من لندن إلى اللورد الفصل 69 — أنفاس الشتاء الباردة

اقرأ من لندن إلى اللورد الفصل 69 — أنفاس الشتاء الباردة باللغة العربية على مانجا تايم.

بدا هودان مندهشاً لبرهة قبل أن يقول: "لا داعي للقلق يا سيّدي. إنه لا يشرب قطّ أثناء أداء واجبه — يمكنك الوثوق بفيروي في هذا الأمر. أعرفه منذ سنوات وهو شخص مسؤول — عندما يتطلب الأمر ذلك على الأقل. كان شرب البارحة استثناءً بعد أسبوع من الانقطاع".

قال كيفاموس: "يسرّني سماع هذا. كنت أخشى أن يظل هكذا حتى عندما نؤتمنه على سلامة القافلة".

تابع هودان: "لا تقلق يا سيّدي. مثلما أخبرنا بالأمس، لم يتذوق فيروي قطرة جعة واحدة طوال الرحلة، لذا احتاج إلى بضع كؤوس بالأمس لكي... يستدرك ما فاته، لكنه سيكون بخير للرحيل غداً. إنه ليس شربياً أساساً، ومع أنه أكبر مني بسعة سنوات، إلا أنه يتحمل الجعة أفضل من أي شخص آخر عرفته".

سخر دوفاس: "بالتأكيد يتحملها، فهو مرزتزق في النهاية. الشرب هو كل ما يفعلونه إن لم يكونوا غارقين في النهب والقتل. ما زلت عاجزاً عن حمل نفسي على الوثوق به".

قطّب هودان جبينه في وجه مدير المنازل.

"إنه ليس هكذا يا سيد دوفاس، ليس بعد الآن. أنا مستعد تماماً للوثوق به بحياتي في أي وقت".

وتابع: "يصعب عليه الوثوق بأحد بعد أن قضى نصف عمره بين مرتزقة قاطعي طرق، لذا من النادر جداً أن يشرب بهذا القدر. في السنوات القليلة الماضية عندما عشنا في نزل السيدة هلغا، لم نكن سوى اثنين لضمان سلامة النزل وعائلة السيدة هلغا، لذا كان علينا البقاء في حالة تأهب طوال الوقت".

وأضاف: "لا أظنه عاش قطّ في مكان كهذا".

وأشار هودان بيديه محيطاً بالقصر: "ضمن سلامة القصر، مع أسوار سياجية تحيط بنا، أظن أنه يشعر بأنه يستطيع أخيراً التخلي عن حذره قليلاً والاسترخاء من حين لآخر. وعلى عكس البقية منا، أُرسل لمرافقة القافلة في اليوم التالي مباشرة لوصولنا إلى تيرانات، وظل خارجاً طوال الأسبوع منذ ذلك الحين. لذا لا بد أن البارحة كانت المرة الأولى التي شعر فيها بأنه يستطيع التخفيف عن نفسه قليلاً. لا تحسب عليه ليلة شرب واحدة يا سيد دوفاس".

تذمر دوفاس وهمّ بقول شيء مجدداً لكن كيفاموس قاطعه.

"دع الأمر يمر يا دوفاس. إن قال هودان إن بمكاننا الوثوق به فأنا أصدقه. يمكننا الحديث عن الأمر مستقبلاً إن كرّر فيروي فعلته. حتى ذلك الحين، لدينا أمور أخرى تشغلنا".

أقرّ دوفاس: "كما تأمر يا سيّدي".

سارا إلى مسافة أبعد ورأيا العربات المنقولة إلى سقيفة خشبية قرب الإسطبلات في الجانب الأيسر من القصر، ربما البارحة نفسها، تعجّ بالحركة بالفعل. كان فريق من الخدم يعمل بجد هناك لتفريغ أكياس الحبوب الثمينة من العربة إلى عربات أصغر لا تستطيع حمل سوى كيسين في المرة الواحدة. وكان زوج منهم يجرّ عربة ممتلئة باتجاه مخزن الحبوب في الجانب الأيمن من القصر. ووافق وجود حارس بلحية رمادية حديدية للإشراف على العملية.

لاحظ دوفاس نظرة كيفاموس فقال: "أمرت الخدم بالأمس بالبدء في تفريغ العربات من الصباح الباكر نفسه. كيريل هناك لمراقبة كل شيء".

وأضاف: "يجب أن ينتهي التفريغ خلال ساعات قليلة، وبعدها سيشرعون في ملء العربات بالفحم القادم من المخازن للانتهاء قبل المساء".

بينما كان كيفاموس يراقب العملية برضا صمت، تذكر مالية القصر المتناقصة. لقد تكلّف شراء هذه الكمية الضئيلة من الحبوب الكثير، وكان يخشى مسبقاً الحديث القادم مع بيداس لتسوية الأسعار معه، وكذلك لمنحه السفرة للرحلة القادمة. ورغم ذلك، واقترب بخطوات أثقل، لاحظ شيئاً آخر أيضاً. وفي حين بدا الخدم سعداء للغاية لرؤية هذه الكمية من الحبوب في القصر، وربما للمرة الأولى منذ أشهر، بدا أنهم يرتجفون في برودة هواء الصباح الباكر.

