من لندن إلى اللورد الفصل 52 — بينوتو

اقرأ من لندن إلى اللورد الفصل 52 — بينوتو باللغة العربية على مانجا تايم.

انحنى بينوتو بعمق، وهو رجل ناحل تعكس عيناه إرهاق حياة قضاها في الصراع.

قال: "أرجو المعذرة يا سيّدي، لم أتمكن من الحضور إلى القصر أمس. فقد أقعدني الضعف في منزلي".

وضع كيفاموس يداً مطمئنة على كتف الرجل.

وأجاب: "لا تقلق بشأن ذلك. علاوة على ذلك، كنت مشغولاً بأمور أخرى أمس، لذا فراجح أنني كنت لأردّك على أي حال لو أتيت. كيف حالك الآن؟"

استرخى وجه بينوتو النحيل قليلاً.

وأجاب: "أفضل بكثير يا سيّدي. ليس مرضاً خطيراً أو ما شابه. لم نلتقط ما يكفي من الطعام في الآونة الأخيرة فحسب، وضعف بدني. لكن ابني أححض بعض الحبوب إلى البيت ليلة البالغ، وأشعر بقوتي تعود إليّ بالفعل".

تجهم كيفاموس، وشعر بوخز من التعاطف يجتاح كيانه. كانت محنة القرويين أشد سوءاً مما تخيل إن كان بعض الطاعنين في السن غير قادرين حتى على المشي بسبب الضعف وقلة الطعام. لكن الأزمة الملحة المتمثلة في الجوع أخذت في الانحسار الآن على الأقل، رغم بقاء المشكلة الكامنة المتمثلة في الأمن الغذائي على المدى الطويل.

وقال: "يسرني سماع ذلك. نحتاج إلى أن يكون الجميع في أفضل حالاتهم لنعيد بناء هذه القرية".

انحنى بينوتو مجدداً وقال: "لا أستطيع شكرك بما يكفي يا سيّدي على قبولك تيسيب حارساً للقصر".

نظر كيفاموس إلى هودان الذي أجاب مكانه.

وقال قائد الحراس بكتفين مرتجفتين: "لم يكن توظيفه منّة. لقد اختير استناداً إلى جدارته وحدها".

وقف بينوتو منتصب القامة مرة أخرى مع ابتسامة وبريق في عينيه.

"أه، يسرني سماع ذلك جداً! الآن سيتقاضى أجراً حارساً على الأقل، عوضاً عن إهدار مواهبه القتالية في فضّ الشجارات داخل الحانة بلا مقابل".

لم يستطع كيفاموس إلا إطلاق ضحكة خافتة إزاء ذلك.

وقال: "لا تقلق، أنا واثق من أنه سيؤدي عمله حارساً على ما يرام".

وأردف: "سأقوم بجولة مشياً إلى جنوب القرية، حيث أود إنشاء المزارع الجديدة. رافقني لنتحدث".

أومأ بينوتو برأسه وقال: "بكل سرور يا سيّدي".

وأضاف دوفاس: "سأبقى هنا يا سيّدي. لقد قدمنا وجبة الصباح للأطفال والشيوخ بالفعل، لكنني ما زلت بحاجة لتدبير الحبوب والفحم اللذين ينبغي توفيرهما في المساء".

ومع إيماءة أخيرة لمدبر القصر العجوز، انطلق كيفاموس جنوباً، على درب التراب المجاور لجدار الأسوار الخشبية للقصر، بينما مشى جورسازو وبينوتو إلى جانبه. واتخذ هودان وبقية الحراس مواقعهم السابقة أيضاً لمرافقته. وأثناء مسيرهم، انتهز كيفاموس الفرصة ليطرح المزيد من الأسئلة.

وسأل المزارع السابق: "إذن هل عملت مزارعاً من قبل؟"

توقف بينوتو لحظة قبل أن يومئ.

وأوضح وصوته يحمل مسحة من الحنين: "قبل الانتقال إلى تيرانات، اعتدت وعائلتي العيش في مزرعة شمال غرب سينران. عملت مزارعاً هناك لأكثر من عقدين. كانت حياة بسيطة، لكنها مشبعة. غير أن مالك الم مزرعة تعرض لضائقة مالية ولم يعد قادراً على دفع أجورنا، لذا اضطررت لمغادرة المكان مع عائلتي".

وتابع ونظرة بعيدة تملأ عينيه: "استقر بنا المطاف في سينران لفترة، حيث لا تزال ابنتي تعمل مساعدة خياطة. لكن عندما سمعت بالعثور على الفحم في الجنوب وحاجتهم إلى عمال للمناجم، انتقلت إلى هنا مع زوجتي وابني. مضى على ذلك أكثر من عقد".

