هزّ تانيوك رأسه متفكّراً.
"أدرك هذا يا سيّدي. الأفضل أن نترك الجذوع تجفّ لعام كامل على الأقلّ لتفقد رطوبتها وتدوم طويلاً. لكن لا وقت لدينا لمثل هذا الآن. لذا سنستخدم الجذوع الخضراء مباشرة لبناء البيوت الطويلة. طبعاً، سنزيل القشور عن جميع الجذوع أولاً لمنع الحشرات من الاختباء تحتها، ولتفادي الرطوبة التي تؤدي إلى العفن".
سأل غورزازو بقلق: "لكن إلى متى ستصمد هذه المباني؟ هل البناء بها آمن أصلاً؟"
طمأنه تانيوك قائلاً: "لا داعي للقلق أبداً. ما أعنيه هو أنه لو بنيناها من جذوع مجفّفة جيّداً لعاشق لعقود. لكن حتى عند استخدام الخشب الأخضر الطازج، ستظل المباني آمنة بما يكفي لبضع سنوات على الأقل. مع ذلك، لن تستمر أطول بكثير من ذلك، وسيتعين علينا إعادة بناء تلك البيوت بعدها".
وأكمل: "لكن حتى ذلك الحين، ستكون المباني بحال جيدة، لأنّ معظم انكماش الخشب الأخضر يحدث في عرضه لا في طوله. لهذا السبب لن أكدّس الجذوع أفقياً فوق بعضها. فهذا يجعل الجدران تتعرّج وتميل بحسب مكان انكماش كل جذع".
وأضاف: "لذا أخطّط لصفّ الجذوع قوائم عمودية جنبًا إلى جنب، تماماً كما في سور الحصن. وبما أنه لا انكماش يُذكر فيها طولياً، فلن يتعرّض ثبات المبنى للخطر بهذه الطريقة. رغم ذلك، وفي الأشهر القليلة المقبلة، ونتيجة لانكماش عرض القوائم، قد تظهر فراغات صغار بينها. ولمواجهة هذا، سأعوجّ الجذوع قليلاً عند بناء الجدران بدل صفّها في خط مستقيم تماماً، كي لا يتسع الفراغ كثيراً حتى بعد انكماشها. وحين لزم الأمر، يمكننا سدّ الفراغات بالطين لحماية السكّان من الريح".
فوجئ كيفاموس بمعرفة النجار الواسعة بكل هذه التفاصيل. لم يتوقّع أن يحسب تانيوك حساب انكماش الجذوع.
"كيف تعلم كل هذا؟ من المؤكّد أنك لم تبنِ قط بيوتاً مباشرة من الجذوع في هذه القرية".
ابتسم تانيوك برضى.
"كان معلّمي من أبراع النجارين الذين عرفتهم، فعلّمني الكثير. ما زلت أذكر معظم ذلك، وإن تعذّر عليّ توظيف هذه المعرفة هنا في تيرانات".
هزّ كيفاموس رأسه مستحسناً.
"يسعدني سماع أنك خبير ببناء البيوت من الجذوع. يبدو أنك فكّرت في كل المشكلات المتوقّعة لبناء البيوت الطويلة بخشب غير مجفّف. من الجيد دائماً توقّع أي مشكلات مستقبلية مسبقاً والتخطيط لها".
ابتسم تانيوك بسعادة أمام هذا الثناء، وبدا أنه تجاوز توتّره السابق. نظر كيفاموس إلى الجالسين.
"حسناً إذن. سنستخدم الجذوع الخضراء مباشرة في البناء. رغم أنه ليس لدينا خيار في هذه المرحلة أساساً".
ثم نفخ بسخرية: "يمكننا إعادة التفكير في أمر البيوت الطويلة بعد بضع سنوات. لدينا متسع من الوقت حتى ذلك الحين".
"كما تأمر يا سيّدي".
