هزّ كيغير كتفيه، وقال: "لا أعرف كيف تنجح الأمور، ولكن، هل ندرك حقاً كيف تنتهي أي فكرة يطرحها البارون؟ قبل عام واحد فقط، كان أغلب ما فعله منذ قدومه سيُعد مستحيلاً بالنسبة لأيّ منا. لذا، فإن جعل الأوراق تظل طازجة لفترة أطول ليس إلا أمراً غريباً آخر نجح في تدبيره بطريقة ما".
ابتسمت زوجته عند سماع ذلك رغم أن الشك ما زال بادياً على وجهها، وقالت: "ربما تكون على حق... على أي حال، أغلق المتجر وتعال لتناول الطعام. ينبغي أن يعود ليف في أي لحظة".
أومأ كيغير برأسه وبدأ بإغلاق النوافذ الخشبية، وحينها ركضت إليسي نحوه مجدداً، بينما كانت ميزي تطل برأسها من خلف المدخل.
سألت بحماس: "أبي، متى سنحصل على المصروف مرة أخرى؟"
ألقى كيغير نظرة على الفتاتين، ملاحظاً أن الأولاد قد وجدوا طريقهم أيضاً نحو شقيقاتهم. حتى الخريف الماضي، اعتاد منح إليسي بعض القطع النحاسية لتتوجه إلى ساحة السوق وتشتري ما يحلو لها. كانت صغريته أصغر من أن تُؤتمن على القطع النقدية لكنها كانت ترافق شقيقتها، وغالباً ما كانا يعودان وفي يديهما رغيف طازج. بيد أن ذلك توقف الشتاء الفائت منذ أن امتنع البارون عن دفع أجور القرويين بالنقود، ولكن الآن وقد عاد الأمر ليحدث، فقد ذكر أنه سيعيد إعطاءهم مصروفهم.
كانت إليسي متحمسة للأمر كما هو متوقع، بينما بدت ميزي مترددة، إذ يُرجح أن هذه هي المرة الأولى في حياتها التي تلمس فيها النقود بيدها. وقد جعله ذلك يعقد العزم على بذل قصارى جهده لكسب المزيد لكي يتسنى لجميع أطفاله الاستمتاع بطفولتهم.
ابتسم لهم جميعاً، وقال: "قريباً يا صغاري. قريباً جداً. امنحوني بضعة أيام فقط لتسيير الأمور وسيبدأ اثناكما في تلقي بعض المصروف. سيتعين عليكما مشاركته مع إخوتكم مع ذلك".
أطلقت إليسي صرخة فرح وركضت نحوه مباشرة فعانقته، بالكاد تبلغ صدره، بينما ابتسمت ميزي أيضاً. أطلق الأولاد صيحات حماسة وتبادلوا تحية راحة الكف، قبل أن يركضوا عائدين إلى الداخل. أمسكت الفتاتان أيدي بعضهما وبدأتا تهمسان بشيء لبعضهما بينما تبعتا الأولاد. ابتسم كيغير، وهو يعلم كم سيجعلهم ذلك سعداء، وكم هم محظوظون بحصولهم على بعض المصروف في هذه القرية، حتى وإن لم يدركوا ذلك.
بالكاد يستطيع أي شخص في تيرانات تحمل تكلفة منح نقود إضافية لأطفاله، ولكن بكونه تاجرًا يكسب المال بسهولة أكبر من العامل — في الأوقات الجيدة على الأقل — فقد أراد منحهم حياة أفضل من أطفال القرية الآخرين إن كان ذلك ممكناً. وعلى الرغم من أن زوجته لن تمانع الأمر، إلا أنه علم أنها ستستنكر فكرة ذهابه إلى الحانة بعد العشاء، أو إنفاق القطع النقدية هناك. كانت تلك نفقة يمكن تفاديها، كما اعتادت أن تقول.
غير أنه سيكون عليها تقبل الأمر هذه الميلة — فللديه سبب وجيه هذه المرة. إن كان لابد من عقد صفقات مع التجار الزائرين، فالحانة هي المكان الذي سيحدث فيه ذلك. وإن اتفق أن شرب بضع كؤوس أثناء عقد تلك الصفقات، فما عل عسى أي شخص أن يقوله ضد ذلك؟ كان يؤمن النافذة الأخيرة بابتسامة عريضة حين لمح ليف يقترب من المنزل. لوح له كيغير ليقترب. كان الفتى متعباً ومغطى بالغبار، لكن وجهه كان مشرقاً بطريقة جعلت كيغير يتوقف.
قال ليف فور وصوله إليه: "أبي! لقد علمت للتو أنني سأتقاضى أجري بالنقود ابتداءً من الغد. بالنسبة للأغلبية، سيكون أربع قطع نحاسية فقط في اليوم، لكني سأحصل على ثمانٍ لكوني لا أقيم في الثكنات".
وابتسم باتساع، مردفاً: "شعر الآخرون ممن يعملون معي بالغيرة حين علموا بذلك".
