تابع الخادم الشاب حديثه قائلاً: "أخبرني أنه مع تركيزه على الكمية، لن تكون رؤوس الرماح ممتازة، لكنها ستؤدي الغرض على أي حال".
ولمح كيفاموس يومئ برأسه، فتابع: "وذكر أيضاً بناءً على ما أخبرته به مسبقاً، أمراً ما يتعلق بـ... التخصيص، أو... التخصص، أو ما شابه".
وحك جانب رأسه لبرهة.
"أعذرني يا سيّدي، لا أستطيع تذكر الكلمة بدقة. قال إنه سيخصص عاملاً واحداً فقط لشحذ رؤوس الرماح بعد فراغه من صناعتها، وعاملاً آخر للتركيز على تثبيتها في العصي، وهكذا دواليك، بناءً على منطق ذلك... التخصص، ليتمكن من إنتاج الأشياء بسرعة أكبر".
"الكلمة هي التخصص".
ابتسم كيفاموس حين سمع أن سيدورون قد استوعب بالفعل فوائد تخصيص العمال لمهام معينة بناءً على نصيحته. كان الخادم يفرك ذراعيه ليتدفأ الآن.
وأضاف: "ويريد أيضاً أن يذهب أحد رجال القصر إلى ورشته قريباً، ليخبره بنوعية رؤوس الرماح المطلوبة، إذ ذكر أن التصميم يختلف باختلاف الاستخدام. هذا كل شيء يا سيّدي".
أومأ كيفاموس برأسه.
"حسناً. تبدو برداً الآن، فاذهب وتدفأ في قاعة الخدم وأرسل شخصاً آخر إلى هنا. لست مضطراً للخروج إلى البرد مرة أخرى فوراً".
قال الخادم الشاب بسعادة: "شكراً لك يا سيّدي. سأرسل أحداً الآن".
ثم هرول سريعاً باحثاً عن دفء قاعة الخدم.
سأل كيفاموس: "دوفاس، عندما يأتي الخادم الآخر إلى هنا، أرسله إلى سيدورون ليخبره بشأن الرماح والمواقد. هودان، ما رأيك في مسألة نوعية رؤوس الرماح تلك؟".
أوضح هودان قائلاً: "حسنة، يمكن صنع الرماح بأطوال وأوزان مختلفة بحسب استخدامها. فهناك مثلاً رماح الرمي، أو المزاريق، وهي أخف وزناً. وهناك أيضاً الرماح الطويلة التي تستخدمها تشكيلات المشاة في المربعات القتالية، فضلاً عن الرماح الثقيلة التي يستخدمها الفرسان. أنت تعلم أن المصدر الأساسي للخطر هنا في القرية، وكذلك في أي رحلة مرافقة، يأتي من الوحوش البرية لا من الجيوش المعادية. لكن ليس لدينا هنا فرسان مدرعون لنستعمل الرماح الطويلة، ولا يمكننا رمي المزاريق على أي وحوش مهاجمة عندما نقاتل عن قرب، لذا ما نحتاجه هنا هو نصف دزينة من الرماح الطويلة، وهي كافية لإبعاد أي وحوش عن الحراس".
وأضاف: "عليّ أيضاً أن أطلب من سيدورون إضافة نتوءين على جانبي رأس الرمح، وهما يشبهان... واقيات السيف، مما سيمنع الخنازير البرية وغيرها من الوحوش المماثلة من الزحف على طول العصا لمهاجمة الشخص، حتى بعد طعنها بذلك الرمح. تلك الخنازير قوية للغاية، ومعروف عنها أنها تقضي على المدافع قبل أن تموت هي نفسها. ومع ذلك، سيظل يتعين علينا التنازل عن جودة العصي في رحلة القافلة القادمة، إذ لا يمكننا صنع عصي بجودة جيدة بهذه السرعة. سأبحث الآن عن عصي قوية لكنها رفيعة كما قلت، لتُستخدم عصياً مؤقتة لبضعة أسابيع، وبمجرد عودة القافلة، يمكننا نزع رؤوس الرماح عنها، لنصنع رماحاً ملائمة متى سنحت الفرصة".
قال كيفاموس مبدياً ارتياحه لمعرفة هودان الواسعة بأسلحة العصور الوسطى: "أظن أن هذا سيجدي نفعاً".