وأشار بيده نحو الشرق: "عملت في تلك المناجم لأكثر من عقد، إلى أن جرحت يدي يوماً جرحاً بليغاً منعني من استخدام المعول بعد ذلك".

قال كيفاموس: "يؤسفني سماع أمر إصابتك. لا بد أنه كان وقتاً عصيباً على عائلتك".

هز بينوتو رأسه.

وقال ببساطة: "تدبرنا أمرنا. كان تيسيب صغيراً في ذلك الوقت، لكنه حل محلي عاملاً في الأجم وصرنا نعيش من أجور تعدينه منذ ذلك الحين".

تفحص كيفاموس الرجل للحظة. صحيح أن مرض بينوتو الأخير جعله يبدو نحيلاً وأكبر سنناً، ولكن حتى مع شعره شديد البياض، لم يبدو طاعناً في السن إلى تلك الحد. ومن المحتمل أنه كان يكذب بشأن المدة التي عمل فيها في تلك المزرعة، ليحتال في سبيل نيل دور استشاري.

وسأل: "كم عمرك حتى تكون قد عملت طوال تلك المدة؟"

بدا السؤال مفاجئاً لبينوتو.

تردد لحظة ثم أجاب: "لست متأكداً تماماً يا سيّدي. لكنني أظنني عاينت نحو خمسين شتاء حتى الآن. توفي والداي وأنا صغار، لذا اضطررت لبدء العمل في تلك المزرعة القريبة من محل ولادتي، عندما بلغت الخامسة عشرة تقريباً على ما أظن. وهناك التقيت زوجتي أيضاً في السنوات التالية".

وأحاط كلامه قائلاً: "حين أُجبرت عائلتي على مغادرة تلك المزرعة، أذكر أن تيسيب لم يكن يتجاوز السابعة أو الثامنة من عمره، لذا أعتقد أنني كنت في الخامسة والثلاثين تقريباً آنذاك. وبعدها عملت منقِناً هنا لما يقرب من عقد، قبل أن يتولى تيسيب الأمر منذ نحو خمس سنوات".

أومأ كيفاموس ببطء. كانت تلك الأرقام متسقة. بدا أنه لم يكن يكذب بشأن العمل مزارعاً لعقدين من الزمن إذن. وراوده شعور عابر بالغرابة لكون بينوتو لا يتذكر عمره بدقة، قبل أن يتذكر أن أغلب الناس في هذا المكان أميون على الأرجح، ودون حفظ جيد للسجلات سيكون الأمر عسيراً على أي حال. بين فقدان والديه في صغره، ثم اضطراره لمغادرة المزرعة التي أمضى أغلب عمره فيها، وانتهاءً بعدم القدرة على العمل حتى في التعدين بعد تلك الإصابة، شهد بينوتو نصيباً وافراً من الصعاب.

لكنه رجل واجه عواصف الحياة بعزيمة راسخة. لم يبرز صوت أحد لفترة بينما واصلوا المشي جنوباً بمحاذاة السور الخشبي.

وأخيراً، سأل كيفاموس مغيرًا الموضوع: "ماذا كنت تزرع في مزرعَتِك؟"

أشرق وجه بينوتو وهو يشرع في الحديث عن الزراعة.

وأجاب: "القمح في الغالب يا سيّدي. وكانت لدينا بقع قليلة من الشوفان أيضاً، لكن القمح كان المحصول الأساسي. الشوفان محصول أكثر صلابة من القمح، لذا يمكن زراعته في شتى أنواع التربة والمناخ. غير أن الناس يفضلون دائماً أكل القمح الذي يتميز بمذاق أفضل من الشوفان. ومع ذلك، كنا نزرع بعض الشوفان هناك لتغذية الحيوانات".

أصخ كيفاموس السمع باهتمام، بينما كان عقله يصوغ خطط المستقبل بالفعل. كان عليه إبرام فهم دقيق للإمكانات الزراعية للأرض، ليتعرف على المحصولات التي يمكن زراعتها بنجاح والتحديات التي قد تواجهها.

وقال: "أنت تعيش هنا لأكثر من عقد. لذا لا بد أنك لاحظت التربة المحيطة بالقرية. أيّ من هذين المحصولين سيكون أفضل للزراعة هنا؟"

وأضاف: "أفضل القمح، لأنه سيكون لدينا قريباً مخزون وافر منه لنستخدمه بذاراً، وإن لزم الأمر فلن تمثل عملية شراء المزيد منه من سينران بعد الشتاء مشكلة. ومع ذلك، لا أعلم إن كان بمقدورنا الحصول على ما يكفي من بذار الشوفان بسعر منخفض كفاية".

فكر بينوتو برهة قبل أن يجيب.

