من لندن إلى اللورد الفصل 53 — الغلات

اقرأ من لندن إلى اللورد الفصل 53 — الغلات باللغة العربية على مانجا تايم.

تقدم المزارع السابق خطوات قليلة وانحنى قرب الأشجار. التقط قبضة صغيرة من التراب ودلكها بين كفيه متأملاً إياها بعناية. أومأ لنفسه ثم نهض وابتعد قليلاً ليكرر الأمر في مواضع أخرى. التفت بعد ذلك ليلمح دلواً خشبياً ملارئاً بالماء جلبه أحد العمال من بئر القرية للشرب وسار نحوه. أخذ بينوتو يسكب بعض الماء من الدلو على الأرض ويخلطه بالتراب عاجناً إياه لكتلة طينية بينما كان كيفاموس يراقب بصمت.

أومأ لنفسه مرة أخرى وحمل تلك الكلة الطينية بكلتا يديه متوجهاً نحو كيفاموس.

قذف الكرة الطينية في الهواء بخفة والتقطها ثم فتح كفيه موضحاً: "كما ترون يا سيّدي، يحتفظ هذا التراب بشكله جيداً مما يعني أنه ليس رملياً أكثر من اللازم".

انتزع جزءاً من الكرة الطينية بيده وضغط عليه بين إبهامه وسبّابته. رأى كيفاموس شريطاً من الطين يتشكل خارج كف بينوتو بطول سنتيمترين إلى ثلاثة قبل أن يسقط على الأرض متكتلاً.

قال بينوتو: "كما رأيتم يا سيّدي، يتماسك الطين لنحو بوصة واحدة لكن لفترة أطول قليلاً فقط. هذه صفة جيدة للتراب الطميّ الملائم لزراعة القمح".

فكر كيفاموس في اختبار نوع التربة بوضع بعض التراب داخل وعاء زجاجي وتركه ليترسب قليلاً بعد ملئه بالماء قبل أن يرى بينوتو يفعل ذلك. كان سيُظهر ذلك مكونات التربة بدقة. لم يظن وجود وعاء زجاجي هنا يتمتع بجودة وشفافية كافيتين للقيام بذلك فلم يذكر الأمر. لكن هذه الطريقة بدت ناجعةً مع المحليين تماماً.

أثنى عليه قائلاً: "هذا تفكير سديد!".

أومأ بينوتو مبتسماً: "شكراً لك يا سيّدي. تراب الأرض هنا صالح لزراعة القمح، لكن وجود مياه جارية بالقرب منا سيساعد كثيراً، وإلا سنحتاج لحفر بئر هنا وسيستهلك ذلك وقتاً طويلاً".

طمأنه كيفاموس: "لا تقلق بشأن ذلك. سأتكفل بتوفير كمية كافية من الماء هنا. لكن ماذا عن حراثة الأرض؟ كيف كنتم تفعلون ذلك في المزرعة التي عملتم بها؟".

أجاب بينوتو: "استخدمنا النودورات للمساحات الكبيرة يا سيّدي".

انحنى برأسه حين لاحظ ملامح الحيرة على وجه كيفاموس.

"أعتذر يا سيّدي، كان عليّ الشرح أولاً. نادراً ما يُرى النودور قرب أولريغا حيث تُستخدم الثيران بكثرة".

أوضح قائلاً: "النودورات حيوانات آكلة للنبات وتشبه الثيران لكنها أصغر حجماً. تُرى غالباً وهي ترعى في الغابات ويسروضها يسر. صحيح أن الثيران أقوى بنية، لكن أعدادها أقل وتكلفة شراؤها وإطعامها والعناية بها تفوق النودورات بكثير".

أضاف وهو يهز كتفيه: "في الحقيقة، باستثناء التضاريس الجبلية، يظل الثور دائماً أفضل من النودور للحراثة وجر العربات إن استطاع المزارع تحمل تكلفته. ولهذا السبب، تكثر النودورات في المزارع بعيداً عن المدن الكبرى مثل أولريغا وسينران ومزارع النبلاء الأثرياء".

أومأ كيفاموس ببطء وهو يفكر في الأمر. بدا له النودور شبيهًا بثور الفقراء، يؤدي الغرض نفسه تقريباً لكن بتكلفة صيانة أرخص.

قال: "حسناً، تابع عملك".

