هزّ فيروي كتفيه.
"لا أعتقد أن الأمر سيصنع فرقاً كبيراً، سيّدي. نحن نستعمل العربات الثلاث القادمة من بيداس إضافة إلى الخيول التي تجرّها. ولو قررنا تدبر أمرنا بأنفسنا، لكان لزاماً علينا استئجار ثلاث عربات أخرى على الأقل من سينران. وهذا مستبعد تماماً - صدقني، لقد سألت كثيراً في البلدة. وحتى لو استطعنا تدبير عدد كافٍ من العربات، فسيتعين علينا دفع ثمنها وأثمان خيولها، وهو ما سيقود تكاليفنا إلى الارتفاع أيضاً. ومثلما أخبرتك مسبقاً، أسعار الحبوب آخذة في الصعود كذلك. لذا حتى لو اشترينا كل شيء بأنفسنا، فستكون التكلفة متقاربة، إن لم تكن أعلى قليلاً ممّا وعدنا به بيداس".
قال كيفاموس: "دَعْنا من هذا الآن. الشتاء على الأبواب، وليس لدينا متسع من الوقت للمغامرة هنا. مع بيداس، نحن نضمن حصولنا على الحبوب في غضون أسبوع على الأقل، وإلّا فلربما عجزنا عن استئجار المزيد من العربات في الوقت المناسب على أي حال".
ثم أردف: "وهناك سبب آخر كنت أفكر فيه قبل قليل، يدفعنا لشراء الحبوب عبر تاجر بدل تولي الأمر بأنفسنا - حتى لو اضطررنا لدفع مبلغ أزيد بقليل".
وحين رمقه الآخرون بنظرات فضولية، أوضح: "نحن نشتري كمية هائلة من الحبوب، وحسب تقرير فيروي، اضطر بيداس حتى إلى شرائها من عدة متاجر متفرقة، لعدم توفر متجر واحد يمتلك تلك الكمية الضخمة جاهزة للبيع. إنّ عملية شراء كهذه تلفت الانتباه حقاً، ولو اشتريناها باسم تيرانات، أو حتى باسمي شخصياً، لَسارت الأخبار في كل مكان. الوضع يختلف مع بيداس لأنه تاجر معروف في سينران، ومن الطبيعي بل ولربما المتوقع منه أن يشتري عربات محملة بالحبوب قبيل الشتاء - كي يبيعها حيثما أراد ليحقق ربحاً سريعاً قبل عودته إلى أولريغا لقضاء فصل الشتاء هناك. لن يبدو الأمر غريباً البتة في أعين الناظرين - وسينسونه بسرعة كافية".
وابتسم بخبث: "فهو في نهاية المطاف تاجر يسعى لتحقيق الربح".
ثم نظر إلى فيروي.
"لقد اتخذت قراراً صائباً بدخول البلدة بحارس واحد فقط مع كل عربة. وبهذه الطريقة لن يرى الناظرون أو الكشّافة في ذلك أمراً ملفتاً للانتباه - فكل عربة تحتاج إلى سائح بطبيعة الحال. وكل ما سيرونه إذن هو أن تاجراً استأجر بضع عربات إضافية واشترى الكثير من الحبوب ليحقق ربحاً سريعاً قبل الشتاء".
وتابع حديثه: "ما زلنا نجهل هوية من حاول قتلي مرتين، ورغم أنهم سيُدركون في نهاية المطاف فشل محاولاتهم - حتى وإن تنقلت الأخبار ببطء خلال الشتاء - فقد يقررون الاستسلام بعد محاولة فاشلة. لكن لو أقدمت قرية صغيرة وفقيرة مثل تيرانات على عملية شراء ضخمة كهذه بنفسها، لربما بلغت أخبار مماثلة آذان أولئك الأشخاص الخطيرين بسهولة. ولهذا السبب يجب ألا نشتري هذه الكمية الضخمة بأنفسنا. فالشراء عبر وسيط كبيداس يمنحنا شيئاً من التخفي هنا - وهذا التخفي سقطع شوطاً طويلاً في الحفاظ على أمان القرية في هذه الأوقات الخطيرة".
قال غورسازو بعد برهة: "هذا منطقي حقاً".
أومأ كيفاموس برأسه.
"أنت تعلم جيداً أنه ليس من السداد في شيء أن نلفت انتباه أمثال هؤلاء قريباً. فالقرية عاجزة عن الدفاع عن نفسها في الوقت الحالي أساساً - فنحن لا نملك سوراً يحيط بالقرية الآن حتى! ومن أصل نحو دزينة حارس ن بالكاد نملكها - ربما لم يمسك نصفهم بسيف قط قبل هذا الأسبوع".
