قال كيفاموس مؤيداً: "حقاً. تفقدها بنفسك".
تناول ييدن الساطور بيده، وتراجع خطوات، ثم حاول التلويح به نحو الأسفل مراراً كأنه يقطع غصناً وهمياً. غير أن حركاته اختلفت بوضوح عن هودان الذي حاول سابقاً قطعه بشكل مائل كأنه يحاول مهاجمة شخص وهمي به. بدا أن مهنة كل رجل تترك أثراً واضحاً في ما يحاول فعله بالسلاح نفسه.
أومأ ييدن برأسه لنفسه وقال: "هذه جيدة يا سيادي. أستطيع أن أرى أنها ستكون مفيدة للغاية في قطع الأغصان الصغيرة. ومع ذلك، وبينما تظل هذه مفيدة، هل سيكون ممكناً أن نحصل على المزيد من الفؤوس بدلاً من السواطير؟"
وأضاف: "في الوقت الحالي، سيزيد الحصول على المزيد من الفؤوس من وتيرة إخلاء الغابة أكثر بكثير من الحصول على المزيد من السواطير".
قال كيفاموس: "بالتأكيد. لقد أصدرت الأمر السابق بناءً على تقديراتي الأولية. لكن يمكننا بالتأكيد تغييره بناءً على احتياجاتنا".
قال هودان: "مع ذلك، أود صنع عدد إضافي من هذه السواطير طالما ظلت مطلوبة لقطع الأغصان، إذ يمكننا استخدامها كأسلحة مؤقتة أيضاً".
أومأ كيفاموس.
سأل المشرف: "يستطيع سيدورون صنع خمسة فؤوس أو أربعة سواطير كل يوم. أخبرته سابقاً أن يبدل أيام عمله بين الاثنين. ما مقترحك الآن؟"
أخذ ييدن دقيقة للتفكير بينما مرر يده على رأسه الأملس.
نظر إلى الحداد وسأل: "هل يمكنك صنع الاثنين في اليوم نفسه، أم عليك أن تطرق شيئاً متشابهاً كل يوم؟"
أجاب سيدورون: "سيحتاج الأمر بالتأكيد إلى بعض التعديل لطرق فأْس وساطور في يوم واحد، لكنه لن يكون صعباً للغاية. يمكنني صنع الاثنين كل يوم إن رغبت في ذلك".
قال ييدن ناظراً إلى كيفاموس: "سيكون ذلك مفيداً للغاية. في هذه الحالة يا سيادي، أود من سيدورون أن يصنع أربعة فؤوس وساطوراً واحداً كل يوم. أو... ربما استبدال فأْس بمنشار إن أمكن. اعتماداً على شكل الشجرة، غالباً ما يكون استخدام المنشار أسهل من الفأْس".
وأضاف: "بهذه الطريقة سنحصل على فؤوس كافية لزيادة سرعة إخلاء الغابة، وسنحصل أيضاً على تدفق ثابت من السواطير لقطع الأغصان وتخزينها كاسلحة".
هز هودان كتفيه وقال: "يناسبني هذا. بالنسبة ليوم الغد نفسه، سيتعين علي منح المزيد من وقت الأساسيات للعمال الذين يحصلون على هذه السواطير الأربعة، ولكن ابتداءً من اليوم التالي، سيتعين علي تقديم التدريب الأساسي لعامِل واحد فقط كل يوم، للساطور الذي يُصنع في ذلك اليوم. سيكون ذلك أفضل لجدول تدريب الحراس، إذ إن شرح الأساسيات لعامِل واحد لن يستغرق وقتاً طويلاً".
علق كيفاموس: "إذن اتفقنا".
وقال لسيدورون: "لديك أوامرك الجديدة الآن. ثلاثة فؤوس ومنشار وساتور واحد كل يوم. أيمكنك فعل ذلك؟"
أومأ سيدورون بثقة.
"بالتأكيد".
تردد لحظة، لكنه بدا كأنه حسم أمر ما.
"طلبت مني أن أكون صريحاً معك يا سيادي".
أومأ كيفاموس.
"حقاً. ما الذي يدور في ذهنك؟"
قال سيدورون: "كان مقترحك باستخدام عدد من العمال لمساعدتي مفيداً للغاية يا سيادي. لذا إن منحتني المزيد منهم، فقد أتمكن من إنتاج أدوات أكثر كل يوم. بالطبع لا يمكنني ضمان ذلك نظراً لوقوع بعض المشكلات أحياناً، لكن لا زلت قادراً على تقديم ما هو أفضل. حسناً، طالما أن سبائك الحديد لدي تكفي".