تابع بينوتو مؤمئاً: "لا نملك أي نودورات أو ماشية في القرية حالياً، باستثناء بضع بقرات رأيتها في القصر نفسه".

هز رأسه ببطء.

"لم توجد علف كافٍ في القرية لإبقائها حية. ما تبقى لدينا من ماشية في القرية ذُبح في الأشهر القليلة الماضية للحصول على لحومها. الأمر سيّان بالنسبة لمعظم الماعز هنا".

أضاف بعد هنيهة: "أظن أن بعض القرويين ميسوري الحال نسبياً ربما ما زالوا يمتلكون القليل منها، لكن ليس بكثرة. على أي حال، لا يمكن استخدام تلك في حراثة الحقول. لكنني أعتقد أنك ما زلت تملك خيولاً كافية في القصر لهذا الغرض".

سأل كيفاموس الحراس الذين رافقوهم: "كم عدد الماشية والخيول التي نملكها في القصر؟ كل ما رأيته بقرتان نحيلتان في الحظيرة".

تحدث أحد الحراس الذي كان منصتاً باهتمام: "أنت محق يا سيّدي، لا نملك سوى بقرتين في القصر حالياً. امتلكنا ماشية أكثر في الماضي، لكننا اضطررنا لذبحها في الأشهر القليلة الماضية حين انعدم وجود حبوب كافية هنا. أما عن الخيول، فلم يتبقَ لدينا سوى ستة بعد رحلة البارون السابق المشؤومة، وذلك قبل أن تصل أنت ومعك ستة خيول أخرى. فنحن نمتلك اثني عشر حصاناً الآن".

وأضاف: "بطبيعة الحال، خرج ثمانية منها في رحلة إلى سينران الآن".

لاحظ بينوتو: "أظن أن اثني عشر حصاناً قد تكون كافية لو استطعنا استخدامها جميعها لحراثة الأرض. مع ذلك، قد تستطيع توفير نصفها أو أقل، إذ ستبقى حاجة ماسة إليها لجر العربات وأغراض أخرى كالوضع الحالي. علينا ترقب ما يمكننا فعله بشأن الحراثة حين تجهز الحقول".

وأضاف: "لكننا قطعاً لا نملك محراثاً واحداً في القرية، إذ لم نمارس أي زراعة هنا قط. ستحتاج لصنعها يا سيّدي".

أومأ كيفاموس: "حفور تُبنى البيوت الكويلة و يحظى تانيوك بوقت فراغ أكبر، سأحتاج لمحدثتك مجدداً حول تصميم المحاريث لكي نصنعها قبل حلول الربيع".

أومأ بينوتو موافقاً: "بالتأكيد يا سيّدي. سأكون متاحاً متى طلبتني".

خطر ببال كيفاموس أفكار لأشياء عديدة من شأنها تسهيل حياتهم في هذا المكان كثيراً. لو توافر جرار واحد فقط للزراعة لسهل العمل في الحقول كثيراً. غير أن بناء جرار استحال تماماً بمستوى التكنولوجيا البدائي للغاية السائد في القرية حالياً، شأنه شأن معظم الآلات والمعدات الأخرى من حياته الماضية. ورغم ذلك، مثلت تلك فكرة جيدة أخرى للمستقبل من شأنها تقليص الجهد البشري المطلوب وتحسين الإنتاجية بصورة هائلة في آن واحد.

تذكر أيضاً تفكيره في آلات بذر البذور مسبقاً، ولحسن الحظ بدا ذلك قابلاً للتنفيذ في وضعهم الحالي.

سأل: "تزرعون البذور يدوياً بأنفسكم أليس كذلك؟".

بدت على بينوتو ملامح الدهشة قليلاً: "هذه هي الطريقة الوحيدة لزراعة البذور التي أعرفها يا سيّدي. ننثر البذور باليد بعد انتهاء الحراثة، ثم نغطيها بالتراب لئلا تأكلها القوارض والطيور ولكي تنبت جذور البذور بسهولة. بالطبع، يمكننا زراعة كل بذرة باليد واحدة بواحدة، لكن ذلك نادراً ما يُفعل عند الزراعة في مساحة واسعة".

وتساءل: "ربما لم أُحسن فهم سؤالك؟".