ولم تكن ملابسهم دافئة بالقدر الكافي لهذا الطقس أيضاً.

بدأ حديثه قائلاً: "يا دوفاس، على الخدم العمل في مثل هذا الطقس البارد هنا. لما لم تفعل شيئاً لجعل المكان أكثر دفئاً؟ وضع موقدين من الفحم تحت سقيفة العربات سيبقي المكان دافئاً بالقدر الكافي للخدم. ألا نملك أياً منها هنا؟"

نظر إليه دوفاس مندهشاً لبرهة قبل أن يهزّ رأسه.

"أعتذر يا سيّدي، كان ذلك خطئي. كان يجب أن أتوقع طلبك".

وأوضح: "لم يكن البارون السابق يحب إهدار الفحم إلا عند الضرورة القصوى. لذا في حين سمح للخدم والوصيفات باستخدام الفحم للتدفئة داخل قاعة الخدم — عندما تسلج الثلوج في الخارج على الأقل — لم يكن يعجبه حرقهم للفحم في الخارج، زاعماً أنه إهدار لمحاولة تدفئة الهواء الخارجي".

كشر كيفاموس لمجرد التفكير في ذلك الوغد البخيل.

"لا داعي للاعتزال يا دوفاس. لكن من الآن فصاعداً، أبلغ الخدم بأنهم مسموح لهم باستخدام ما يكونون بحاجته من الفحم للتدفئة. يمكننا دائماً استخراج المزيد من الفحم من المناجم، لكننا لا نستطيع استبدال حياة! من السخف أن نسمح لأحدهم بالمرض أو حتى الموت برداً عندما تكون مخازننا طافحة بالفحم! ألدين مواقد أم لا؟"

أومأ دوفاس معتذراً.

"لدينا بضع منها مخزنة للاستخدام داخل المباني. سأطلب من أحدهم إخراجها وإشعالها حيثما لزم الأمر".

ثم اتجه نحو الخدم وأخذ يوجه إليهم الأوامر. وعندما أدرك الخدم ماهية الأوامر الجديدة، لم يسعهم إلا رمق كيفاموس بنظرات مندهشة. علت وجوههم سعادة لا توصف، وبعد التفات دوفاس، بدا أنهم شرعوا في العمل بحماس متجدد.

سرعان ما عاد دوفاس باتجاه كيفاموس والآخرين وقال مبتسماً: "أمرتهم بإحضار المواقد إلى هنا. وطلبوا مني شكرك على هذا اللطف أيضاً".

اكتفى كيفاموس بإيماءة.

"هذا أقل ما يمكننا فعله من أجلهم إن كانوا يعملون في البرد بلا ملابس ملائمة حتى. ألدينا أي معاطف فرو إضافية؟"

هزّ دوفاس رأسه.

"لا يا سيّدي. تلك التي امتلكناها تُستعمل بالفعل من قِبل المقيمين في منزل القصر".

أضاف كيفاموس: "حسناً. سنفكر في ما يمكننا فعله لتوفير ملابس ملائمة لهم مستقبلاً".

"وبما أن الطقس بدأ يبرد بالفعل، فلا بد أن الحال في القرية شبيهة، أليس كذلك؟ قد يكون الأمر جيداً عند شروق الشمس، لكن في الصباح والمساء على الأقل، نحتاج إلى توفير بعض المواقد للقرويين العاملين في المنطقتين الشمالية والجنوبية. وربما موقد لساحة السوق في القرية أيضاً. علينا منع أي شخص من المرض إن أردنا استمرارهم في العمل".

نظر إليه غورسازو بهدوء لبرهة.

"هذه... فكرة جيدة. سيزيد الأمر تأخيراً لكل أعمال البناء إن مرض العمال في هذا الطقس".

قال دوفاس مبتسماً: "لا بد لي من القول يا سيّدي، أنا سعيد حقاً لتفكيرك في كل فرد بالقرية".

واستطرد: "في الشتاءات السابقة، لم يكن غريباً سماع أخبار وفاة أحدهم بسبب البرد كل بضعة أيام. كانوا أشخاصاً عرفتهم لسنوات، لكنني لم أستطيع معارضة أوامر البارون بنفسي لتوفير الفحم لهم للتدفئة... وإلا لكان قد..."

وتلاشى صوته هازاً رأسه بتجهم. تجهم كيفاموس بعد سماعه عن تقتير البارون السابق. لم يستطع تخيل كيف يمكن لشنسان أن يكون مجرداً من المشاعر إلى هذا الحد ليترك القرويين المعتمدين عليه يتجمدون حتى الموت، بينما كانت المخازن تفيض بالفحم. كانت هذه قرية تعدين فحم، اللعنة! كيف أمكن للبارون السابق أن يكون جشعاً بشأن الفحم في قرية تعدين فحم، سيما عندما كانت حياة الناس معتمدة عليه؟

على الأقل استطاع إيجاد العزاء في حقيقة أن العالم تخلص من شخص كهذا الآن! هاه! الشكر لقطاع الطرق، أو أيا كان من قتل ذلك الوغد الجشع.

