نهض نوروبو عن مقعده وطفقت عيناه تمسحان المكان بحذر.
قال: "لا يهم الأمر الآن. لقد بلغنا النزل تقريباً على أي حال."
أشار إلى الأمام وميل طفيف إلى اليمين.
"النزل أمامنا في تلك النواحي، على بعد نحو خمسمائة ياردة ربما."
وفي أثناء الانتظار، التقط نوروبو قوسه وأمسك ببضع سهام بيده، بينما استمر في تفقد المحيط بحذر.
"استعد بسيفك. لا بد أن هناك سبباً جعل فيروي يوقفنا هنا."
قبل أن يمضي وقت طويل، عاد فيروي مهرولاً وهو يتوقف لبرهة عند كل عربة ليحدث من فيها.
وحين بلغ عربتهم قال: "سنقف هنا الآن. بعد التأكد من خلو الجوار من أي خطر"، وأردف مشيراً إلى يسار الطريق: "سنقيم معسكراً في مساحة خالية أعرفها هناك. قربوا العربات بعضها من بعض الآن، ثم تجمعوا حولها."
أومأ فيروي برأسه وانتقل إلى الخلف ليحدث حراس العربة الأخيرة. شد نوروبو الأجزام مجدداً ليدني عربتهم ببطء من العربة التي تقدمتهم والتي كانت تفعل المثل. غير أن العربات لم تلبث أن توقفت مجدداً، وكانت هذه المرة أقرب بكثير بعضها إلى بعض.
تكلم فيروي الذي كان يمشي بالجوار مطلاً على محيطهم: "ليجتمع هنا الجميع عدا من في العربة المقدمة والمؤخرة. أما البقية فابقوا هناك للمراقبة حولنا."
ترجل تسيب ونوروبو عن مقعد العربة ومشا نحو فيروي. وتحرك حراس آخرون والتاجر القلق دائماً نحو المكان أيضاً. وحين اقتربوا جميعاً، عاد فيروي بالكلام.
"السيد بيداس، ابق هنا الآن. سأشكل ثلاث مجموعات، تضم كل مجموعة رجلين لتفقد هذه المنطقة."
وأشار إلى تسيب وحارس آخر.
"ستذهبان لتفقد المنطقة الواقعة شرق الطريق."
ثم أشار إلى اثنين آخرين وقال: "سبق لكلاكما أن زرتما النزل، فاذها وتفحصاه بعناية. تأكدا مما إذا كانت هناك آثار حديثة لأناس يمشون هناك، وما إن كانت هناك علامات تدل على اقتحام النزل."
وتابع: "ستبقيان هنا يا نوروبو ويا يوفيم مع بقية الحراس. استعدا بقوسيكما. سأصحب معي حارساً إلى الغرب لأتفقد مساحة خالية جيدة أعرفها. بافتراض أن الأمور على ما يرام، سنعسكر هناك طوال الليل."
سأل يوفيم: "لم لا نمكث في النزل نفسه؟ ألن يكون ذلك أضمن من التخييم في العراء؟"
وبخ فيروي الحارس الجديد قائلاً: "لأننا لسنا هنا لنكون في أمان. نحن هنا لحماية القافلة. ذلك النزل هو المكان الوحيد المعروف في هذه المنطقة، وإن كان هناك لصوص يستطلعون الأرجح أنهم يراقبون النزل. ولهذا كان البقاء في تلك البقعة الخالية القريبة أفضل."
وأوضح قائلاً: "حتى وإن استبعدنا وجود لصوص في هذه النواحي الآن لقلة سالكي هذا الطريق هذه الأيام، فلا يمكننا المجازفة أبداً. بقاء تيرانات في الشتاء القادم منوط بحماية هذه القافلة والعودة بكل الحبوب التي نحتاجها. هيا تحركوا!"
بناء على أمر فيروي، توجه الجميع لتفقد المحيط في الاتجاهات المخصصة لهم. تبع تسيب خلف حارس خبير سار باتجاه الشرق. سرت قشعريرة في بدنه حين غادر الدرب المأطوء ودخل الغابة الكثيفة بينما كانت الظلال تمد أطرافها مع وقت الغوب. وسرعان ما تداعت أصوات الحراس المألوفة لتستبدل بها أصوات الطبيعة، كحفيف الأوراق على الأرض ونعيق طائر بعيد. بعد أن قطعا مسافة إضافية إلى الأمام، سمع صوت تقطير أغصان تحت شيء ما.
بادر الحارس الآخر إلى مد يده أمام تسيب وهمس: "انتظر..."
توقف تسيب عن المسير فوراً وبسط يدي ببطء على مقبض سيفه. خفق قلبه في صدره بمزيج من الترقب والرهبة. ولم يلبثا أن رأيا خنزيراً برياً مكتمل النمو يبرز قريباً من خلف جذع شقية فيداروس الثخين. رمقهما بنظرة لبرهة، ثم مضى في طريقه ببطء وحده تاركاً إياهما وشأنهما في الوقت الراهن. سلط اللقاء الخاطف الضوء على مخاطر الغابة، وهي البعيدة هكذا عن القرية التي عاش فيها طوال جل حياته.