أثنى عليه كيفاموس: "هذا جيد للغاية! في الواقع"، وأضاف مفكراً في خطوط الإنتاج المتخصصة، "بدلاً من إسناد مهمة صنع أداة كاملة لعامِل واحد، اجعل كل عامِل يتخصص في إنجاز مهمة واحدة. على سبيل المثال، بينما تطرق أنت وحدك الأجزاء الحديدية حالياً، يمكن لعامِل واحد العمل على صنع مقابض جديدة من الخشب، ويمكن لآخر العمل على تثبيت رؤوس الفؤوس أو شفرات السواطير بالمقابض الجديدة، بينما يتولى آخر اختبارها وتثبيت المقابض بإحكام إن كانت مرتخية. بهذه الطريقة يتخصص كل منهم في أداء مهمة واحدة ويتحسن ببطء في تلك المهمة المحددة مع مزيد من الممارسة. يُسمى هذا التخصص، وسيجعل إنتاج الأدوات الجديدة أكثر كفاءة".
فكر سيدورون في الفكرة لدقيقة وهو يهمهم ناظراً نحو الأفق.
"يبدو هذا منطقياً يا سيادي. بالشكل الحالي، يتعين علي تدريب كل عامِل على فعل كل شيء، لكن بهذه الطريقة سيتعين علي تعليم عامِل مهمة واحدة فقط، مما يوفر وقتي أيضاً. سأفعلها هكذا من الآن فصاعداً".
أومأ كيفاموس وتابع: "لا تقلق بشأن الحديد، سيتمكن سيداس من إحضار المزيد منه في غضون أيام قليلة".
نظر إلى دوفاس.
"أرسل زوجين من الخدم لاحقاً للبحث عن الأدوات المكسورة أو أي خردة حديدية في القصر. غالباً ما تُلقى داخل الحظائر أو أماكن أخرى، لكن سيدورون سيتمكن من صنع أدوات جديدة منها. نحتاج إلى كل حدب الحديد الممكن حالياً لنطرق منه أدوات جديدة".
رد دوفاس: "سأفعل ذلك بعد هذه المحادثة".
تحدث سيدورون مجدداً: "بما أن صنع المنشار لا يستهلك حديداً بقدر صنع الفأْس أو الساتور، فأنا أقترح صنع المزيد منها حتى أحصل على المزيد من سبائك الحديد في غضون أيام. بهذه الطريقة سأستطيع توفير مناشير أكثر بكثير بدلاً من عدد قليل من السواطير أو الفؤوس".
نظر كيفاموس إلى ييدن لاستطلاع رأيه. هز المشرف كتفيه.
"هذا يناسبني يا سيادي، خاصة إن كان لأيام قليلة مقبلة. أفضّل الحصول على المزيد من الأدوات الآن حتى لو كانت مناشير بدلاً من الفؤوس، نظراً لوجود عدد كبير من العمال الذين يجلسون بلا عمل طوال اليوم بسبب نقص أدوات القطع".
"جيد. إذن استقر الأمر".
نظر كيفاموس إلى الحداد.
"اجعل المناشير أولوية على الأدوات الأخرى حتى يُحضر سيداس المزيد من سبائك الحديد".
أومأ سيدورون بحزم رداً على ذلك.
"حسناً، يمكنكما الانصراف الآن".
إثر ذلك، انحنى له سيدورون وييدن واستدارا عائدين نحو بوابات القصر.
~ تسيب ~ ~ مكان ما جنوب سينران ~ بعد مغادرة معسكرهم في الساحة القريبة من نزل هيلغا صباحاً، واصلوا رحلتهم باتجاه سينران. اتخذ تسيب مكاناً هذه المرة على العربة الوسطى برفقة يوفيم، وبعد السفر طوال اليوم، اقتربا الآن من بلدة سينران الصاخبة. صار الوقت قريباً من حلول الظلام، لكن أسوار سينران الحجرية بدت واضحة بالفعل في الشمال البعيد، مع مشاعل متوقدة وفوانيس موزعة بمسافات متساوية فوق السور.
حوليها، امتدت حقول زراعية كثيرة خاوية على جانبي الطريق، إذ لا بد أن الحصاد قد تم منذ مدة.
سأل يوفيم بحماسة: "برأيك، ما حجم سينران؟"
نظر تسيب إلى الأسوار المتقربة.
"لا يمكنني الجزم حقاً. آخر مرة جئت فيها إلى هنا كنت في السابعة من عمري على ما أعتقد. بالكاد أتذكر شيئاً من ذلك الوقت."
"حسنًأ، لابد أن لديك بعض الذكريات لتلك الفترة، على عكسي أنا، إذ أخذتني والدتي إلى تيرانات عندما تأسست ولم أكن سوى رضيع."
