من لندن إلى اللورد الفصل 75 — خطط الاغارة

اقرأ من لندن إلى اللورد الفصل 75 — خطط الاغارة باللغة العربية على مانجا تايم.

أومأ كالوبو مترددا وبقي صامتا وهو يلتهم بقايا اللحم القليلة. ثم سمع أصواتا محتدمة تدور بين اللصوص. بدا أنهم يتجادلون بغضب فيما بينهم وارتفعت نبراتهم في نقاش حاد حول أمر ما. وبدا نوكوزال، وهو رجل ضخم مشيب يمتد ندب من صدغه حتى ذقنه وله لحية كثيفة بدأت خصلات الشيب تسري فيها، مطرقا ببصره نحو النار بينما تباغض اللصوص بانفعال. حاول كالوبو أن يلتقط فحوى جدالهم لكنه لم يظفر سوى بشذرات متفرقة.

وأثناء إرهافه السمع سمع أحد اللصوص يحتج قائلا: "لكن البارون أمرنا بأن..."

فما كان من نوكوزال إلا أن حدق في الرجل فوراً ووشوش بزجر: "اخرس! هذا قراري وهو نهائي."

تململ اللصوص الآخرون قليلاً بعد ذلك لكنهم صمتوا في النهاية. وما إن تأكد نوكوزال من خلو الساحة من أي معارض حتى نهض برفقة بقية اللصوص وتوجه نحو مقطعي الحجارة الذين كانوا يرمقونهم بفضول.

وضع يديه على خاصرته بينما وقف اللصوص الآخرون إلى جانبه وأعلن: "اسمعوا جيداً أيها العالة. في رحلتي السابقة إلى سينران التقيت أحدهم من جماعة تورهان في حانة وتخيلوا ماذا أخبرني؟"

ودون انتظار أي رد استطرد قائلا: "ما إن سكر بالقدر الكاف حتى باح لي بأنهم أغاروا على قرية تيرانات قبل أسبوعين مما يعني أنهم..."

نهض كالوبو مندهشاً وتساءل فوراً: "ماذا تقصد بأن القرية تعرضت للإغارة؟"

ضحك نوكوزال بصاخب.

"أعني تماماً ما قلت. ما إن سمعت جماعة تورهان أن القرية بلا حماية ومات بارونها والعديد من حراسها في كمين قبل فترة حتى ششن غارة طوال ذلك الطريق عبر الغلاف واسترين كل الحبوب من القرية وأحرقن نصف المنازل أثناء الهرب."

صرخ كالوبو بسخط إثر سماعه بحرق نصف القرية: "يوجد أطفال في تلك القرية ايها اللقيط!"

ومع مقتل عدد كبير من حراسها لم تكن تمتلك أي حماية تذكر في الوقت الراهن ولن يتردد سفلة كهؤلاء اللصوص في قتل أي كان. وتساءل عما إذا كان نوروبو والآخرون بخير الآن. ضحك نوكوزال مجدداً.

"وما المفترض بي فعله حيال ذلك؟"

رمقه زعيم اللصوص بنظرة ملؤها المرح.

"لماذا؟ أترتجل وتجرب الركض نحو تلك القرية مجدداً؟"

حدق به كالوبو بحقد وهمّ بالرد غير أن زعيم اللصوص قاطعه.

زأر نوكوزال: "الآن اخرس! لقد استمعت إلى تذمرك طويلاً. فعلى الأقل يمتلك ذلك النذل الحقير تورهان منجم طين يجني منه دخلاً بينما أنتم يا لقطاء لا تفعلون شيئاً وتكتفون بالتطفل."

انبرت إحدى النساء للرد.

"نحن لا نزال نعمل طوال اليوم! لكن لا يمكننا قطع أي حجر جيري قبل إفراغ المحجر من مياه الأمطار المتراكمة وأنت تعلم ذلك!"

حدق بها نوكوزال بغضب.

"اصمتي أيتها العجوز الشمطاء! لست هنا لأستمع إلى أعذارك."

ونظر إلى جميع مقطعي الحجارة المتجمعين حول النار.

"لقد مر أسبوعان على تلك الغارة لذا فمن المرجح أن يزور المزيد من التجار تيرانات قريبا بمجرد أن يسمعوا بحاجة القرية للمزيد من الحبوب للنجاة من الشتاء. على الرغم من أن..."

خدش لحيته الطويلة مستطرداً: "سمعت أن التجار قلما يسافرون إلى تلك القرية الملغومة هذه الأيام خوفاً من الوقوع في الكمائن لذا أظن أن الأرجح هو أن ترسل تيرانات قافلة بنفسها إلى سينران. وعلى أي حال إنها فرصة سانحة لنا للحصول على بعض الحبوب مجانا."