قال هودان: "سأرسل حارساً مدرّباً برفقة الخادم ليعلم سيدورون بنوع رأس الرمح الذي عليه صنعه".
وأمعن النظر في شروق الشمس لبرهة.
"عليّ الذهاب لبدء تدريب المجندين الآن، وبعدها آخذ بضعة رجال للبحث عن قطع خشب مستقيمة لنستخدمها عصياً في الوقت الراهن".
قال كيفاموس لقائد الحراس: "حسناً، يمكنك الانصراف إذن".
ثم التفت إلى الآخرين معه: "لنعد إلى قاعة القصر الآن، فالجو قارس البرودة في الخارج".
أومأ دوفاس برأسه.
"سأعود بعد أن أرسل الخادم والحارس إلى الحدّاد".
"حسناً".
وبأذرع تشد معطف الفرو حوله بإحكام، بدأ كيفاموس وجورسازو يسيران عائدين نحو دفء قاعة القصر المرحب.
* * *
وبينما كانا جالسين داخل قاعة القصر، أعلن خادم عن وصول سيدواس. دخل التاجر القاعة تلبية لدعوة كيفاموس، وجلس على أحد الكسوات بالقرب من المدفأة.
قال سيدواس: "شكراً لك يا سيّدي. إنه صباح بارد اليوم".
سأل كيفاموس: "هذا صحيح. إذن، كيف سارت الرحلة؟".
أجاب سيدواس وهو ينحني نحو المدفأة ليستدفئ: "على ما يرام يا سيّدي. استطعت شراء كل ما طلبتَهُ تقريباً، رغم أنني لم أتمكن من شراء ما يكفي من المسامير الحديدية على عجالة. فليس لدى أي حدّاد مخزون ضخم جاهز للبيع".
علّق كيفاموس قائلاً: "نعم، أخبرني فيروي عن ذلك بالأمس. سيكون نقص المسامير مشكلة بالنسبة لنا، لكن عليّ إيجاد طريقة للتعامل مع الأمر".
أضاف سيدواس: "فكرت في إعطائهم طلبيات مسبقة لصنع المزيد من المسامير لنشتريها في رحلتنا الثانية، لكن الأسعار التي طلبوها كانت خيالية، لذا قررت عدم إعطاء الطلبيات دون استئذانك في إنفاق هذا القدر من المال".
ارتجف كيفاموس لبرهة، وهو يفكر في إنفاق أموال طائلة مجدداً، بينما أموالهم تتناقص أصلاً. بالكاد يملكون ما يكفي لشراء الحبوب للقرويين، لذا لا يستطيع الإسراف في شراء المسامير الحديدية. سيكون عليه التفكير في بديل لذلك.
"لقد كان قراراً موفقاً. لست متأكداً من أنني كنت لأشتريها منك لو لم تكن الأسعار معقولة. إذن، لنلغِ شراء المزيد من المسامير الحديدية".
أوضح سيدواس مؤمئاً برأسه: "بسبب ارتفاع أسعار الحبوب، انخفض الطلب على الملابس والمسامير وغالبية الأشياء غير الضرورية الأخرى في سينران، لذا لم يكن لدى الحدّاد هناك مخزونهم المعتاد من المسامير، إذ اضطر بعضهم إلى الاستغناء عن متدربيهم مؤخراً. مع ذلك، تمكنت من شراء كمية قليلة من المسامير الحديدية، رغم أنها بعيدة كل البعد عن الكمية التي طلبتها".
وأضاف: "لكنهم امتلكوا ما يكفي من مخزون السبائك الحديدية، لذا استطعت شراء أكثر من حاجتنا منها. ونظراً لعدم وجود حاجة كبيرة لدى الحدّادين لتلك السبائك هذه الأيام، فقد سرّهم بيعها بسعر معقول إلى حدّ ما".
"هذا جيد للغاية. سيفيدنا ذلك المخزون الإضافي من الحديد بلا شك. دعنا الآن ننهي المدفوعات المستحقة لك".
وتابع كيفاموس: "بالنسبة لسبعة وخمسين كيساً من الحبوب التي أحضرتها، سيكون السعر الإجمالي بمعدل أربعة تيجان ذهبية وخمس قطع فضية هو..."