قال هودان: "صدقت يا سيّدي. وبينما أبذل قصارى جهدي لجعلهم في أتم جاهزية، سيستغرق الأمر وقتاً مع ذلك. فقد فقدت القرية معظم مخزونها من الحبوب وثُلث منازلها في هجوم صغير شنه أقل من دزينة قطاع طرق. وعلى هذا الحال، تبدو القرية غير مستعدة بتاتاً لصد هجوم آخر في الوقت الراهن، لذا لا يمكننا تحمّل تكلفة صناعة أي أعداء جدد في هذه المرحلة أبداً".
قال كيفاموس: "بالتأكيد. ولهذا السبب سنستمر في شراء كل شيء عبر بيداس في الوقت الحالي".
انفتح باب داخلي، وعادت سيرين حاملة كطساً من الجعة. وبعد أن ناولته لفيروي الذي أومأ شاكراً، عادت لتجلس إلى طاولة الطعام الطويلة رفقة لوسيم وكلاريسا، اللذين بدا وكأنهما يمارسان لعبة كلمات شفهية فيما بينهما. أخذ فيروي رشفة طويلة من الجعة، وأخذ يلوّح بالكطس بين يديه لبرهة.
"وهناك أمر آخر أيضاً، سيّدي. نحتاج إلى رماح، وبأسرع وقت".
وأوضح: "تعرضنا لهجوم من خنزيرين بريين في الطريق. لحسن الحظ كان الخنزيران صغيرين، وإلا لكانت الأمور قد انتهت بشكل سيء. لكن من دون أي رماح بحوزتنا، بالكاد استطعنا التعامل معهما، لا سيما وأن نصف حراسنا من المبتدئين. فهل من الممكن أن يصنع الحداد لنا بعض الرماح قبل أن نغادر؟ إن هاجمتنا وحوش برية كهذه مرة أخرى، فسيكون وجود بعض الرماح معنا مفيداً للغاية".
سأل كيفاموس: "لماذا لم تأخذوا أي رماح معكم في الرحلة الأولى؟"
تولى دوفاس الإجابة نيابة عن فيروي.
"لم يعد لدينا المزيد منها في القصر، سيّدي. لقد فقدنا الكثير من أسلحتنا في تلك الكمين الذي استهدف البارون السابق. وحتى الآن، ومع وجود دزينة واحدة فقط من الحراس في القصر قبل وصولك إلى هنا، فضلاً عن النقص الحاد في الأموال، لم أجد ضرورة لصناعة المزيد من الرماح".
قال كيفاموس: "لا بأس، يمكننا فعل ذلك الآن".
ونظر إلى فيروي.
"كم رمحاً تحتاج؟ أخبرني بالحد الأدنى الذي لا غنى لك عنه تماماً".
لم يتأخر فيروي في الرد.
"رغم أن توفير رمح لكل حارس من الدزينة سيكون أمراً مثالياً، إلا أنني أعلم أن الحداد قد ي عجز عن صناعة هذا العدد الكبير منها".
وأضاف: "منح سيّف للمجندين الجدد يخدم خديعتنا في إظهارهم كحراس مدربين جيداً أمام أي كشّاف لقطاع الطرق على الطرقات، لكنهم في الواقع غير مدربين البتة. لذا حتى لو منحناهم جميعاً رماحاً جديدة، فلن يتمكنوا من فعل أي شيء بها في هجوم حقيقي لحيوان برّي، أتعلم؟ أقول إن تمكنا من الحصول على ستة رماح فقط - للحراس المدربين الذين يملكون بعض الخبرة فيها مسبقاً، فسيكون ذلك جيداً بما يكفي للآن".
أومأ كيفاموس برأسه.
"قلت قبل قليل إنك لم تستطع شراء كل شيء. فهل حصلت على بعض سبائك الحديد على الأقل؟"
أجاب فيروي: "لقد حصلنا على كل شيء يا سيّدي، كل شيء ما عدا المسامير الحديدية. فلم يمتلك أي حداد هناك مخزوناً كافياً منها في مثل هذا الوقت القصير. لذا أخبرت بيداس أن يشترِي النزر اليسير المتاح منها هناك، واشترينا المزيد من سبائك الحديد بالمال المتبقي. ولهذا السبب اضطررت إلى تقليص عدد أكياس الحبوب بثلاثة - لاستيعاب تلك السبائك مع البقاء ضمن حدود ما تستطيع العربات حمله".
تنهد كيفاموس بعمق.
"نقص في المسامير الحديدية أيضاً، هاه؟ ونحن متأخرون أصلاً في تقطيع الألواح الخشبية للمنازل الطويلة".
