~ كيفاموس ~ ~ قصر البارون، تيرانات ~
في اليوم التالي، وبعد أن فرغ كيفاموس والآخرون من تناول إفطارهم المؤلّف من خبز طازج وبيض جلبوه من قنّ الدجاج الصغير داخل القصر، دخل هودان إلى قاعة الاستقبال.
قال قائد الحراس: "يا سيّد، ثمة أمر أودّ الحديث معك بشأنه".
تحرك كيفاموس نحو المقاعد الوثيرة قرب المدفأة وقال: "اجلس. ما الأمر؟"
جلس هودان بدوره إلى جوار دوباس وگورسازو.
وقال: "ذهبت إلى المنطقة الشمالية حيث يزيل العمال الأشجار من الغابة، لأقترح على بعضهم طرقاً لاستخدام السكاكين الكبيرة إن أُجبروا على القتال بها. ورأيت هناك كومة ضخمة من الجذوع، والمزيد منها يتوافد كل ساعة".
سأل گورسازو: "ألم يبدأ تانيوك بتقطيعها إلى ألواح هناك بعد؟"
أجاب هودان: "بلى، فعل، وكلما حصل على منشار جديد من سيدورون، أشرك معه عاملاً آخر ليساعده في ذلك. ومع ذلك، فالعمل بطيء، والجذوع تتراكم أسرع بكثير من قدرته على تحويلها إلى ألواح. وفي الأيام القادمة عندما يمنح سيدورون المزيد من الفؤوس لقطّاع الحطب، ستتسرّع وتيرة قطع الأشجار أكثر، وستصلنا جذوع جديدة بمعدل أسرع".
قال كيفاموس: "همم... أظن كان يجدر بي توقع ذلك. من دون منشأة حقيقية، حتى وإن دارت بعجلة مائية، سيستغرق تقطيع الجذوع إلى ألواح وقتاً طويلاً".
وسأل: "إذن، ما الذي يدور في ذهنك؟"
أجاب هودان: "كنت أتوقع اقتراح بناء سور خشبي يحيط بالقرية بأكملها. صحيح أن كل الحبوب الجديدة التي نشتريها — والتي ستكون الهدف الأساسي لأي قطاع طرق يهاجمون المكان — ستُحفظ داخل أسوار القصر حيث تكون آمنة بما يكفي. غير أن بقية القرية ستبقى عرضة لمثل هذا الهجوم".
وتابع قائلاً: "لقد رأينا مسبقاً أن قطاع الطرق لن يتوانوا عن إحراق المنازل للتغطية على انسحابهم. فما بالك لو فعلوا الشيء نفسه مع البيوت الطويلة بعد إنشائها؟ بات إيواء جميع القرويين أمراً بالغ الصعوبة، وإن احترقت البيوت الطويلة أو حتى منازل القرية الأخرى قبل أن يتمكّن الحراس من الردّ على الهجوم، فلن يجد القرويون مكاناً يؤويهم في الشتاء".
أومأ كيفاموس وقال: "هذا صحيح. لا يمكننا المجامرة بذلك قطعاً".
سأل گورسازو: "لكن، أصلًا هل إحاطة القرية بأكملها بسور خشبي أمر ممكن؟ أعلم أننا لن نعاني شحّاً في الجذوع، لكن سيتعين علينا إهدار وقائع عمل العمال في حفر خنادق لتلك الأوتاد الخشبية حول القرية بأكملها، فضلاً عن نقل الجذوع إلى هناك".
أجاب دوباس: "ليس هذا مشكلة البتة. لدينا فائض من العمال الذين يجلسون بلا عمل طوال اليوم تقريباً بسبب نقص الفؤوس والمناشير".
ونظر إلى كيفاموس.
"أخبرني يدين قبل قليل أن زحّافة الجذوع ساعدت كثيراً في نقل الجذوع بسرعة في المنطقة الشمالية. وإن تمكّنّا من بناء زحّافة جذوع أخرى أو اثنتين، فلن يكون نقل الجذوع إلى أطراف القرية مشكلة أيضاً".
فكّر كيفاموس في الأمر هنيئةً.
وقال: "وماذا عن أدوات الحفر؟ المجارف أم الفؤوس حتى؟ هل نملك ما يكفي منها؟"
قال دوباس: "سيفيدنا بلا شك توفير المزيد من الأدوات، ولكن حتى الآن لا يزال لدينا ما يكفي من أدوات الحفر التي بقيت بلا استخدام منذ إغلاق مناجم الفحم".
وأوضح: "بما أن هدفنا الرئيسي كان قطع الأشجار، فلم يعد لدينا أي فؤوس أو مناشير فائضة، ورغم أنني وفّرت بعض أدوات الحفر للعمال مسبقاً، إلا أن الكثير منها لا يزال متروكاً في القصر".
قال كيفاموس: "هذا يحسم الأمر. سنبني سوراً جديداً ليحيط بالقرية بأكملها. سيكون مفيداً للغاية لضمان أمن القرية في المستقبل القريب".