"بما أن أرض الغابة المحيطة بالقرية لم يُزرَع قط في السابق، فهي لا تزال غنية بالدبال. علاوة على ذلك، لدينا تربة طينية في هذه المنطقة، لذا يمكن زراعة القمح هنا بسهولة. وعليه، وبسبب الأسباب التي ذكرتها وجودة التربة هنا، أقترح بثّ القمح في الحقول".

أومأ كيفاموس برأسه راضياً عن التقييم.

"حسن إذن. ليكن القمح إذن".

وتابع: "بما أنك عملت في مناجم الفحم في التلال الشرقية، فلا بد أنك تعلم بوجود جدول ماء هناك".

أجاب بينوتو: "رأيته يا سيّدي".

وتردد لحظة قبل أن يضيف: "اعتدت الصيد فيه في الماضي، لنثري وجباتنا في أوقات الشدة".

وحدق في الأفق برهة ثم قال: "إنه ينحدر جنوباً من بين تلك التلال في الشرق، لذا أقول إن اختيارك كان موفقاً لبناء المزارع في الجنوب. ومع ذلك، لا يزال بعيداً جداً عن القرية بحيث يتعذر استخدامه للري المباشر".

تملى كيفاموس هذا الأمر، محاولاً استحضار معالم التضاريس في ذهنه.

"هذا صحيح. قد نضطر لحفر قناة صغيرة لجلب المياه كي تقترب من المزارع. وسأتحقق من انحدار الأرض من الجدول إلى جنوب القرية، لأرى ما إن كانت المياه ستتدفق إلى هنا تلقائياً، أم سيتعين عليّ فعل شيء آخر بشأنه. اترك هذا لي".

وبينما واصلوا المسير، سأل: "الآن حسب ما بلغني عن الطقس هنا، لا يمكننا زراعة أي قمح لفصل الشتاء، أليس كذلك؟"

أومأ بينوتو.

"قد تعلم هذا مسبقاً يا سيّدي، تماماً مثل الجزء الشمالي من ريسلينور، تثلوج السماء كل عام في الشتاء حتى في المناطق الجنوبية من ريسلينور، وإن لم يكن تساقط الثلوج كثيفاً جداً هنا في المناطق البعيدة عن سلاسل الجبال. ولهذا السبب فإن كل القمح الذي يُزرع في ريسلينور يُبذر في الربيع ويُحصد في الخريف".

واستطرد: "في حالتنا، في تيرانات، تدوم الثلوج هنا لنحو شهر ونصف، لذا لا يصح عملياً زرع القمح في الشتاء. إذن سيتعين علينا القيام ببذر القمح في الربيع أيضاً، تماماً مثل بقية ريسلينور".

وقال كيفاموس: "هذا ما توقعته. إذن، أمامنا عدة أشهر قبل أن نبدأ بالبذر".

حين بلغ الاثنان البقعة المخصصة للزراعة، اتضح حجم المهمة أكثر فأكثر. وقفت الأشجار، بسوقها الغليظة المهيبة، كالحراس الصامتين، ومدت أغصانها نحو السماء. كانت مجموعة من العمال تشرع بالفعل في تنمية الأرض هناك. استخدم الرجال المعاول لتكسير الصخور المتناثرة في بعض الأرجاء، بينما استخدمت النساء السلال لنقل الحجارة الصغيرة إلى كومة تتزايد حجماً على مقربة.

سأل كيفاموس: "ماذا عن حرق الشجيرات والنباتات الصغيرة هنا؟"

تذكر اختصار التسميد الذي يجمع العناصر الثلاثة الكبرى اللازمة لزيادة خصوبة النباتات، النيتروجين والفوسفور والبوتاسيوم، مع أن أهل هذا المكان لا يعلمون شيئاً عن العناصر والذرات. ستكون حموضة التربة عاملاً يتأثر أيضاً بخلط الرماد، لكنه لم يمتلك طريقة لقياسها بعد.

وأردف: "سيسهم ذلك في تحسين جودة التربة أيضاً، إن خلطنا الرماد بالتربة."

أجاب بينوتو: "هذا صحيح، لكننا لن نستطيع فعل ذلك إلا بعد أن يفرغ العمال من قطع كل أشجار المنطقة. ولكن حتى في تلك الحالة، بما أن هذه البقعة لم تُستخدم للزراعة من قبل، فلا تزال تضم حجارة كثيرة، صغيرة وكبيرة، يجب إزالتها يدوياً. وحين نُتم ذلك، وتُقطع الأشجار، بوسعنا إحراق الشجيرات على أي حال وقت الحاجة."

أضاف بينوتو: "امنحني لحظة، يا سيّدي"، ثم عاود السير نحو العمال المشتغلين في المقدمة.

* * *