استهل كلامه بالقول: "لا يمكننا فعل شيء حيال الماضي، لكنني لن أسمح لأحد بالتجمد في القرية من بعد اليوم إن وُسعي فعل شيء حياله! وبما أننا نجحنا في توفير مسكن مؤقت لكل بلا مأوى، إلى جانب ما يكفي من الحبوب والفحم لهم، فلا ينبغي أن يكون الموت برداً مشكلة هذا العام. لكننا ما زلنا بحاجة لتقديم شيء للقرويين العاملين في هذا البرد".

قال دوفاس: "لكننا لا نملك سوى مواقد قليلة هنا، وقد طلبت من الخدم وضعها عند بوابتي القصر، فضلاً عن هذه السقيفة الخشبية. لا نملك المزيد لنوفره للقرويين".

أردف كيفاموس: "المواقد ضرورة في هذا الطقس إن أردنا استمرار القرويين في العمل في هذا البرد".

"يجب أن يكون سيدورون مشغولاً بصنع رؤوس رماح لليوم، لكن فور انتهائه، أبلغه برغبتي في حصولي على نصف دઝينة من المواقد منه. لا شيء معقداً، مجرد حامل حديدي بسيط يؤدي الغرض. وبما أن بيداس قد عاد، فسيكون لديه من الحديد ما يزيد عن الحاجة. ينبغي أن يكون قادراً على صنعها خلال يوم، لذا لن يعيق ذلك إنتاج الأدوات كثيراً".

أجاب دوفاس مومئاً: "سأعلمه بذلك يا سيّدي".

سأل كيفاموس: "حسناً. يذكرني هذا، ماذا عن ناقلة الجذوع الثانية؟ متى ستكتمل؟"

هتف دوفاس: "أه، لقد نسيت إخبارك وسط جلبة عودة القافلة. اكتملت ناقلة الجذوع الثانية مساء البارحة أيضاً".

قال كيفاموس مبتسماً: "هذا رائع. أرسلها إلى المنطقة الجنوبية، إذ بدأ العمال في قطع الأشجار هناك أيضاً. وما أن تُحفر خنادق ضيقة كافية لأسوار القرية، سنرسل إحدى ناقلات الجذوع لتحريك الوتد هناك. رغم أن تركيزنا يجب أن ينصب على حفر أكبر قدر ممكن من تلك الخنادق قبل تجمد الأرض".

قال هودان: "يعلم العمال بذلك يا سيّدي. تحدثت مع رئيس العمال يدين بخصوصه سابقاً".

أثنى كيفاموس: "هذا جيد".

سرعان ما بدأوا العودة نحو دفء قاعة القصر، لكن بوابات القصر انفتحت وركض خادم شاب في الداخل نحوهما.

وما إن بلغ المكان حتى التقط أنفاسه وقال: "سيّدي! أُرسلت لأبلغ الحداد بالأوامر الجديدة لهذا اليوم. طلب مني سيدورون إخبارك بأنه إن مُنح العوارض، فسيكون قادراً على صنع سبعة أو ثامنة رماح بحلول المساء، لكن ذلك يعني عدم وجود فؤوس جديدة أو أدوات أخرى لليوم. واعتذر أيضاً عن عدم مجيئه بنفسه، نظراً لضرورة إنجاز الرماح اليوم نفسه، لذا لم يرغب في إهدار وقته ذهاباً وإياباً إلى القصر".

طمأن كيفاموس الخادم قائلاً: "لا بأس. يا هودان، هل سيجدي صنع أكثر من ستة رماح نفعاً الآن؟ إن لم يكن كذلك، يمكننا دعاء سيدورون ينتهي من الرماح الستة، ويمكنه استغلال الوقت المتبقي للعمل على شيء آخر".

أخذ هودان برهة للتفكير ثم قال: "أقول بما أننا نرسل ستة حراس متمرسين فقط مع القافلة، ووحدّد أولئك سيتمكنون من استخدام تلك الرماح بالشكل الملائم، لذا كان صنع ستة رماح كافياً، تماماً كما أخبرنا فيروي بالأمس. ومع ذلك، وبما أنه يشتغل بصنع رؤوس الرماح اليوم على أية حال، أودّ منه صنع بعة رماح إضافية إن أمكن، لكي أستطيع استخدامها للبدء في تدريب المجندين المتبقيين في القصر على استخدام الرماح".

أومأ كيفاموس.

"هذه فكرة جيدة".

ونظر إلى الخادم قائلاً: "أبلغ سيدورون بصنع أكبر عدد ممكن من الرماح لليوم، ومن الغد يمكنه الشروع في العمل على صنع المواقد. سيوضح لك دوفاس التفاصيل".

وقبل صرف الخادم سأل: "أهذا كل ما قاله؟"

فكر الخادم لبرهة.

"أه... كان هناك أمر آخر ذكره سيدورون يا سيّدي!"