قال كيفاموس: "لا تهتم بالأمر. كنت أفكر في صنع آلة تجعل الزراعة أسهل وتزيد المحصول أيضاً. إنها ببساطة أداة مصنوعة من الخشب وبعض الحديد يستطيع المزارع من خلالها التحكم في المسافة بين البذور المزروعة وكذلك أعماقها تحت التراب".

التفت نحو وجوه الآخرين المهتمة وسأل: "أخبرني أولاً يا بينوتو، كم يبلغ محصول القمح هنا؟ لابد أنك على دراية بذلك".

أومأ بينوتو وفكر لحظة قبل الإجابة: "يختلف الأمر باختلاف نوع التربة وكمية الري، ومدى جودة التعامل مع المشكلات المعتادة كإزالة الأعشاب الضارة وإخافة الطيور".

واصل حديثه: "لقد مضى بعض الوقت منذ آخر مرة مارست فيها الزراعة، لكن حسب ما أتذكر، اعتدنا جني خمسة أنصاف كيس من القمح من الفدان الواحد في تلك المزرعة، وهي أرض كانت ذات إنتاجية جيدة إلى حد ما".

تنهد كيفاموس بحسرة. بالطبع، هم لا يستخدمون القياسات المترية!

قال: "أنا معتاد على التفكير بالأمتار والهكتارات، فهي أسهل في الحسابات. لذا أود تحويل هذه الأرقام. أخبرني، كم يبلغ حجم الفدان هنا؟".

أجاب بينوتو: "لست متأكدًا يا سيّدي".

لكن غورسازو أظهر معرفته بالقول: "الفدان يعادل تقريباً سبعين ياردة في سبعين ياردة يا سيدي".

أجرى كيفاموس حساباً ذهنياً.

"هذا يبلغ خمسة آلاف ياردة مربعة تقريباً"، قال، "أو نحو أربعة آلاف متر مربع، وهو ما يعني أربعة من عشرة من الهكتار. يعني هذا أننا نستطيع توقع نحو ستة أكياس من الحبوب لكل هكتار".

وسأل: "والآن، كم يزن كيس الحبوب الواحد؟".

أجاب غورسازو مجدداً: "نحو مائتين وخمسين حجراً".

قال كيفاموس: "هذا لا يفيدني بشิء!".

فكر في الأمر وسأل: "أخبرني، كم يزن الرجل العادي بالأحجار؟".

ضحك غورسازو بخفة: "يصعب تحديد ذلك. نادراً ما سمعت عن وزن رجل على ميزان كفّتين! لكن إن اضطررت لتقديم تقدير على أي حال، فأظن أن الرجل العادي يزن نحو مائة وخمسين حجراً".

أومأ كيفاموس. غياب أبسط الأشياء كالميزان سيبقي الأمر مجرد تقدير، لكن توجب عليه العمل بالتقنية المتاحة هنا حالياً.

نظر لمن حوله وقال: "حسناً. ينبغي أن يبلغ وزن الرجل العادي هنا نحو خمسة وسبعين كيلوغراماً بالمقياس المتري الذي أفضّل استخدامه. يعني هذا أن كيس الحبوب الواحد يزن حوالي... مائة وخسن كيلوغراماً تقريباً".

واصل حديثه: "إذن نحن ننظر إلى محصول يبلغ حوالي سبعمائة وخمسين كيلوغراماً لكل هكتار من الأراضي الزراعية".

مثّل ذلك سبعة وخمسين من مائة من الطن لكل هكتار، بينما يمكن للإنتاجية الحديثة على الأرض أن تبلغ عشرة أضعاف ذلك بسهولة. ولئن تعذر عليهم بلوغ هذا المستوى هنا قريباً، فإن استخدام آلات البذر وحدها كفيل برفع الإنتاجية بصورة ملحوظة.

قال: "حسناً، باتت لدي فكرة عامة عن الأمر. سأتحدث إلى تانيوك وسيدورون بشأن صنع تلك الآلة، والتي يمكننا تسميتها بذّارة".

ردد غورسازو: "آلة؟".

قال كيفاموس: "هذا ما نطلقُه على كل ما يسهّل الأمور على الإنسان. كان حريّاً بك القراءة أكثر في المكتبات!".

أدار غورسازو وجهه: "لست ابن دوق، لذا لم يتسنَ لي الوصول إلى المكتبة بأكملها كما ذكرت سابقاً. دعنا من هذا".

وتساءل: "لكن كيف ستعمل أصلاً؟".

* * *