق، تلقى لكمة في بطنه نظير شكواه.
وفوراً، شرع آخرون في النهوض للدفاع عنه، لكن نوكوزال أمر قاطع الطريق بالتوقف، وسمح للرجل بالانصراف مع ذلك الطبق، محذراً نحاتي الحجارة من التذمر بشأنه وإلا فلن ينالوا حتى هذا القدر. على مهل، ساعد آخرون نحات الحجارة الشاب على السير نحو نارهم الخاصة، حيث تقاسموا اللحم فيما بينهم، وشرعوا في أكله. لم يكن سوى جزء صغير لكل شخص، لكن حتى ظفرهم بهذا القدر من اللحم عدّ رفاهية نادرة بالنسبة لهم.
قبل بضعة أسابيع، حاول نحاتو الحجارة جلب أرنب لأنفسهم أثناء إخفائه عن قطاع الطرق، لكن نوكوزال اكتشف الأمر بطريقة ما، وضرب أحدهم ضرباً شديداً جعله يواجه صعوبة في المشي بشكل سليم حتى الآن. ومنذ ذلك الحين، تعلم نحاتو الحجارة الدرس، ونادراً ما تذمروا من حصص طعامهم الصغيرة، بغض النظر عن مدى كرههم لها. رغم أن الشتاء كان وشيكاً، لم يمتلك أي من نحاتي الحجارة ملابس جيدة بما يكفي للطقس البارد القادم.
أما معاطف الفرو الخام القليلة التي صنعوها من الحيوانات المقتولة في الأعوام الماضية، فقد ذهبت لقطاع الطرق وحدهم. والآن كان قطاع الطرق يلقون تلك البطانيات فوق دروعهم الجلدية العادية في البرد، إلى جانب سيوفهم وخناجرهم التي حملوها معهم في كل مكان. واضطر نحاتو الحجارة للاكتفاء بسترات رثة، بوجود النار وحدها لتتدفأهم. على الأقل لم يعانوا من شح الخشب هنا لإشعاله بغرض التدفئة، وإلا لتجمدوا حتى الموت قريباً جداً.
نظر إلى هيولا.
"إنه لأمر غريب، أتعلمين؟"
"ماذا تعنين؟"
سألت بفضول، بينما كانت تأكل حصتها من اللحم.
"حين عشت في تيرانات، لم أحب المكان حقاً. لم ننل ما يكفي من الطعام قط هناك، وغالباً ما اضطررت للعمل مناوبات مزدوجة بسبب نقص الحراس في الأشهر القليلة الماضية. في تلك الأيام كنت أحلم دوماً بالعثور على عمل حارس في سينران، لكي أعيش في البلدة الكبيرة عوضاً عن تلك القرية الفقيرة"، هكذا نفخت بتهكم، بينما نظر إلى كمية اللحم الضئيلة في طبقه.
حدق في قطاع الطرق وهم يضحكون بمرح حول نارهم الخاصة، ويروون قصصاً ماجنة بينما ينالون وجبة ثانية وثالثة من لحم الأيل المشوي بإتقان.
"لكن الآن وقد صرت في هذا المكان الملعون، لفعلت أي شيء للعودة إلى حياتي في تيرانات. كان لدي أصدقاء هناك... وعائلة هناك أيضاً، إن احتسبت ذلك البدين. وبعد مقتل البارون السابق، حرص السيد دوباس على الأقل على نال الجميع في القصر حصة عادلة من الطعام المحدود الذي امتلكناه. لم يكن الأمر يشبه هذا المكان، حيث يأخذ قطاع الطرق كل ما نصيده ونجمعه، ويلقون إلينا بالفتات".
"لا بد أنه مكان لطيف"، قالت هيولا بحنين.
كانت قد أخبرته أنها لا تتذكر حتى كيف تبدو الحياة الطبيعية كشخص حر، نظراً لكونها جارية تقريباً طوال الوقت الذي تذكره.
"قول الحق"، تمتم وهي ناظر إلى الأرض، "ولست فخوراً بالاعتراف بهذا، لكن حين كنت متوجهاً إلى سينران في ذلك اليوم، فكرت في الهرب بالذهب الذي بحوزتي. لا أظنني كنت لأقدم على ذلك حتى لو لم يجدني قطاع الطرق في ذلك اليوم، لكن لا يمكنني إنكار أن الفكرة راودت عقلي. أعتقد أن المَلك يعاقبني لتفكيري في التخلي عن الآخرين في القصر ممن اعتمدوا على الحبوب التي كنت سأجلبها... ومع ذلك، لم أستطيع العودة بالحبوب على أي حال..."
حدقت هيولا فيه برهة، ووضعت يدها فوق يده.
"الأمر ليس هكذا، كالوبو. المَلك غفور، ولن يعاقبك لمجرد تفكيرك في أمر سيء".
وتابعت، ناظرة إلى نحاتي الحجارة الآخرين: "الجميع يراودهم مثل هذه الأفكار، أتعلم. ورغم أنني أعد بعض الناس هنا بمثابة عائلتي، فقد فكرت مرات عديدة في الهروب إلى كيرنوس أو سينران لإيجاد عمل جديد".
عادت فنظرت إليه.
"لكن ما يهم هو أفعالك الحقيقية، لا مجرد الأفكار التي تراودك. لم تهرب بالذهب باختيارك فعلياً. لم يكن وقوعك في أسر قطاع الطرق أمراً تحت سيطرتك. ولن يعاقبك المَلك على ذلك".
"ما تسمي هذا إذن؟"
تمتم.
"نحن نكاد نكفي حاجتنا من الطعام هنا، ويُضرب أحدنا شبه يومي. إن لم يكن هذا عقاب المَلك، فما هو إذن؟"
"لا أعلم، كالوبو، لا أعلم..."
تمتمت هيولا.
"كل ما يمكنني قوله هو أنه لا بد أن تكون لديه بعض الخطط لنا. وليس للبشر أمثالنا معرفة ذلك مقدماً. يمكننا فقط الدعاء له لكي لا يتركنا في وضعنا الحالي".