وهز رأسه بإحباط، ثم قال: "حسناً، سنناقش المزيد عن ذلك غداً بعد أن يأتي بيداس إلى هنا ليخبرنا بعدد المسامير الحديدية التي جلبها. أما الآن"، والتفت إلى دوفاس، "فاذهب وابعث خادماً إلى الحداد فوراً لإخباره بالأمر، ليعلم أنه بحاجة لبدء العمل على صناعة ستة رماح أول شيء صباح غد. لديه يوم الغد بأكمله لإنجازها، نظراً لأن القافلة ستغادر بعد غد. أخبره أنه يحتاج فقط إلى صناعة رؤوس الرماح - وهو أمر لن يكون شديد الصعوبة إن سبق له صناعة شيء مشابه في الماضي، وسنتولى نحن أمر العثور على ستة أعمدة جيدة بما يكفي لها".
نهض دوفاس من مقعده الوثير.
وقال: "سأرسل ساعياً إلى سيدورون فوراً، سيّدي"، وغادر قاعة القصر.
نظر كيفاموس إلى قائد الحراس: "هودان، لابد أنك تمتلك خبرة بالرماح، لذا تقع على عاتقك مسؤولية العثور على عدد كافٍ من الأعمدة الجيدة للرماح غداً. يمكنك الاستعانة بأي خادم أو عامل لإرسالهم في أنحاء القرية للبحث عن عصي خشبية مستقيمة كهذه".
تمتم فيروي ببطء بين رشفات الجعة، بينما كان منحنياً على كرسيه: "يمكنني فعل ذلك أيضاً، سيّدي..."
ابتسم كيفاموس.
"تبدو بحاجة لبعض الراحة، فيروي. يمكنك أخذ يوم غد كإجازة لالتقاط أنفاسك، إذ سيتعين عليك قيادة الحراس مجدداً في الرحلة القادمة. بالطبع، لن أمنعك إن شعرت بقدرتك ورغبتك في مساعدة هودان في ذلك، فهو مجبر على تدريب الحراس أيضاً. وعلى أحدكما زيارة سيدورون لتفقد تصميم رؤوس الرماح".
وحين همّ فيروي بالكلام مجدداً، حدق فيه هودان مطولاً، مما أجبر المرتزق السابق على الصمت.
"سأفعل ذلك، سيّدي".
وأال رأسه نحو فيروي.
"هذا الفتى لا يعلم أنه يستطيع الاعتماد على الآخرين أحياناً".
وبّخه فيروي: "اصمت...".
وأضاف: "وددت لو أراك تنجو لفترة طويلة أثناء العيش بين المرتزقة إن كانت لديك عادة الاعتماد على الآخرين".
سأل هودان حاجبيه مرفوعين وابتسامة تعلو محياه: "أنت لست بين المرتزقة الآن، أليس كذلك؟"
حدق فيروي في كطس الجعة أمامه وحسب، من دون أن يبتبر برد.
* * *
في اليوم التالي، استيقظ كيفاموس مبكراً، وبعد إفطاره مع الآخرين، غادر قاعة القصر لإلقاء نظرة على كل شيء. وما إن خرج إلى الخارج، حتى رأى الشمس وهي بالكاد تطل برأسها فوق جبال أراكن في الشرق، لكن ذلك لم يفعل شيئاً ليخفف من برد الصباح القارص الذي شعربه.
تمتم بعد وصوله إلى باحة القصر وهو يدلك كفيه معاً: "تباً! الطقس يزداد برودة الآن".
بل وكات يرى أنفاسه متصاعدة أمام وجهه، وقدر أنه بعيداً عن دفء موقد النار في منزل القصر، لابد أن حرارة الجو في تيرانات أصبحت تقل عن عشر درج ات مئوية الآن.
قال دوفاس وهو يحكم التفاف معطفه الفروي حول جسده: "الأمر كذلك حقاً، سيّدي، رغم أن اليوم يبدو بارداً بشكل خاص. على الأقل ليس هناك رياح في هذه الأيام".
قال غورسازو وهو ينفخ على كفّيه لتدفئتهما: "لابد لي من الاعتراف، بعد أن قضيت حياتي كلها في أولريغا أو بالقرب منها، لست معتاداً على شتاء شديد البرودة كهذا. والشتاء الحقيقي لم يبدأ هنا بعد".
"هذا هو وطننا الآن، غورسازو، ويجب علينا التأقلم مع الحياة في تيرانات الآن. لا بد أن الجو سيصبح أدفأ حين ترتفع الشمس أكثر في غضون ساعات قليلة، فالطقس يبدو صافياً هذه الأيام".
ثم رمق كيفاموس هودان بنظرة.
"أين فيروي؟ لم يحضر للإفطار أيضاً".
أطلق هودان نفخة ساخرة من أنفه.
"لابد أنه نائم في مكان ما ليزيل أثر عربدة الأمس".
عقد كيفاموس حاجبيه بامتعاض. لم يكن بالأمر الجيد أن يكون الحارس المسؤول عن سلامة القافلة بأكملها مدمن كحول بهذا الحد.
"أمتأكد من أننا يجب أن نرسله لقيادة القافلة إن كانت لديه عادة السكر هكذا؟"