ونظر إلى دوباس.
"امنح ما تبقى من مجارف وفؤوس لأي عمال ما زالوا بلا عمل، وأرسلهم لحفر الخنادق للأسوار".
قال هودان: "ينبغي لنا أيضاً أن نُحدّ رؤوس الجذوع قبل غرزها في الأرض كأوتاد، لنصعّب على أي قطاع طرق تسلّقها".
قال كيفاموس: "هذه فكرة سيدة. بما أننا طلبنا من سيدورون تشكيل المزيد من الفؤوس لا السكاكين الكبيرة، فيمكننا إعطاء بعض تلك الفؤوس للعمال المكلفين بسنّ الأوتاد. إنها ليست بالعمل الشاق مقارنة بقطع شجرة، لذا فإن منح بضعة فؤوس لعدد قليل من العمال يكفي لبري الجذوع وتحويلها إلى أوتاد".
سأل گورسازو: "لكن أين سيكون موقع هذا السور؟ أعني، أننا نبني البيوت الطويلة خارج النطاق الحالي للقرية، فكم ينبغي أن نُبعد هذه الأسوار عن آخر المنازل؟"
قال كيفاموس: "هذا سؤال وجيه".
وأخذ يفكّر في الأمر، ثم قال: "صحيح أننا لا نحتاج سوى إلى بضع بيوت طويلة الآن لإيواء القرويين المشردين، لكننا سنحتاج إلى بناء المزيد منها لاحقاً لنقل جميع القرويين الذين تضررت منازلهم إليها أيضاً. وتلك ليست آخر الأشياء التي يتوجب علينا تشييدها هنا".
وأضاف: "سنحتاج حتماً إلى مساحات تخزين إضافية للحبوب التي سنحصدها في العام القادم، وقد تحدثنا من قبل عن إنشاء عنابر تخزين جديدة في غرب القرية. فضلاً عن ذلك، إن نقلنا ذلك العدد من القرويين إلى مكان يبعد عن مساكنهم السابقة، فهذا يعني أن بعض المتاجر في السوق قد تحتاج هي الأخرى إلى الانتقال لتصبح أقرب إلى البيوت الطويلة. أو ربما يفضل التجار افتتاح متاجر جديدة هناك بالمجمل مع الاحتفاظ بمواقع متاجرهم الأصلية — وكل ذلك يتطلب مساحة أكبر".
وتابع: "لدي خطط أخرى في ذهني للمستقبل أيضاً. لذا ينبغي لنا ترك مساحة إضافية لتشييد أي مبانٍ أخرى مستقبلاً، ودون الحاجة إلى توسيع السور الخشبي لفترة من الزمن".
قال دوباس بعد لحظة: "هذا منطقي يا سيّد".
وتابع: "بما أن القصر أُقيم أساساً في بداية السهول، فلا يمكننا توسيع القرية نحو الشرق نظراً لوعورة التضاريس هناك وبداية التلال".
علّق هودان: "ليس الأمر هكذا تماماً. الواقع أنني أود الحصول على أرض خالية لإنشاء منطقة تدريب مخصصة للحراس، عوضاً عن الاكتفاء بالمساحة الفراغ في الجزء الشرقي من القصر كما نفعل الآن".
وأضاف: "ألقيت نظرة على الجهة الشرقية للقصر، وما زال هناك نحو ألف ياردة من المساحة الفراغ قبل أن تبدأ التلال. لذا أقترح إقامة سور القرية الجديد على بُعد نحو مئة ياردة من الأسوار الشرقية للقصر. وبهذه الطريقة، بمجرد أن نزيل الأشجار من تلك الناحية، ستبقى لدينا نحو خمسمئة ياردة من المساحة المكشوفة خلف أسوار القرية الجديدة — وهو ما يمنحنا رؤية واضحة هناك، ويمكنني إقامة ميدان التدريب الجديد في تلك المساحة الواقعة بين أسوار القصر وسور القرية الجديد".
أعجب كيفاموس بحقيقة أن هودان كان يفكر مسبقاً في أمور كهذه — في حاجته لمزيد من التدريب للحراس. وكان ذلك منطقياً أيضاً، فتجربة هودان السابقة بوصفه متدرباً فرساناً لا بد أنها كانت أوسع بكثير من تدريب بقية الحراس في هذه البارونية الفقيرة الواقعة في أقصى النأي.
"هذه فكرة جيدة. يمكنك حتى إنشاء مسار عقبات هناك — وهو سلسلة من العقبات المتتالية تضم خندقاً وجداراً وما شابه، حيث يمكنك جعل الحراس يركضون سعياً لزيادة سرعتهم ويقظتهم".
واستحضرت ذاكرته الكثير من الأفكار الجيدة المشابهة من حياته على الأرض، والتي شاهد معظمها في الوثائقيات والتلفزيون حول تدريبات كهذه، وهي أمور لن يعلمها هودان.