أجاب دوفاس بعد أن خطّ بقلمه على رقاقة لبرهة: "مئتان وستة وخمسون تاجاً ذهبياً، وخمس فضيات. فلنجعلها مئتين وستة وخمسين تاجاً صافية، ألا توافق؟".
تنهد سيدواس ناظراً إلى ناظر القصر، وبدا مرهقاً من تقتيره.
قال التاجر: "حسناً، ليكن ما تشاء. بصرف النظر عن ذلك، أنفقت أيضاً سبعة وأربعين تاجاً ذهبياً لشراء الملح والسبائك الحديدية، فضلاً عن الكمية الصغيرة من المسامير الحديدية التي عثرت عليها".
وتابع ناظراً إلى دوفاس: "ولا يمكنني تقديم أي خصم على ذلك لأنني أنفقت تلك الأموال بالفعل. لذا، سيكون المبلغ الإجمالي ثلاثمائة وثلاثة تيجان ذهبية".
أومأ كيفاموس برأسه، بعد أن جمع الأرقام في ذهنه.
"حسناً، لقد دفعنا لك مئة وخمسين تاجاً مقدماً قبل أسبوع، لذا سيدفع لك دوفاس الفارق اليوم".
وتابع: "أما بالنسبة للرحلة القادمة، فقد أخبرني فيروي أنك ستتمكن من استعادة العربة المُصلحة عندما تذهب إلى سينران هذه المرة. وهذا يعني أنه يمكنك جلب الحبوب في سبع عربات، أو ما يقارب سبعين كيساً من الحبوب، وستفوق أسعارها ثلاثمائة تاج ذهبي. فلنفترض أيضاً أنه سيتعين عليك إنفاق ما يصل إلى مئة تاج إضافي على الأشياء الأخرى التي سأطلبها منك. لذا بعد طرح تسعة وستين تاجاً ذهبياً ثمن ست حمولات عربة من الفحم والتي ستاخذها معك هذه المرة، يجب أن يكون الإجمالي بحدود ثلاثمائة وثلاثين تاجاً. سنفع لك نصف ذلك مقدماً هذه المرة أيضاً".
أومأ سيدواس برأسه: "سيكون ذلك مفيداً للغاية يا سيّدي".
بدأ كيفاموس حديثه: "هذه المرة، أريدك أن تشتري بعض الحبال السميكة أيضاً. سيعطيك دوفاس تقديراً للكمية لاحقاً. أظن أننا سنحتاج إلى بعض الملح أيضاً. يا دوفاس، تحدث مع السيدة نيريدا بشأن ذلك، وأعلم سيدواس إن كنا بحاجة لشراء المزيد من الملح".
بصرف النظر عن الحبوب والملح الذي يشترونه، تذكر أنه بحاجة لأشياء أخرى لتوفير نظام غذائي متوازن للقرويين، أو ما يقرب من ذلك على الأقل قدر المستطاع هنا.
سأل التاجر: "هل سيكون بموسِعِك شراء بعض الخضروات أيضاً، كالبطاطس، والجزر، والبصل، أو الملفوف؟".
أخذ سيدواس دقيقة للتفكير في الأمر.
"حسنة، لا يمكنني ضمان ما قد أجده هناك، لكني يجب أن أكون قادراً على شراء معظم تلك الأشياء، باستثناء الملفوف. فهو لا يُزرع إلا في مناخ أولريجا الساحلي الدافئ، لكنه يفسد بسرعة، في غضون أسبوع عادة. لذا فهو غير متوفر للبيع في سينران. وبصرف النظر عن ذلك، إن كنت تريد فواكه مخللة، فيمكنني بالتأكيد شراء بعضها لك، لكن أسعارها عادة ما تكون ضعف أسعار الفواكه نفسها، إن لم تكن أعلى..."
حين سمع دوفاس أنها باهظة التكلفة هكذا، انقبض وجهه على الفور وقال: "فلنترك الفواكه جانباً في الوقت الحالي، نظراً لأن المساحة ستكون ضيقة أصلاً في تلك العربات".
أومأ سيدواس برأسه: "ستكون هذه مشكلة بلا شك، لكني سأرى ما يمكنني فعله حيال ذلك".