وأردف تانيوك بعد هنيهة: "إن سمحت لي باقتراح أمر آخر؟"
وعندما رأى إيماءة كيفاموس، تابع: "بما أننا نزيل مساحة شاسعة من الغابات، سنحصل على جذوع تفوق حاجتنا بكثير، حتى بعد الانتهاء من سور القرية الجديد. لذا، وما إن ننتهي من البناء، يمكننا تكديس الجذوع المتبقية في أكوام مفككة بعد تقشيرها، ليتولى الهواء تجفيفها في غضون عام تقريباً. وبهذا سيكون لدينا مخزون جيد من الأخشاب المجفّفة في الأعوام القادمة لأي بناء نبدؤه في المستقبل".
وافق كيفاموس قائلاً: "تلك فكرة صيبيحة، وسنفعلها. لكن لا يزال أمامنا الكثير من البناء لإنجازه قبل أن نقلق بشأن ذلك. بعد الانتهاء من كتلة البيت الطويل الأولى لإيواء القرويين المشردين، سنبني كتلة ثانية لمنزل أولئك القرويين الذين ما زالت بيوتهم قائمة لكنها تفتقر إلى العزل الجيد في الشتاء".
وأضاف: "سيمنحنا ذلك مساحة كافية لإيواء نحو مائتين وخمسين شخصاً. ولا يزال هذا لا يكفي لجميع أهل القرية، لذا يمكننا بعد الانتهاء من المشاريع الأهم بناء كتلة ثالثة لإيوائهم أيضاً".
وتابع: "إلى جانب البيوت الطويلة وسور القرية الجديد، نحتاج كذلك إلى إنشاء حظائر جديدة في الجنوب لتخزين كل الحبوب التي سنحصدها العام المقبل. كميتها ضخمة، ستتمثل في ستمائة وستين كيسًا، لذا سنحتاج إلى أكثر من حظيرة واحدة لذلك. وحين يكتمل ذلك، نستطيع الشروع في هدم البيوت المتضررة، بل وربّما معظم بيوت القرويين بما أن أياً منها لا يبدو في حال جيدة، لنبني مساكن جديدة مكانها".
قال دوفاس: "سيكون ذلك مفيداً حقاً يا سيّدي. لا أريد أن يرى أي قروي يتجمّد حتى الموت في المستقبل".
ثم انكمش وجهه بعبوس: "إنه... منظر غير لطيف..."
طمأنه كيفاموس: "لا تقلق، سنحرص على ألا يتكرر ذلك أبداً".
لاحظ غورزازو قائلاً: "ببناء البيوت الطويلة من الجذوع، سنحظى بفائدة أخرى. فحتى من دون طبقة مزدوجة من الألواح في الجدران، ستظل البيوت معزولة بما يكفي بفضل الجذوع. وبالطبع سنوفر الكثير من الوقت الذي كان سيُهدر في تقطيع الجذوع إلى ألواح".
ثم حكّ لحيته: "رغم أننا سنحتاج إلى عدد قليل من ألواح الأسرة ذات الطابقين في الداخل، وللفواصل بينها كما قال هودان، وهو ما يتطلب وقتاً للإنجاز. وعلاوة على ذلك، ستلزم ألواح إضافية لصنع أرضية خشبية عوضاً عن الاكتفاء بالأرض الترابية".
قال دوفاس: "ستكون الألواح التي قُطّعت مسبقاً مفيدة هناك، لكننا سنحتاج إلى المزيد منها. هل ستتمكن من إنجاز ذلك في الوقت المناسب يا تانيوك؟"
أومأ النجار.
"باكتفائنا ببناء الجدران من الجذوع، ستكون الحاجة إلى الألواح أقل بكثير عما كانت ستكون عليه لولا ذلك. ويفترض أن أتمكن من قطع الألواح المتبقية بسهولة بفضل المناشير الجديدة التي نحصل عليها الآن".