كان قلبه ما زال يخفق بجنون وهو يحاول تفقد كل شبر دفعة واحدة عله يتبين مصدر الخطر القادم. بيد أن الحارس الملاصق له بدا هادئ المحيا، تنقل نظراته الثابتة في الأرجحاء، مع استئنافهما المسير.
ولعل الإحساس بالقلق لديه جعله يقول: "ستكون الأمور على ما يرام، لا تقلق. أبق عينيك مفتوحتين حولك فحسب."
أومأ تسيب برأسه محاولاً إخفاء خوفه بهزة كتف مبالغ في لامبالاتها. بدا كل ظل هنا مخفياً لتهديد محتمل، وكل حفيف ورق نذير خطر. لكنه أبى أن يدع الخوف يتحكم في أفعاله. لقد صار مقاتلاً الآن، وكان واجبه قهر الصعاب. ولم تكن هذه الغابة الكثيفة سوى تحد آخر ينبغي اجتيازه. أرغم نفسه ببطء على الاسترخاء والتركيز على المهمة الماثلة، ومضى قدماً بعزيمة متجددة وعيناه تفليان الغابة بحثاً عن أي بوادر خطر.
قريباً، أتما تفقد الاتجاه المخصص لهما والتفتا عائديْن صوب القافلة. وما إن بلغاها حتى رأى أن المجموعات الأخرى قد عادت بالفعل.
وحين لمحهم، تكلم فيروي: "لقد عدتم أنتم أيضاً. أرايتم شيئاً؟"
هز الحارس الآخر رأسه.
"رأينا خنزيراً برياً هناك، وما عدا ذلك فلا شيء يذكر في تلك الناحية. لم نجد أي آثار لأناس آخرين تواجدوا هناك حديثاً."
أومأ فيروي: "جيد. إذن يفترض أن تكون هذه المنطقة آمنة لهذه الليلة. لننقل القافلة إلى المساحة الخالية في الغرب."
وألقى نظرة على الجميع لبرهة، ثم أشار إلى حارس خبير وقال: "اذهب أنت ويا يوفيم وحاولا رؤية ما إن كنتما ستظفران بشيء لوجبة عشاء الليلة. حاولا العود قبل حلول الظلام."
سأل يوفيم مستغرباً: "لكن ما زالت بحوزتنا الحصص التي أعطيت لنا لأجل الرحلة. لم نحتاج للصيد الآن؟"
كشّر فيروي في وجهه.
"أرأيت مخازن الطعام تفيض في القصر؟ ينبغي أن نسعى لحفظ ما نستطيع."
ووبخ الرامي الشاب أكثر: "لست أميراً في رحلة استجمام يحمل فيها الخدم أوزاراً من الطعام لأجلك. في المستقبل، متى ما كنت في رحلة، تذكر دائماً أن حفظ اللحوم المجففة أفضل، واجعل اعتمادك في وجباتك على اللحوم الطازجة والفواكه. لا تدري متى تحتاجها إن طالت رحلتك عن المعتاد، أو إن ضللت الطريق وانفصلت عن الآخرين، ولا سيما في هذه الغابات. والآن انطلق."
بدا يوفيم متجهماً ولم ينبس بببنة. وبعقدة رأس منه ومعه الحارس الآخر، غادرا مجدداً إلى الغابات. وأرسل حارساً آخران للبحث عن أي ثمار أو جوز صالح للأكل في المنطقة. أدخل البقية العربات إلى المساحة الخالية في الجانب الغربي. كانت منطقة عشبية رحبة واسعة تكفي لاصطفاف جميع العربات في حلقة مرخية. أخبر نوروبو تسيب أن العربات ستغدو مترساً في جميع الاتجاهات، وبإمكانهم إطلاق السهام بأمان من خلفها إن وقع هجوم.
وربطت الخيول أيضاً بالأشجار القريبة لترعى، مع أنه سيُعاد إدخالها إلى دائرة العربات حين يخلدون للنيل. وكان الحراس الخبراء يضعون بعض الفخاخ حول المكان لاصطياد أي حيوانات صغيرة في الليل. وربد حبل رفيع تثبت به عصي خشبية حول المعسكر أيضاً ليكون وسيلة إنذار مبكر. ومع بدء غياب النور، اشتدت الريح وشرعت الأجواء تبرد قليلاً. كان فيروي قد أرسل بضعة حراس جدد لإحضار بعض حطب النيران قبل قليل، وسرعان ما أوقدوا ناراً صغيرة في وسط الدائرة.
ولم يبرح يوفيم والآخرون حتى عادوا حاملين معهم أرنبين وبعض الثمار. لم يكن ذلك بالكثير، لكنه سيقلص قدر الحصص المجففة التي سيضطرون لاستهلاكها. وفي أثناء انتظاره لنضج الطعام، جلس تسيب على الحافة الشمالية للمعسكر متأملاً في مجريات اليوم. ولم يطُل به الأمر حتى رأى يوفيم مقبلاً نحوه، فجلس على الجذع الذي كان يجلس عليه.