كان كالوبو يغلي من الداخل لسماعه أن هذا الحقير الرخيص يريد سرقة الحبوب ممن هم بحاجة ماسة إليها حقاً عوضاً عن إنفاق أي قطعة نقدية لشرائها. غير أنه كان حريا به توقع ذلك عطفاً على لجوء نوكوزال مسبقاً إلى الخطف لجلب المزيد من مقطعي الحجارة بدل شراء العبيد بإنفاق التيجان الذهبية. ورغم ذلك بذل قصارى جهده لئلا تظهر علامات الغضب على وجهه جراء هذه الخطة وإلا نال نصيباً آخر من الضرب لا محالة.

بدا سماع هذا الخبر مبعث ارتياح لبعض مقطعي الحجارة رغم إدراكهم لما يعنيه. غير أن المرء حين يعجز عن نيل كفايته من الطعام تفقد سرقة الآخرين قسوتها في أعين الجياع. ومع ذلك لاحظ أن بعضهم ومن بينهم هيولا قد قبضوا على أيدي بغضب مع أن أحداً لم يجرؤ على معارضة زعيم اللصوص.

أمال نوكوزال رأسه وأكمل: "هذا يعني أن بعضنا سيبتعد عن هنا لأيام معدودة على الأقل. أخبركم بكل هذا تحذيراً لكم فلو سولت لأحدكم نفسه أن هذه فرصة سانحة للهرب بسبب قلة الحراس وحاول الفرار فسأكسر ساقه وأذيق كل واحد منكم علقة نكراء حتى وإن لم يحاول الآخرون الفرار. لذا فالأمر يعود إليكم جميعاً لمنع أي أحمق من نسج أفكار حمقاء في عقله تجلب لكم جميعاً الضرب جزاءً له."

التفت إلى اللصوص حوله وأشار بكلتا يديه إلى نفسه متفاخراً.

"هنا تكمن عبقرية اللورد نوكوزال. وبما أننا لا نعلم من أين سشتري القرية الحبوب فسأشكل مجموعتين إحداهما لتستطلع الطريق الرابط بين تيرانات وسينران والأخرى على الطريق الرابط بين تيرانات وكيرنوس."

فقال لصوص آخر: "لكن يا سيادي، قد لا يمتلك كيرنوس ما يكفي من الحبوب لبيعها لتيرانات بينما سينران وهي بلدة كبيرة ستملك ذلك بالتأكيد. ألا يجدر بنا إرسال جواسيس على ذلك الطريق فحسب؟"

همهم نوكوزال: "وماذا لو كان الطريق الرابط بين تيرانات وسينران مغلقاً بالثلوج بالفعل؟ ذلك الطريق قريب جداً من الجبال كما تعلمون جيداً بينما يظل الطريق الآخر مفتوحاً دائماً لذا قد يكون كيرنوس خيارهم الوحيد إن أغلق طريق سينران الآن."

أومأ بقية اللصوص مقتنعين بهذا المنطق. أراد كالوبو بشدة اقتناص فرصة للهرب من هذا المكان وتحذير القرية غير أن عواقب الوقوع في شرك الانكشاف كانت وخيمة. حافظ على هدوء ملامحه رغم الغضب العارم في صدره وأصخى السمع لزعيم اللصوص وهو يواصل حديثه غير آبه بكون بقية مقطعي الحجارة يستمعون إليه أيضاً.

وسأل أحد اللصوص الآخرين: "اللورد نوكوزال، أيمكننا اصطحاب الخيول معنا؟ سنبلغ المكان أسرع بصحبتها وإلا فسيستغرق سفرنا يوماً كاملاً على الأقل أو ربما أطول لبلوغ تلك الطرق."

وضع نوكوزال ذراعيه على خاصرته وبدا وكأنه يفكر في الأمر.

"لا نمملك سوى ثلاثة خيول معنا لذا يستحيل أن تحصل المجموعتان على حصانين لكل منهما لامتطائه هناك. وهذا يعني أنه سيتعين عليكم المشي إلى مواقع الاستطلاع على أي حال. لذا سأبقى حصاناً هنا ليظل نشطاً وتحصل كل مجموعة على حصان واحد. وإذا عثرت أي من المجموعتين على أي آثار لقافلة مرت مؤخراً فسيجري أحدهم هرولة هنا إلى المحجر ليبلغني. وحينها سأرسل شخصاً على ذلك الحصان النشط لإحضار مجموعة الاستطلاع الأخرى ومن ثم سننصب كميناً للقافلة. ومع مقتل معظم حراسهم مع بارونهم أزعم أنهم بالكاد يستطيعون إرسال حراس قلائل خارج القرية لمرافقة القافلة في أقصى تقدير مما يعني أنهم صيد سهل لنا طالما استطعنا رصدهم في الوقت المناسب."

