أومأ كيفاموس برأسه إلى غورسازو محاولاً إخفاء ابتسامته. شعر بقليل من السوء لخداع غورسازو بهذه الطريقة، غير أن الأمر كان حتمياً لإرساء الأساس لاختراع أي من تلك الآلات مستقبلاً. شرع يرسم مخططاً تقريبياً على التراب مستخدماً عصا خشبية مدببة عثر عليها ملقاة بالجوار.
وصف قائلاً: "ببساطة، هي إطار خشبي يضم صندوقاً صغيراً لتخزين البذور وسلسلة من الأنابيب، لكل منها فتحة صغيرة في الأسفل".
وتابع: "من الأفضل أن تكون الأرض محروثة مسبقاً، سيما وأنها المرة الأولى التي سنبذر فيها شيئاً في هذه الأراضي. بعد ذلك، ستقوم آلة البذار التي سيسحبها زوج من الخيول بشق خطوط رفيعة في الحقل"، وأكمل: "وستسقط البذور في تلك الخطوط أثناء تحركنا عبر الحقل. يمكننا التحكم بعمق البذور عبر تعديل الأنابيب قبل البذر، وخلف الآلة يمكننا أيضاً إضافة لوح خشبي أو ربما سلسلة من الحديد أو حتى حلقات خشبية لتغطية الخطوط بشكل فضفاض كلما تقدمت الآلة إلى الأمام".
تأمل غورسازو الرسم البدائي وقد ارتسمت على وجهه مشاعر متفرقة بين الحيرة والفضول.
اعترف قائلاً: "يبدو الأمر معقداً. أيمكننا حقاً صنع شيء كهذا هنا؟"
سأل بشيء من الريبة.
وافق كيفاموس: "أعلم أن الأمر سيتطلب بضع محاولات لضبطه بالشكل الصحيح. لكن الفوائد ستستحق العناء بلا شك".
ومع ذلك، كانت عيناه بينوتو قد تغلغل فيهما بريق الحماس بالفعل.
قال بحماس بالغ: "أنت محقي يا سيّدي! سيوفر هذا علينا الكثير من الوقت والجهد!"
وأردف: "عادةً ما يُهدر عدد كبير من البذور ولا تنمو لتصبح نباتات كاملة، نظراً لأن كثيراً منها لا يُغطى تماماً بالتربة. كما أنها قد تنبت مبكراً جداً أو متأخراً جداً، بناءً على العمق الذي تستقر فيه عند نثرها يدوياً، مما يعني غالباً عدم بقاء النبات حياً لفترة طويلة. لكن هذه الآلة ستمنع ذلك بسهولة!"
في هذه اللحظة لم يكن بينوتو ينظر حتى إلى أي شخص قربه. بل شرد بنظره نحو الأفق مستمراً في الكلام وقد اتسعت عيناه ذهولاً.
"وعبر الحفاظ على مسافة ثابتة بين صفوف النباتات، ستصبح إزالة الأعشاب الضارة أسهل بكثير أيضاً".
أومأ برأسه لنفسه مسترسلاً في سلسلة أفكاره.
"إذا استطعت هذه... آلة البذار وضع البذور أيضاً على عمق ثابت تحت التربة وتغطيتها بعد البذر، فلن تتمكن الطيور والقوارض من أكل البذور كذلك!"
وبدا متهللاً وهو يتابع: "والبذور التي لن تضيع هباءً، يمكننا زراعتها في حقل آخر، مما سيسهم في تحسين الإنتاج الإجمالي!"
وأخيراً، هز رأسه وقال: "سيّدي، لا يمكنني الجزم تماماً دون أن أرى... آلة كهذه قيد العمل، لكن إن كانت قادرة حقاً على فعل كل ما ادعيت، فاستطيع بوضوح تخيل الإنتاج مضاعفاً أو حتى متضاعفاً ثلاث مرات!"
غير أن مسحة من الشك تسللت إلى نبرته وهو ينظر إلى كيفاموس.
"لكن أيمكن حقاً صنع آلة معجزة كهذه هنا؟"
رسم كيفاموس ابتسامة رضا.
أجاب: "سترى بنفسك. بمجرد أن أنتهي من بناء آلة البذار الأولى، يمكنك الحكم بنفسك".
تدخل غورسازو قائلاً: "لكن أقرأت عن هذه الآلة في كتبك أيضاً؟ أظنني كنت لأسمع بأمر مماثل لو وجد في أي مكان".
هز كيفاموس رأسه نافياً.
اعترف قائلاً: "على الإطلاق. الكتب التي قرأتها هناك لم تأتِ على ذكر أي شيء كهذا. لكن كما أخبرتك سابقاً، طالما راودتني أفكار كهذه في عقلي. لذا حين أدركت أننا سنحتاج إلى الزراعة على نطاق واسع هنا، أمضيت وقتاً طويلاً في التفكير في الأمر".
وأشار بيمينه حركة واسعة نحو الغابات البرية البكر من حوله.
"كما تعلمون، نحن بحاجة إلى كل ميزة ننتزعها هنا لننجو في تيرانات".