وقال مكرراً الشرح ذاته: "قرأت قليلاً عن هذا في كتاب بأولريغا، لذا ذكرني حين تبدأ بإنشاء منطقة التدريب المخصصة، وسأزودك باقتراحات جيدة حول الأمر".
قال هودان وهو يومئ: "سيكون ذلك مفيداً جداً يا سيّد".
قال كيفاموس: "حسناً، فلنفعل المثل على جميع الجهات إذن. أي أن نحافظ على مسافة مئة ياردة من كل اتجاه للقرية، بين الأسوار الجديدة وآخر منازل القرية. ستكون تلك مساحة أكثر من كافية لأي مبانٍ جديدة في القرية. ولن نعاني بأي حال من نقص في جذوع الأشجار للأسوار الجديدة".
اقترح گورسازو: "بما أن الشتاء يقترب بسرعة، فينبغي أن نركز أولاً على حفر الخنادق لجميع الأوتاد، إذ سيكون القيام بذلك أصعب بكثير بمجرد أن تتجمد الأرض. ويمكن غرز الأوتاد فيها حتى بعد انقضاء ذلك".
أومأ كيفاموس وقال: "دوباس، بعد أن ننتهي من هذا النقاش، عليك أنت وهودان أن تذهبا وتقيسا مسافة مئة ياردة من القرية، وتُرسلا العمال العاطلين المزودين بالمجارف والفؤوس الإضافية لبدء حفر الخنادق هناك. أبلغوهما بالبدء من المنطقتين الشمالية والجنوبية أولاً، وإلا فقد تجد الأسوار نفسها في منتصف الغابة حالياً نظراً لأننا لم نبدأ بإزالة الأشجار في تلك المناطق بعد. وحين نحصل على المزيد من الفؤوس، يمكننا تكليف عدد من العمال ببري الجذوع من جهة واحدة لتحويلها إلى أوتاد للأسوار".
وأضاف: "وأبلغ تانيوك أيضاً بأن يبدأ بناء زحّافة جذوع أخرى. أعلم أن ذلك سيبطئه أكثر في قطع الألواح، لكن بناء المزيد من زحّافات الجذوع سيزيد كفاءة جميع المهام، وأي شيء يحسن الكفاءة ينبغي أن يحظى بالأولوية دائماً. وبما أننا أمّننا للقرويين المشردين سقفاً يظلهم — ولو بشكل مؤقت، فلن يمثل تأخير إنجاز البيوت الطويلة لأيام إضافية مشكلة".
سأل دوباس: "ألا يمكننا في هذه الحالة إبقاء القرويين المشردين مع بقية القرويين طوال فصل الشتاء؟"
هز كيفاموس رأسه.
"لن ينجح ذلك يا دوباس. فكّر في الأمر. قبل أن نعرض حبوباً مجانية على القرويين الذين يوافقون على استضافة المشردين، لم يتطوع أحد تقريباً للقيام بذلك. قد لا يمانع القرويون الترتيب الحالي لأنهم يعلمون أن البيوت الطويلة ستُبنى قريباً وبوسعهم العودة إلى نمط حياتهم السابق مع عائلاتهم قريباً. أما لو اضطروا إلى إبقاء أولئك الناس في منازلهم طوال الشتاء أو لفترة أطول، فقد يؤدي ذلك بسهولة إلى تصاعد التوترات بينهم، حتى وإن كانوا أشخاصاً يعرفونهم طوال حياتهم. قد يفرز ذلك بسهولة نزاعات تندلع بينهم، ولا أريد لأي شيء أن يكسر وحدة القرية في الوقت الحالي. نحتاج من الجميع التعاون من أجل بقائنا على قيد الحياة طوال الشتاء".
أومأ دوباس برأسه بعد سماع ذلك، لكنه لم يطق بكلمة. وعندما عاد بذهنه إلى الخطط التي ناقشوها، تذكر كيفاموس الطرق الضيقة بين منازل القرية حين خرج في نزهة إلى شمال القرية. وكانت فرصة سانحة للقيام بشيء حيال ذلك أيضاً.
وتابع: "ثمة أمر آخر ينبغي أن نخطط له — وهو الطرق داخل القرية. قد تكون الطرق الضيقة الحالية مناسبة للقرويين المشاة، لكن إن احتجنا إلى تحريك زحّافات الجذوع عبر القرية، فلن يكون ذلك مجدياً بالمرة الآن، كما يتعذر توسيع تلك الطرق نظراً لأن المنازل بُنيت فيها بالفعل. لدينا هنا فرصة للتخطيط الجيد وشقّ طرق عريضة للمستقبل — بحيث يتقاطع كل منها بزوايا قائمة لتسهيل التنقل".
أومأ گورسازو برأسه ببطء موافقاً.
"هذا صحيح تماماً. وبما أننا لم نبدأ بعد في تشييد البيوت الطويلة والعنابر الجديدة، فمن الجيد التخطيط لذلك مسبقاً".
قال هودان بابتسامة خبيثة: "سيكون لذلك فائدة أخرى يا سيّد".
* * *