سأل أحد اللصوص الآخرين: "اللورد نوكوزال، ماذا لو كانت أي آثار نراها تعود لقافلة عادت بالفعل؟ ماذا لو لم يعاودوا السفر مجدداً؟"

همهم نوكوزال: "تلك قرية كبيرة تضم مئات الأشخاص لذا سيحتاجون لأكثر من رحلة واحدة للحصول على ما يكفي من الحبوب لإطعامهم طوال الشتاء بافتراض تبقي أموال لديهم لرحلات متعددة أصلا. وأي قافلة تسافر في اتجاه واحد سيتعين عليها العودة إلى القرية. لذا لا بد أن نظفر بفرصتنا. ورغم تأخرنا في تلقي هذا الخبر فإنه يظل أملنا الأفضل للحصول على ما يكفي من الحبوب قبل الشتاء."

وأشار إلى ثلاثة من اللصوص قائلاً: "ستذهبون جميعاً إلى الطريق الجنوبي المؤدي إلى كيرنوس."

وأشار إلى اثنين آخرين: "وأنتما كليكما ستتوجهان شرقاً على الطريق الرابط بين تلك القرية وسينران."

كان كالوبو يغلي من الداخل وحاول جاهداً التفكير في حيلة تحرف خطط نوكوزال قائلاً: "لا أظن أن القرية تملك نقوداً كافية لإرسال قافلة لشراء الحبوب على أي حال. كنت في طريقي إلى سينران بما تبقى لنا من نقود حين اختطفتني. إنك تضيّع وقتك هباءً بفعلتك هذه."

التفت نوكوزال وحدق به بغضب.

"اخرس! لقد استهلكت لسانك أكثر من اللازم وقصرت في أداء عملك هنا."

رمقه بنظرة لوهلة قبل أن يستطرد: "أتعلم، لقد تقاعست هنا طويلاً بما يكفي. وعليك الآن كسب قوتك بالمثل لذا سترافق الآخرين إلى الطريق الشرقي وتراقب عن كثب أي آثار لقافلة."

وتفاخر قائلاً: "سيكون هذا درساً جيداً لك لترى ما يستطيع العظيم نوكوزال فعله بقررتك السابقة."

والتفت إلى الحراس الآخرين المتوجهين إلى الطريق الرابط بين القرية وسينران واردف بزهو: "إن حاول كالوبو الهرب إطلاقاً فلكم كامل الصلاحية لضربه بوحشية وكسر إحدى ذراعيه."

ابتسم اللصوص الآخرون بمكر وهم يرمقونه. كان كالوبو يغلي من الداخل لكنه طبق على فمه لئلا يتلقى تلك الضربات في الحال. لقد ساوره القلق حيال فقدان تيرانات لأي بصيص أمل أخير في نيل ما يكفي من الحبوب للنجاة من الشتاء. ولم يكن يعليما إن كان السيد دوفاس يمتلك ما يكفي من التيجان الذهبية لإرسال قافلة. وساورته فكرة لبرهة بأن نوكوزال قد أتاح له فرصة سانحة للفرار لكنه وأد تلك الفكرة في مهدها فوراً.

كان أولئك اللصوص بلا رحمة وسيواصلون مراقبته دون انقطاع. وحتى لو قدر له الفرار منهم بطريقة ما فستكون العقوبة التي سينزلها نوكوزال ببقية مقطعي الحجارة قاسية. لم يكن يود رؤية هيولا والآخرين يتلقون الضرب انتقاماً وهو أمر كان نوكوزال حتماً سيفعله ردا على هروب أي كان. فكان السكان هنا يعانون أصلا من سوء التغذية وبالكاد يحصلون على قوتهم. وإن أصيب أحدهم أو مرض فوق ذلك فلن يكتب لهم البجو الشتاء غالباً.

ابتهل كالوبو داعياً ألا يعثر اللصوص على القافلة في الوقت المناسب — إن وجدت قافلة كهذه أصلاً. كما تمنى أن تكون محمية بالقدر الكاف لضمان نجاتها حتى لو تمكن اللصوص من رصدها بطريقة ما. أو هكذا تضرع للسماء على الأقل إذ كان يعلم مسبقاً قلة الحراس المتبقين في القصر لإرسالهم مع أي قافلة.

أصدر نوكوزال أمره الأخير: "كونوا على استعداد للرحيل قبل فجر الغد."

أومأ اللصوص الخمسة لزعيم اللصوص وعادوا أدراجهم نحو نارهم المشتعلة.