وحين علم أن أسعار السبائك الحديدية منخفضة الآن، رأى كيفاموس فيها فرصة مواتية لتكوين مخزون منها. فهم بحاجة إلى الحديد لصنع الكثير من الأدوات لتطهير الغابات وبدء الزراعة، فضلاً عن استخدام الحديد لصنع أسلحة جديدة كالسيوف الإضافية، وروس الرماح، ورؤوس السهام وما شابه. استطاع أيضاً التفكير في أشياء أخرى كثيرة يمكنه أن يطلب من الحدّاد صنعها لتحسين حياة القرويين.
تكلم بعد لحظة تفكير: "قلت إن أسعار السبائك الحديدية منخفضة حالياً، لذا احرص على شراء المزيد منها أيضاً. وحين تنتهي من شراء كل شيء آخر، املأ أي مساحة متبقية في العربات بالسبائك الحديدية".
وأخيراً، سأل: "بالمناسبة، أترى أن بإمكانك القيام برحلة ثالثة إلى سينران؟".
هز سيدواس رأسه ببطء.
"لا يمكنني إعطاؤك إجابة نهائية على ذلك إلا بعد عودتي من الرحلة الثانية، لكن بالنظر إلى الطقس البارد اليوم، لا أظن أن ذلك سيكون ممكناً. لا بد لي من العودة إلى منزلي قبل أن تتقطع الطرق".
أومأ كيفاموس برأسه على مضض.
"حسنة، لا يزال بإمكاننا الأمل في صمود الطقس من أجل رحلة ثالثة، وإلا فسنعاني حقاً نقصاً حاداً في الحبوب مع حلول نهاية الشتاء. لا أود حتى التفكير فيما قد يحدث لو طال أمد الشتاء هذا العام..."
لقد كان شراء ما يكفي من الحبوب للقرية مكلفاً بما فيه الكفاية، ومن أصل ألفين وخمسمائة تاج ذهبي بدأوا بها، أنفقوا بالفعل ما يفوق ثلاثمائة تاج منها في الرحلة الأولى وحدها، ناهيك عما يدفعونه للحدّاد والنخّاس. وكانت تلك مجرد البداية... تنهد. لم يكن هناك خيار آخر على أي حال إن أراد للقرية النجاة طوال الشتاء. أنظار نحو التاجر.
"حسناً، سيكون هذا كل شيء لهذه الرحلة. خذ السلف من دوفاس ويمكنك الانصراف اليوم".
قال سيدواس ابتسامة رضا وهو ينهض في انتظار ناظر القصر: "سأفعل ذلك يا سيّدي. شكراً لك على إتاحة الفرصة لي للتجارة هنا".
أومأ كيفاموس برأسه له، لكنه تذكر شيئاً آخر.
سأل التاجر: "سمعت أنك كنت مضطرباً جداً في رحلتك الأخيرة عندما هاجمت الخنازير البرية القافلة".
عبس سيدواس متألماً.
"لقد خضت بعض المواجهات مع قطاع الطرق على الطريق، لكنهم عادة ما يستهدفون عملاتك المعدنية، لا حياتك نفسها. وهم لا يخيفونني كثيراً طالما أنك تستطيع جني المزيد من العملات طالما أنك على قايْد الحياة. لكن أسوأ حادثة أذكرها هي عندما كاد خزير بري أن يقتلني في الماضي عندما كنت طفلاً صغيراً. ما زالت ندوب تلك الأنياب الضخمة على ذراعي. وتلك الليلة بالقرب من نزل السيدة هيْلجا... رؤية تلك الخنازير تندفع نحوي..."
وبدا أنه يرتجف لبرهة من الذكريات.
"أفضل ألا أتناول هذا الحديث بعد الآن، إن لم يكن لديك مانع. فالتفكير في ذلك الوقت ما زال يلاحقني بكوابيس".
أومأ كيفاموس متعاطفاً.
"لا بأس، أنا سعيد فقط لأنك بخير. سيمنحك دوفاس السلف الآن".
ونظر إلى ناظر القصر: "يذكرني هذا، اسأل فيروي عن الأجر المستحق لصانع العربات مقابل إصلاح عربتنا، وأعطه المبلغ المطلوب قبل أن يرحل".
"بالتأكيد، يا سيّدي"، هكذا أجاب دوفاس وهو ينهض من مقعده ليسلم السلف للتاجر من مخزونهم المحدود من العملات، والذي بدا وكأنه يتناقص يوماً بعد يوم.