قال كيفاموس: "هذا يسرّني. رغم أننا قد نعجز عن إنهاء حتى بيت طويل واحد قبل تساقط الثلوج، فقد نجحنا في تدبير مساكن مؤقتة للقرويين، لذا لن يكون التأخير البسيط مشكلة كبرى. لذا يا تانيوك، ركّز أنت على بناء كتلة بيت طويل متكاملة، فنحن بحاجة إلى المطبخ ومكان التخزين هناك قبل أن نطلب من الناس الانتقال إليها".
وتابع: "تأكد من إقامة البيوت الطويلة نفسها على سواتر ترابية مرتفعة، بارتفاع قدم ربما، لئلا تتجمع المياه أثناء الأمطار الغزيرة. وسيسمح هذا بتدفق المياه الفائضة بسهولة إلى المصارف المحيطة بالبيوت. وحيثما لزم الأمر، يمكنك استخدام حطام الحجار من مناجم الفحم في الأساسات، مما يساعد أيضاً في تصريف المياه إلى التربة المحيطة".
أومأ تانيوك قائلاً: "سأضع ذلك في الاعتبار يا سيّدي. سيتعين علينا انتظار تفريغ العربات لنقل أي حطام حجري من مناجم الفحم إلى مواقع البناء، رغم أنني سأستخدم بضع عربات صغار حتى ذلك الحين".
وأضاف: "يذكرني هذا، إنه لأمر رائع ألا نضطر لنقل الجذوع لمسافات بعيدة، فنحن نبني البيوت الطويلة في الموضع نفسه الذي تُزال فيه الغابة شمالاً. ومع أن ناقلات الجذوع الجديدة كانت لتسهل الأمر، لظل نقل هذا العدد الهائل من الجذوع لمسافات بعيدة أمراً صعباً ومستهلكاً للوقت".
قال دوفاس: "هذا صحيح تماماً".
تذكّر كيفاموس أمراً آخر فقال: "لاحظت أنه بينما تضمّ المتاحف دورات ومرافق داخل القصر، يذهب معظم المقيمين في القرية إلى الغابات لقضاء حاجاتهم. وهذا ليس صحياً ولا آمناً، في ظل تجوّل الوحوش المفترسة في الغابة. لذا، اطلب من ييدن حفر خنادق ضيقة نغطيها بألواح ثقبت فيها فتحات، لتكون مرحاضاً مشتركاً للقرويين. ويجب أن تقع على مسافة جيدة من مساكن الناس، لنقل... بجانب سور القرية في الجنوب الشرقي. سنبني أيضاً جدراناً للمراحيض باستخدام الألواح أو حتى الجذوع لتوفير بعض الخصوصية، وذلك بعد الانتهاء من كتلة البيت الطويل الأولى".
لقد كان قلقاً بالفعل بشأن النظافة في القرية في وضعهم الحالي، لكن ريثما يبتكر حلاً أفضل، كان لا بد لهذا الحل البدائي أن يفي بالغرض. رغم أنه... أدرك وجود بعض الأفكار البسيطة التي يستطيع تطبيقها هناك لتحسين النظافة. لكن ذلك سيتوجب أن ينتظر ريثما تُنجز المباني الأكثر أهمية.
أومأ تانيوك ونهض من مقعده: "سأبلغ ييدن بذلك يا سيّدي. عليّ العودة الآن. يجب أن أمر العمال ببدء تقشير الجذوع فوراً كي أستطيع الشروع في البناء قريباً. وبما أن العمال غير المدربين قادرين على فعل ذلك، فسأستغل هذا الوقت لقطع بضع ألواح إضافية لاستخدامها لاحقاً".
قال كيفاموس: "حسناً إذن، يمكنك الانصراف".
* * *
~ تيسيب ~ ~ قاعة الخدم ~ قال يوفيم وهو يستلقي ببطء على فراش قشّي بينما يدلك بطنه: "آه... لقد كانت وجبة لذيذة..."
نظر تيسيب إلى الرامي حاجبين مرفوعين وهو يجلس على فراش قشّي آخر بقربه: "أكلت كثيراً مجدداً، أليس كذلك؟"
رد يوفيم: "اخرس! كنت جائعاً!"