أقر غورسازو قائلاً: "هذا صحيح تماماً".
واصل كيفاموس حديثه: "في النهاية، راودتني فكرة صنع آلة تقلل من هدر الكمية المحدودة من البذور التي يمكننا شراؤها بأموالنا، وتعمل في الوقت ذاته على تحسين المحاصيل".
وأمعن النظر في المحيطين به.
"والأهم بالنسبة لنا هنا، باستخدام آلة البذار، يمكننا تغطية مساحة أكبر بكثير في وقت أقصر، وبنفس عدد المزارعين. وهذا يعني، طالما تمكنا من تجهيز ما يكفي من الأرض للزراعة، فيجب أن نكون قادرين على إنتاج كل طعامنا هنا، والتوقف عن الاعتماد على تجار سينران الذين يفرضون أسعاراً خيالية مقابل الحبوب".
بدا الحراس الذين جاؤوا معه منسصتين باهتمام بالغ أيضاً، وقد تراءى في أعيانهم وميظ من التقديس. نظر إليه بينوتو بتمعن لفترة.
وفي النهاية، ابتسم ورمق سماء الظهيرة قائلاً: "لا بد أن الملكة قد استجابت أخيراً لدعواتنا حين أرسلتك باروناً جديداً إلى هنا. والحقيقة أن أغلبنا قد فقد أي أمل تقريباً قبل وصولك إلى تيرانات".
ونظر إلى القرويين وهم يعملون بجد لإزالة الأدغال المجاورة، وقال بعيون دامعة: "أعتقد أنني أتحدث نيابة عن جميع القرويين حين أقول إنني سعيد لكونك أنت من أُرسل ليصبح باروننا الجديد".
وانحنى بعمق.
"شكراً لك يا سيّدي، لتفكيرك فينا نحن العامة أيضاً. إنها تجربة جديدة تماماً بالنسبة لنا، فلست معتادين على ذلك".
بصرف النظر عن بينوتو، بدا أن أحد الحراس الشباب الذين جاؤوا معهم، والذي ربما كان مجنداً جديداً، قد تأثر عاطفياً هو الآخر. وحين التفت إليه كيفاموس، اكتفى الحراس بتمتمة كلمات مبهمة عن دخول الغبار في عينيه. لقد أبرزت ردود أفعالهم بوضوح مدى القهر الذي يعانيه القرويون، لدرجة أن مجرد احتمال الحصول على ما يكفي من الحبوب بسعر معقول لإطعام عائلاتهم كان كفيلًا بملء عيونهم بالدموع.
اكتفى كيفاموس بالابتسام واقترب من بينوتو ليطبطب على كتفه.
"لا تقلق يا بينوتو. سأبذل قصارى جهدي من أجل كل فرد في هذه القرية".
استقام بينوتو في وقفته ومسح عينيه بكمّيه.
"أعلم أنك ستفعل يا سيّدي. ليس لدي أدنى شك في ذلك".
وأضاف: "أعطيك كلمتي بأنني سأبذل كل جهد ممكن لإنجاح هذه الخطة الزراعية. يمكنك الاعتماد علي".
بدأ كيفاموس كلامه: "فلنحدد إذن مساحة الأرض التي نحتاج إلى زراعتها لإطعام القرية بأكملها. فحسب ما أخبرني به دوفاس سابقاً، نحتاج إلى نحو كيس ونصف الكيس من الحبوب لإطعام القرية طوال اليوم".
وكان يستعيد من ذكريات كيفاموس الأصليّ أن السنة هنا تكاد تقارب طولها على الأرض بنحو ثلاث مئة وسبعين يوماً، مقسمة إلى اثني عشر شهراً غير متساوية يفوق كل منها الثلاثين قُليلاً.
وتابع قائلاً: "بناءً على ذلك الرقم، نحتاج إلى نحو خمس مئة وخمسين كيس حبوب لإطعام القرية طوال العام. لكن مع احتساب بعض الحبوب الإضافية تحسباً للتلف، فلنخطط لست مئة كيس بوصفها الحد الأدنى الذي يجب أن نستهدفه لإطعام القرويين جميعا".
قاطعـه غورسازو: "يا سيّدي، يجب أن نترك جانباً بعض الحبوب لنستعملها بذاراً للموسم القادم، حتى لا نضطر إلى شراء مزيد من البذار من سينران بعد الحصاد الأول".
أومأ كيفاموس.
"هذا اقتراح سديد للغاية".
والتفت إلى بينوتو.
"كم كيس حبوب تظن أن علينا الاحتفاظ به لهذا الغرض؟"
فكر بينوتو لحظة قبل أن يجيب: "عادةً يا سيّدي، اعتدنا الحصول على نحو عشر حبوب قمح جديدة مقابل كل حبة تُبذر. وبناءً على ذلك، ولكي نستهدف ست مئة كيس حبوب، سنحتاج إلى... اممم..."
ثم تلاشى صوته. فأعطاه كيفاموس الإجوبة، مؤدياً حساباً بسيطاً كان لا يزال صعباً للغاية على المزارع السابق.