تمتم تسيب بابتسامة خبيثة: "يمكن للمرء أن يجادل في أنك لا تزال كذلك..."
تأفف يوفيم.
"اصمت! أنت لئيم!"
هز تسيب رأسه وحسب أمام تصرفات الرامي الطفولية وتطلع إلى الأمام بينما واصلت القافلة مسيرها على درب التراب. وسماعه صوت ماء جارٍ بالقرب، التفت إلى يمينه ليتبين بصعوبة نهراً يجري على ضوء القمر، على مسافة ليست بعيدة.
"لا بد أن هذا هو نهر كال."
تذمر يوفيم: "أريد السباحة فيه! إنه لأمر محبط حقاً ألا يوجد نهر في تيرانات."
"هل تعرف السباحة أساساً؟"
أدار يوفيم وجهه هارباً بنظره.
"لا يزال بإمكاني التعلم..."
تمتم بذلك. لم يستطع تسيب إلا إطلاق ضحكة خفيفة على ذلك الرد. ومع وصول القافلة قرب أجمة من الأشجار، شرعت العربات التي تتقدمهم تخفف سرعة سيرها، قبل أن تتوقف تماماً.
سأل يوفيم بينما أوقف عربتهم الخاصة مطلقاً نظرات متفحصة حولهم بحذر: "لماذا نتوقف الآن بالفعل؟"
لم يضطرا للتساؤل طويلاً إذ هب حارس آخر جارياً نحو العربات كلها، طالباً منهم التجمع معاً.
وما إن اجتمع الحراس جميعاً قرب منتصف القافلة، قال فيروي: "الآن وقد أصبحنا وشيكين، يتوجب علينا تغيير مظهر القافلة."
ومقلياً بنظره نحو التاجر الواقف بالقرب، أردف: "أبلغني السيد بيداس بوجود الكثير من الأسئلة غير الضرورية عند البوابة إن دخلنا برفقة اثني عشر حارساً مسلحاً. ولا خطر حقيقي من قيام شخص بنبش القافلة وسلبها داخل المدينة، لذا أنا تارك هنا نصف حراسنا. لن ندخل سوى بسائق واحد لكل عربة، مع ترك معظم أسلحتهم مع أولئك الذين سيبقون هنا. وبهذه الطريقة، لن يظن أي ناظر سوى أننا سائقو عربات لا حراس مدربون."
ثم زاد بعد هنيهة: "نحن اثنا عشر، باستثناء السيد بيداس وحارسه الخاص، لذا سيمضي ستة من حراس الإقطاعية إلى داخل البلدة بصفتهم سائقين لكل عربة، بينما يتوجب على البقية البقاء هنا. سيساعدنا هذا أيضاً في حال لاحظ استكشافي لجماعة قطاع طرق مغادرة القافلة بحارس واحد فقط لكل عربة، إذ لن يتوقعوا امتلاكنا فعلياً لضعف عدد الحراس الذي توقعوه. كما أنني تارك هنا أحد الخيول - أحد تلك التي تجر العربة المتضررة، تحسباً لاحتياجكم التواصل معي سريعاً لأي سبب."
واستطرد: "بما أن الحراس الجدداً سيجعلون الأمر واضحاً للغاية لكل متطفل في البلدة بأن القافلة ليست محمية بالقدر الذي تبدو عليه، فسأبقى الحراس الجدد هنا. ستبقون جميعاً داخل هذه الأجمة."
وأطال النظرة بحدة إلى الحراس الجدد قاطبة.
"لا تغادروا هذا المكان، خصوصاً في ضوء النهار. هذه أوامر!"
أومأ تسيب والحراس الجدد الآخرون عند سماع ذلك.
وضع نوروبو كلتا يديه على جانبي بطنه الضخم وقال: "ما زالوا بحاجة لمن يراقبهم هنا."
أومأ فيروي ببطء.
"هذه فكرة جيدة. إذن ينبغي أن تبقى هنا."
وتمعن النظر في الحراس الجدد بحذر قبل أن يقول: "تسيب، تعال معي عوضاً عن نوروبو."
أومأ تسيب إجابة على ذلك، بينما تذمر يوفيم: "هذا ليس عادلاً... أريد رؤية البلدة أيضاً!"
وبخه تسيب: "اصمت أيها الأحمق. لست هنا للاستمتاع بالمناظر!"
اكتفى يوفيم بالتملي في الأرض متأففاً. سلم الحراس الذاهبون إلى داخل البلدة معظم أسلحتهم إلى نوروبو والآخرين الباقين في الخلف، بينما احتفظ معظمهم بخنجر فقط. غير أن فيروي وحارس بيداس الخاص احتفظا بسيفيهما. ونقلوا أيضاً بعضاً من طعامهم المخزن من العربات لأولئك الذين سيمكثون في هذه الأجمة.