"خذ هذا."
ناول الرامي وعاءً خشبياً من يخنة الأرنب إليه، محتضناً وعاء آخر لنفسه. وكان قد جلب معه بعض الخبز الذي وزع عليهم صباحاً.
في أثناء تناول وجبتهما، قال يوفيم: "حياة الحراس ليست سيئة إذن، أليس كذلك؟"
احتسى تسيب شيئاً من اليخنة الدافئة وقال: "ربما."
وبما أنها المرة الأولى التي يغادر فيها كنف والديه منذ أن كان طفلاً، فقد كان يشتاق إليهما. لكن العزاء الوحيد على الأقل أنه سيحظى بلقاء أخته في سينران بعد غياب طويل.
تحدث يوفيم وهو يغمس خبزه في اليخنة قبل أن يقضم منه لقمة: "أوكل إلينا فيروي نوبة الحراسة الأولى."
أومأ تسيب: "أسنكون نحن الوحيدين في الحراسة؟"
أجاب يوفيم: "قال نوروبو إنه سيكون هناك أربعة حراس في المراقبة طوال الوقت. وعلينا تسيير دوريات حول المعسكر أيضاً."
أومأ تسيب رداً على ذلك. وعاد فرمق الرامي بنظرة.
"لمَ لا تفتأ تطرح هذه الأسئلة الحمقاء على فيروي؟"
"ماذا؟"
رفع يوفيم حاجبيه.
"تلك كانت أسئلة حقيقية! كيف لي أن أعلم أنه يبتغي لحماً طازجاً؟"
هز تسيب رأسه مبتسماً.
"أنت أبله. لا أعلم لِمَ اختارك هودان أصلاً."
ابتسم يوفيم باتساع: "لأني أفضل رامٍ هنا!"
ضحك تسيب على صديقه الجديد: "بالتأكيد أنت كذلك..."
~ كيفاموس ~ كان العصر قد انتصف من اليوم التالي، وكان كيفاموس جابساً داخل قاعة القصر.
دخل دوفاس القاعة، وقال: "يا سيّدي، أخبرني تانيوك بأنّ جرّار الجذوع جاهز".
أثنى كيفاموس: "هذا رائع! أين هو؟"
أجاب دوفاس: "بناه في دكانه، لكنّي طلبت من عاملين نقله إلى شمال القرية. لكن إن أردت رؤيته، فسيُوشك جرّار الجذوع على المرور أمام القصر قريباً".
نهض كيفاموس.
"لنلقِ نظرة عليه".
غادرا القاعة ومضيا إلى بوابتي القصر. ولم يلبث أن رأى حصانين يدخلان الفناء المفتوح أمام القصر من اليسار. كانا يجرّان خلفهما أول آلة في تيرانات. تصل عجنتان خشبيتان ضخمتان بمحور أثخن بينهما. لُفّ المحور بجلد أملس، وبدا مدهوناً بالشمع أيضاً لتقليص الاحتكاك بالحلقات المربوطة به، تماماً مثلما تحدثا. كان تانيوك، الماشي بجانب جرّار الجذوع، بالكاد يبلغ قامة العجلتين نفسيهما.
لم يبدو بالأمر المميز للوهلة الأولى، حين فكر كيفاموس بالآلات الضخمة الموجودة على الأرض لكل شيء أساساً. لكنّ هذه لم تكن الأرض، وظلت أفضل بكثير من سحب الجذوع مسطحة على الأرض. حين لاحظهما تانيوك، مشى نحوه وحياه بانحناءة.
"لقد تمّ الأمر، يا سيّدي الظل. استغرق وقتاً أطول ممّا ظننت، لكنّه يجب أن يعمل بصورة جيدة".
علّق كيفاموس، ناظراً إلى جرّار الجذوع الذي توقف أمام البوابات، كي يكدس الخدم المزيد من الحبال على الحصانين: "يبدو متيناً كفاية بالفعل! أحسنت!"
نظر إليه تانيوك بذهول، ثم تقبل الثناء بإيماءة.
وأضاف: "شكراً لك، يا سيّدي. الآن بعد اكتمال هذا، ينبغي لي الشروع في صنع الألواح".
أومأ كيفاموس.
"بالتأكيد. امضِ إذن".
بانحناءة سريعة أخرى، تركهما تانيوك للعودة إلى العمل. التفت كيفاموس إلى دوفاس.
"نأمل أن يتمكن بيداس من جلب ما يكفي من المسامير من سينران. لقد تأخر تقطيع الألواح طويلاً".
أعطى دوفاس إيماءة رداً.
تابع كيفاموس: "هذا يذكرني، ماذا عن المنازل التي احترقت؟ هل يمكننا إنقاذ أي شيء منها؟"
* * *