"ستون كيسًا. هذا الرقم مبنيّ على تجاربك السابقة مع ذلك. لكني أؤمن أننا سنكون قادرين على تحقيق محصول أفضل باستخدام آلات بذر البذور. ورغم ذلك، ولكي نكون في الجانب الآمن، فلنضف ستين كيس حبوب أخرى لنستخدمها بذاراً في الموسم القادم. وهذا يعني أن هدفنا هو حصاد ست مئة وستين كيس حبوب لنأخذ كل شيء في الاعتبار".
وتابع: "والآن، ست مئة وستون كيسًا تعادل نحو... شيئاً ما بين ثمانين وثمانية وثمانين ألف كيلوغرام من الحبوب. فلنقل خمسة وثمانين طناً بالمقياس المتريّ، حيث يعادل الطن الواحد ألف كيلوغرام من الوزن".
وبعد أن رمق وجوه الآخرين بنظرة سريعة، أضاف: "والآن، بناءً على الإنتاجية الحالية للمزارع هنا، حيث نحصل على خمسة وسبعين من مئة من الطن للهكتار الواحد، فإننا نحتاج إلى ما يزيد قليلاً عن مئة وعشرة هكتارات لإطعام القرية بأكملها لعام كامل، مع بقاء ما يكفي من الحبوب للاستخدام بذاراً للعام القادم. وهذا يعني أننا بحاجة إلى إخلاء مساحة من الغابة تقارب ألفاً ومئة متر في ألف ومئة متر لنستخدمها في الزراعة".
بدا الارتباك على وجه بينوتو عند سماع الأرقام، فسأل: "الغفران يا سيّدي، ولكن كم يبلغ ذلك بالفدان؟"
أخذ كيفاموس لحظة للتفكير، محاولاً تحويل الأرقام، فقال: "نحتاج إلى نحو مئة وثمانين فدانًا من الأراضي الزراعية على ما أظن، حيث يتعين علينا زراعة القمح".
أومأ بينوتو ببطء.
"هذا ما يمكنني فهمه. إنها مساحة كبيرة حقاً، ولكن بما أن الشيء الوحيد الذي لا نكابده نقصاً منه في تيرانات هو الأرض، فيجب أن يكون الأمر قابلاً للتحقق بمجرد أن نخلي مساحة كافية للزراعة".
أجاب كيفاموس: "حقا. وبقليل من الحظّ، لن نعاني أي نقص في حبوب الطعام ابتداءً من العام القادم".
أومأ غورسازو بدوره.
"نأمل ذلك يا سيّدي".
تفرّس كيفاموس في القرويين العاملين تحت شمس الظهيرة المبكرة للحظة وقال: "حسناً، وبما أن لدينا الآن فكرة أساسية عما يتعين علينا فعله، فيجب أن نعود".
والتفت إلى المزارع السابق.
"بينوتو، سأستدعيك مجدداً في الأسابيع القادمة لأطلب مساعدتك في تصميم محراث. وحتى ذلك الحين، يمكنك إما البقاء هنا لإشراف على العمال، أو العودة إلى منزلك. الأمر متروك لك".
لم يستغرق بينوتو وقتاً طويلاً لاتخاذ قراره.
فقال: "سأبقى هنا لبعض الوقت إذن يا سيّدي. لم يكن هناك سبب يجعلني أتجوّل هنا سابقاً، سيّما مع مخاطر الوحوش الضارية هنا، ولكن مع وجود هذا العدد الكبير من الناس هنا بالفعل، أظن أن عليّ اغتنام هذه الفرصة لإلقاء نظرة أفضل على الأرض".
أومأ كيفاموس.
"بالتأكيد، عليك فعل ذلك".
وعندها انحنى بينوتو ومشى نحو القرويين العاملين بالقرب من هناك. نظر كيفاموس إلى غورسازو.
"لنعد الآن".
وبينما بدأت مجموعتهم الصغيرة تسير في طريق عودتهم، رأى مجموعة من النساء قادمات من القرية وبأيديهن مزيد من دلّاو الماء، إلى جانب أوعية خشبية بدا أنهنّ أحضرن فيها وجبة الظهيرة لأفراد أسرهن الذين كانوا يعملون هنا. وعندما تعرفت عليه إحداهن، ربما لأنه الشخص الوحيد في القرية الذي يتجوّل برفقة حراس، قابلته أغلبهن بالإيماءات والتحيات احتراماً، بينما أضافت أخريات بعض الثناء والدعوات له.
فردّ بابتسامة تلويحة من يديه، بينما مرّ حشد النساء الصغير بجانب مجموعتهم. وساروا ببطء على درب التراب المجاور لأسوار التحصين، في طريق عودتهم إلى القصر.
كان الوقت مساءً، والشمس تقترب من الأفق في الغرب. وكان كيفاموس يتجول في أنحاء القصر برفقة غورسازو ودوفاس ليرى كيف تسير الأمور، بينما ذهب هودان إلى ساحات التدريب في الجزء الشرقي من القصر لتدريب الحراس الجدد. فاقترب منه خادم.
"يا سيّدي، الحداد هنا ليتحدث إليك".
* * *