قال فيروي للذين سيبقون بالخلف: "سيستغرق الأمر يوماً كاملاً تقريباً غداً لنقل الفحم كله فضلاً عن شراء أكياس الحب وكل ما نحتاجه، لذا لا جدوى من مغادرة البلدة مساء الغد. وعليه سيتعين عليكم جميعاً قضاء ليلتين هنا. سأحضر القافلة بعد غدٍ حوالي الفجر، فكونوا مستعدين للمغادرة بحلول ذلك الوقت."
أومأ نوروبو: "لا تقلق يا فيروي، سأعتني بالأمور هنا."
أومأ فيروي: "جيد."
ولم يمر وقت طويل حتى عاد تسيب والحراس الآخرون لاحتلال مقاعدهم على العربات مجدداً، بحارس واحد فقط لكل عربة هذه المرة، وبضربة خفيفة على الأعنة، انطلقت القافلة مفجوعة إلى الأمام من جديد. وسريعاً، بلغت القافلة طريق التراب المجاور لأسوار البلدة، قبل أن تصل إلى البوابات أخيراً. فرأى تسيب ثلاثة حراس عند البوابات المغلقة، يقفون بجوار مجمرة مشتعلة. ومع معاينتهم للقافلة المقتربة، رفع أحدهم يديه لإيقافهم.
سأل أحد حراس البوابة بصوت جهير: "قف مكانك هناك! ما شأنكم هنا؟"
كان تسيب متخلفاً بما يكفي خلف العربة المقدمة بحيث تعذر عليه سماع الرد الذي قيل على ذلك. ولوقت قصير، تباحث بيداس فيروي، اللذان كانا في العربة المتقدمة الآن، في أمر ما مع الحراس. وسرعان ما بدا أنهما يناولان ما شابه بعض القطع النقدية للحارس، الذي ظهرت على محياه ابتسامة الآن. وأخيراً، فتح حارس آخر البوابات، ملوحاً لهم بالدخول، فولجت القافلة البلدة. وحين دخلت عربة تسيب الخاصة البوابات، رأى أسوار البلدة الحجرية العظيمة تمر من فوقه.
وفكر بحسرة أنه لو امتلكوا شيئاً مماثلاً في تيرانات، لما تعرض منزله للنهب والحرق على يد قطاع الطرق. هز رأسه ببطء. كانت سينران مقر الإيرل، وبدت بلدة كبرى، على عكس القرية الفقيرة المسماة تيرانات. لم تكن تلك مقارنة عادلة. وكيف لقرية صغيرة أن تنافس بلدة مثل سينران! لكن هذه الأسوار ستضمن على الأقل سلامة أخته هنا. بدا المكان داكناً داخل البوابات. فقد ظن أن مشاعل وفوانيس متوقدة ستملأ الأرجاء داخل البلدة، لكنه لم يكد يلمح سوى قلة من المشاعل هنا وهناك باستثناء تلك التي تعلو أسوار البلدة.
وتوقع أيضاً اكتظاظ الشارع بالبشر حتى في مثل هذا الوقت، لكن لعلّه سمع كثيراً من القصص الفخمة عن البلدات والمدن الكبرى. وعلى أي حال، سيتمكن غدًا من رؤية سوق سينران الضخم، بخلاف يوفيم، الذي لا بد أنه ما زال يتأفف في تلك الأجمة. ولم يستطع منع ابتسامة صغيرة من الارتسام على شفتيه وهو يفكر بصديقه الذي بدا و كأنه لا يزال غريراً للغاية. وما إن انعطفت القافلة بضع انعطافات، حتى دخلت ما بدا أنه نزل، مع ساحة واسعة وخاوية لركن العربات.
وراحت العربات تركن الواحدة تلو الأخرى بجانب بعضها، بينما فُكت الخيول عنها لسقيها وإطعامها.
جمع فيروي الجميع معاً، وقال: "هنا سنمضي الليلة. سيحجز السيد بيداس وحارسه الخاص غرفة في النزل نفسه، بينما ستكون الليلة الأخرى تخيماً تحت العربة لباقي رفقائنا."
بدا منطقياً أن يلزم الحراس العربات لحماية حمولتها، بيد أن تسيب توقع بعض التأفف إزاء ذلك. لكن الحراس الآخرين اكتفوا بإيماءات صارمة بعد سماع الأمر. وتجلى في ذلك الفارق بين المخضرمين المتمرسين، والمجندين الجدد من أمثاله ويوفيم. ووطّن نفسه لليوم التالي — فهو هنا لحماية القافلة لا للتنزه، تماماً كما أخبر يوفيم آنفاً.
* * *
* * *