ضحك كيغير بخفة، وقال: "هذا جيد. أنت تعمل بجد مثلهم، إن لم يكن أكثر، لذا فأنت تستحق الأجر الكامل. رغم أنني أمل أن تتمكن من المساعدة في المتجر قريباً".
ضحك ليف وأدار كتفه بحركة خفيفة.
"نعم، وأنا كذلك. العمل اليدوي مهلك. لا أطيق الانتظار للعودة إلى هنا".
"إلى هذا الحد؟"
أجاب ليف: "أسوأ ما في الأمر هو النقل. والحفر. وصراخ المشرفين حين يبطئ أحدهم".
نخر كيغير ساخراً.
"إذن، الأمر كله سيء".
ابتسم ليف.
"تقريباً".
دخلا معاً بعد إغلاق النافذة الأخيرة. وما إن خطا عبر المدخل، حتى استنشق كيغير رائحة وجبة المساء، وأبعد من ذلك، كاد يكاد يلمس طعم الجعة التي تنتظره لاحقاً في الحانة. لقد مضى وقت طويل منذ أن استمتع بها على الوجه الأكمل. وأكثر من ذلك، بدا هذا المساء وكأنه بداية. لم يجن بعد قطعة نقدية حقيقية واحدة من ذلك الأجر الجديد للقرويين، ولكن بخلاف دالار، كان يؤمن بالبارون، ويدرك أن ذلك ليس سوى بداية لكل الأمور الجيبة القادمة في المستقبل.
كان ذلك يعني أن القرية بدأت تعود إلى وضعها الطبيعي. بل ربما أفضل من الطبيعي. في مرحلة ما خلال الأيام القادمة، سيُلزم نفسه بزيارة الأب إدريرا والصلاة للملكة في المعبد طلباً لتحول الحظ نحو الأفضل. ولكن في الوقت الحالي، سيتناول الطعام مع عائلته، ويتوجه إلى الحانة، ويبدأ في وضع الخطط.
* * *
~ تيسيب ~
بعد أن تقاضى آخر سكان القصر أجورهم، بدأت الحشود تتفرق ببطء. وتسلل الخدم والوصيفات عائدين نحو المطابخ والردهات. وبقي بعض الحراس في أماكنهم يتبادلون الحديث والضحكات في مجموعات متفرقة، وهم يزنون قطعهم النقدية في كفوفهم كأنهم ما زالوا عاجزين عن تصديق الأمر. وأعلن السير دوفاس أن الأجور ستُدفع أسبوعياً من الآن فصاعداً، وإن لم يكن بمثل هذا التجمع في كل مرة. وسيتولى الرؤساء أمر ذلك.
ويبدو أن كيريل سيكون المسؤول عن الحراس. ولم يمانع تسيب ذلك. فمن المحال أن يقضي اللورد كيفاموس ساعات كل أسبوع في تسليم الأجور واحداً تلو الآخر. ووقف إلى جانب سافومي بينما بدأ من حولهم يعودون إلى أعمالهم أو شؤونهم الخاصة. وبقي اثنتهما معاً بعد حصولهما على أجريهما ليتمكنا من الاستماع إلى ما تبقى من إعلانات، والآن وقد خفت حماسة الخطاب، شعر تسيب بقلبه يبدأ في التسارع مجدداً لسبب مختلف.
كان هذا الوقت المثالي. لم يكن أي منهما في نوبة حراسة الآن. وكان الضوء يخابو. وستكون ساحة السوق نابضة بالحياة. كانت هذه بالضبط اللحظة التي تمنى حدوثها، ومع ذلك لمש يكن لديه أي فكرة عن كيفية دعوتها للمشي معه دون أن يبدو أحمق. وألقى نظرة خاطفة عليها من طرف عينه، محاولاً جمع شتات شجاعته. نظرت إليه سافومي مبتسمة.
وقالت: "أترغب في التنزه؟"
لعشية اللحظة، لم يملك تسيب إلا التحديق. وكان على وشك أن يطرح عليها السؤال ذاته. وحقيقة أنها سبقت وقالت ذلك جعلته يشعر بدوار شديد لدرجة أنه لم يدْرِ ما يصنع بوجهه. وأومأ برأسه فوراً، ثم أجبر نفسه على الرد كشخص طبيعي.
وقال: "في الواقع، كنت أفكر في أن أطلب منك الشيء نفسه. هيا بنا!"
خرجا معاً عبر بوابة القصر، وانعطفا يساراً، واتبعا الطريق المؤدي إلى ساحة السوق القديمة. كانت الشمس قد غربت للتو، لكن السماء ما زالت تحتفظ بقدر كافٍ من الضوء لئلا تنزلق القرية نحو الظلام التام بعد. وكانت الحصى التي أمر اللورد كيفاموس بفرشها على الطريق تُصدر صريراً منتظماً تحت حذائيهما. ولاحظ تسيب كل صوت بدرجة أكبر بكثير في هذه اللحظة لأنه كان يمشي إلى جوار سافومي.