سخر تيسيب: "وكيف لجشع مثلك أن يظل جائعاً طوال الوقت أصلاً؟"
رد يوفيم: "ومن أدراك أنت؟ وكفّ عن نعتی بالجشع! أعلمك أنني شخص نشيط للغاية!"
طلق تيسيب ضحكة مدوية.
"إن كنتَ أنت شخصاً نشيطاً فأنا قزم!!"
وفور سماع ذلك، بدأ حراس جدد آخرون جالسون بالقرب منهم يضحكون على الرامي أيضاً، فلم يملك إلا أن عبس متجهمًا. وما إن تمكن من إيقاف ضحكته، هز تيسيب رأسه ليصفي ذهنه. كان السخرية من الرامي ممتعة للغاية على أي حال. كان الوقت قد أمسى متأخراً، وقد فرغوا لتوّهم من وجبة العصيدة الدافئة. وامتزجت بها اليوم بضع خضروات حصدتها السيدة نيريدا من رقع الخضار في القصر. وعادة ما كانت تلك الخضروات مخصصة لساكني القصر، لكنهم كانوا ينالون نصيبهم منها بين الحين والآخر.
وهم الآن يستريحون داخل قاعة الخدم. بالأمس، فوجئ تماماً عندما خاطبه البارون مباشرة. ولفترة وجيزة، ارتبك بشدة مستحضراً قصص البارون السابق الذي كان يعامل العامة كأنهم قاذورات عالقة بحذائه. وفي رحلاته المتعددة إلى القصر لتسليم الفحم سابقاً، طالما رأى تيسيب البارون السابق يأمر بجلد أحدهم لمجرد ظنه أن ذلك الشخص قد قلل من احترامه. لكن لحسن الحظ، لم يكن اللورد كيفاموس هكذا البتّة.
حتى أن البارون الجديد خصّ لحظة ليسأله عن اسمه، رغم أنه مجرد حارس عادي! كان مسروراً حقاً لأن اللورد كيفاموس هو بارون القرية الجديد. فهو في النهاية يرسلهم إلى سينران لشراء الحبوب للقرويين من أمواله الخاصة! ابتسم تيسيب وهو يفكر في لقاء إيسوها في البلدة. لم يكن يدرك إن كان سيُختار لمرافقة القافلة غداً، لكنه ظل سعيداً بنجاحه في لقائها مرة قبل حلول الشتاء. وفي وقت سابق من اليوم، حين ذهب للقاء والديه ليخبرهما برحلته إلى سينران، غمرهما الفرح لسماعهما أن إيسوها بخير في البلدة.
ورغم علم والديه بارتفاع أسعار الحبوب في سينران، إلا أنه لم يفصح لهما بالكثير عن ذلك، خشية أن يساورهما القلق على إيسوها فحسب. كما علم من آخرين في وقت سابق أن والده كان ينصح البارون بشأن الزراعة هذه الأيام، غير أن ذلك كان عملًا بلا أجر، مع سعادته بأن والده سيستغل مهاراته الزراعية التي من شأنها أن تعيد بريق الحياة إلى عينيه. بيد أن والده أخبره بأنه عُيّن كذلك مشرفاً على المنطقة الزراعية الجديدة في الجنوب، لذا سيتقاضى أجراً أيضاً!
وقد ملأه هذا الخبر سروراً بالتأكيد. فأي مصدر دخل إضافي مرحّب به دائماً لعائلته، حتى لو كان على شكل حبوب وفحم في الوقت الحالي. وهو يرغب الآن بشدة في اختيارها للذهاب إلى سينران مجدداً، لكي ينقل هذه البشرى السارة لأخته هناك. انفتح الباب الخارجي لقاعة الخدم، ودخل هودان. حدق في الموجودين داخل القاعة برهة، ثم سار نحو الحراس المستسترين.