وفي الماضي، كان هذا الممر مجرد تراب مضغوط، وغالباً ما يتحول بعد المطر إلى مستنقع. أما الآن فأصبح صلباً تحت الأقدام، وفي ضوء المساء كانت الحصى الشاحبة بارزة بما يكفي لتجعل الطريق أسهل تتبعاً. وما إن بلغ اثنتهما الساحة حتى تلقيا وقع الضجيج أولاً. لم يكن صاخباً لدرجة تبدو جامحة، لكنه كان أكثر حيوية بكثير من المعتاد. وذكر ذلك تسيب باجتماعات الحصاد التي شهدها طفلاً قبل أن تنتقل عائلته إلى تيرانات — إلا أن هذا لم يكن مهرجاناً ولم تكن هناك جوّالة تنشد ولا زينة معلقة في الأعلى.
ومع ذلك، منحت الشموع والأصوات وحركة الناس المنتظمة المكان شعوراً مختلفاً عما عرفه السوق من قبل. وبدا الأمر وكأن الساحة بأسرها تذكرت فجأة ما يُفترض أن تكونه. كان التجار قد أشعلوا الشموع أينما استطاعوا، ووضعوها على الطاولات والرفوف وحواف النوافذ لتسهيل رؤية حوانيتهم. وكانت اللهبات الصغيرة تصنع بقعاً متباينة من الضوء الدافئ. وكان الناس يتحركون عبرها ملقين بظلال متراقصة فوق الساحة أثناء ذهابهم.
وفي أحد الجوانب، عبر زقاق، كانت الحدادة ما زالت مفتوحة. واستطاع تسيب سماع صوت الطرق القادم من هناك، حيث كان المعدن يُطرق حتى في مثل هذه الساعة. وفي ممر آخر، رأى حانوت تاجر الحبوب كيجيرضاء مضاءً ببضع شموع قرب الطاولة. وتقع حانة المشروبات على إحدى زوايا الساحة وكانت بلا منازع المكان الأكثر ازدحاماً هناك. وكان الرجال والنساء يترددون دخولاً وخروجاً، ويفيض الضوء من الداخل على الطريق بشريط عريض.
وفي الزاوية المقابلة تقبع ملحمة الجزار، حيث تُعلق قطع اللحم الأخيرة من ذلك اليوم في الأماكان التي تتيح رؤيتها. وكان حانوت دالار مفتوحاً أيضاً. وما زال يبيع الحب، لكنه أضاف بوضوح أشياء أخرى الآن. ورأى تسيب أدوات صغيرة ومتفرقات وبعض الحلي الرخيصة معروضة حيث يراها الناس. وعلى طول جانب آخر من الساحة، اصطف العديد من بائعي الخضار الطازجة، وقد رتّب كل منهم أكواماً صغيرة من المحصول في سلال أو على أقمشة.
ثم هناك مكان صانع النبال، والإسكافي الذي عرض أحذية جلدية وصنادل لكل من يملك ما يكفي من المال للاهتمام بمثل هذه الأمور. وكان لاجئ من الشمال قد افتتح كشكاً للمخبوزات في اليوم السابق فحسب. وسبق لتسيب أن سمع بذلك الأمر. فقد بنى الرجل فرناً طينياً صغيراً، بإذن من كبير الخدم، بالقرب من المكان الذي ستُقام فيه ساحة السوق الجديدة في الشمال في نهاية المطاف. وأما الآن فكانت زوجته تخبز هناك بينما ينقل الرجل السلع الطازجة لبيعها هنا.
وحتى من على بعد خطوات عديدة، استطاع تسيب شم ريحة ذلك — الخبز الدافئ والعجين الحلو وشيء أغنى قليلاً من الطعام الخشن الذي اعتاده معظم الناس. وكان الخزاف قد عرض بضاعته أيضاً — أطباق خزفية وأكواباً وأواني وقِلالاً بمختلف الأحجام. وهناك عدد من البائعين الصغار الآخرين أيضاً. فقد عرض رجل حزماً من الشموع وفتائل المصابيح. وباع آخر قطع صابون مقطعة بأحجام صغيرة، إلى جانب أمشاط خشبية وإبر وخيوط وقطع خيطية.
وكانت امرأة تقف على مسافة أبعد تمتلك لوحاً مليئاً بالملاعق الخشبية والأواني والأطباق وألعاب الأطفال المنحوتة ببساطة. ولم يكن أي من ذلك باهظ الثمن، ولهذا السبب بالذات كان الناس يتوقفون للمشاهدة. وتذكر تسيب تلك المرأة وهي تعمل متدربة لدى دارورا في الماضي. ويبدو أنها إما تركت تلك الوظيفة وقررت العمل كتاجرة أو أنها ربما كانت تصنع هذه الأشياء في وقت فراغها لكسب بعض المال الإضافي.